تكنولوجيا اليوم والأمس

تنسب إلى الراحل علي الوردي مقولة “من ظهور الحمير إلى الجامبو”، واصفا بها التطور الذي شهده خلال فترة حياته، حيث كانت وسيلة النقل المُتاحة في طفولته وصباه هي ركوب الحمير، بينما مع تقدم العمر أصبح يسافر بطائرات فخمة. لم يعاصر الوردي الإنترنت والكمبيوترات الشخصية ولا عاصر شبكات التواصل والهواتف الذكية، ومع ذلك لم يكن ببعيد جدا عن معاصرتها فلو امتد عمره إلى عقد آخر لربما تغيرت عبارته لتكون “من الحمام الزاجل إلى مكالمات الفيديو”.
الاثنين 2016/12/19
مستقبل التكنولوجيا مجهول

يشهد التطور التكنولوجي في العقود الأخيرة تسارعا بشكل مخيف، حيث كانت الكمبيوترات في ثمانينات القرن الماضي مقتصرة على مراكز الأبحاث والمؤسسات الكبيرة وتشغل مساحات كبيرة وتستهلك الكثير من الطاقة مقارنة بقدرتها على معالجة المعلومات، في حين تفوق الهواتف الذكية التي يقتنيها الأطفال اليوم بسرعتها وكفاءتها تلك الكمبيوترات بالمئات من المرات.

وقد لا تثير المقارنة بين تكنولوجيا اليوم ونظيرتها قبل 40 عاما الصدمة، لكن ربما تكون المقارنة بينها وبين تكنولوجيا العقد الأخير صادمة فعلا.

كانت شركة نوكيا تسيطر على سوق الهواتف المحمولة من خلال ما تمتاز به هواتفها من كاميرات وشاشات ملونة، بالإضافة إلى تزويدها بتطبيقات لبعض ألعاب الفيديو، لكنها تراجعت وسلمت راية الريادة لأبل وسامسونغ أمام اشتداد التنافس بينهما على الانفراد بهواتف بميزات كانت يوما ما تعد ضربا من الخيال العلمي.

ومع انطلاق ثورة الهواتف الذكية، بدأت مرحلة جديدة لم يعد معها الهاتف مجرد جهاز للاتصال وحسب بل أصبح عبارة عن مساعد رقمي يقوم بالعديد من المهام المتنوعة كترتيب المواعيد وإمكانية إدارة البريد الإلكتروني، وحتى التسوق وإدارة الأعمال أصبح من الممكن القيام بهما أثناء ركوب الباص أو الجلوس في السرير. وما ساعد على ذلك هو تطور تقنيات الاتصالات وتقديمها لخدمات إنترنت سريعة ومناسبة السعر.

هذه السهولة في العيش التي وفرها التطور التكنولوجي رافقها جانب سلبي تمثل في الحد من التواصل الاجتماعي في العالم الواقعي، فأصبحت الأمسيات العائلية ولقاءات الأصدقاء عبارة عن جلسات لتصفح شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الدردشة، بل ربما أصبح من مستلزمات الضيافة تقديم رمز شبكة الواي فاي المنزلية للضيوف قبل تقديم القهوة.

في خبر كان

ما يقارب العقد ونصف العقد من الزمن لم يكن لمدينة الجبايش الصغيرة في جنوب العراق، والتي كان تعدادها في ذلك الوقت يتجاوز العشرة آلاف نسمة، سوى خط هاتف مباشر واحد يربط شبكتها المحلية بالشبكة الوطنية للهاتف الأرضي. وللاتصال بصديق أو قريب في محافظة أو مدينة أخرى يستلزم الأمر إنفاق ساعات طويلة من المحاولات المضنية للحصول على الخط.

هواتف اليوم تمتاز بقدرة أكبر بكثير على معالجة المعلومات من كمبيوترات الثمانينات العملاقة

وعلى الرغم من أن المدينة اليوم أصبحت مرتبطة بشبكة الهاتف الضوئي وبإمكان كل منزل الحصول على خطه الخاص الذي يتيح له الحصول على خدمات إنترنت -محدودة السرعة- إلا أن الهاتف الأرضي لم يعد شائع الاستعمال سواء في العراق أو في بقية أنحاء العالم، ولعل مراهقو اليوم ينظرون إليه بالطريقة التي نظر بها من سبقهم إلى جهاز المذياع القديم.

ليست الهواتف الأرضية وحدها التي اندثرت بل حتى بعض التكنولوجيا الحديثة نسبيا مثل القرص المرن في الكمبيوتر (فلوبي دسك) والذي لا يزال المستخدم يجد صورته كأيقونة لخيار الحفظ في الكثير من التطبيقات كمحرر النصوص من شركة مايكروسوفت وغيره.

وفي وقت ما، كان وجود القرص المرن ضروريا جدا فقد كان الطريقة الوحيدة لحفظ واسترجاع البيانات مع إمكانية تعديلها، لكن كمبيوترات اليوم تخلو تماما من قارئ للقرص المرن.

وفي حين قضت شرائح الذاكرة القابلة للإزالة -المعروفة كذلك بعصى الذاكرة أو الفلاش- على استخدام القرص المرن والأقراص المدمجة، لم تصمد هي الأخرى بوجه الجيل الجديد من مساحات التخزين المرتبطة بالإنترنت والمعروفة باسم الخدمات السحابية (كلاود). فمع الخدمات التي تقدمها غوغل درايف ودروب بوكس أصبحت عملية تخزين المعلومات ومشاركتها عملية مختلفة تماما عن الماضي. فلم يعد على المستخدم القلق من فقدان ذاكرة الفلاش الخاصة به أو تلف القرص المرن الذي يحوي معلوماته. كما أن عملية استعادة البيانات ومشاركتها مع الآخرين أصبحت سهلة ويسيرة ولا تستوجب أكثر من ضغطة زر.

لم يتوقف التطور المتسارع للتكنولوجيا عند هذا الحد، فمع توفر شاشات اللمس ربما لن يكون هناك دور كبير للوحة المفاتيح أو مؤشر الفأرة، وهما من الأيقونات الشهيرة للكمبيوتر في القرن العشرين، فكما أصبح القرص المرن من الماضي ربما سيأتي الوقت الذي سيكون فيه استخدامهما مجرد ذكريات.

ومن الاتصال إلى التنقل والملاحة، فبوجود تطبيقات الخرائط التي تُحدث باستمرار بمعلومات متنوعة من الحوادث العرضية في الطرقات إلى الازدحامات المرورية، أصبح استخدام الخرائط الورقية من الماضي. ومرة أخرى تلعب ثورة الهواتف الذكية دورا محوريا في هذا. فبفضل إمكانية الحصول على تعليقات المستخدمين وردود أفعالهم أصبحت تطبيقات الخرائط آنية التحديث تقريبا بل وتتيح الحصول على معلومات عن المطاعم وأمكنة الترفيه القريبة. ومع كل هذه الميزات من سيحتاج إلى الخرائط الورقية؟

انتشار الطابعات ثلاثية الأبعاد وتزايد تطبيقاتها في مجالات مختلفة يعدان بتغيير حقيقي في نمط الحياة الذي نعيشه

تكنولوجيا حديثة العهد

كما أحالت تطبيقات الخرائط سلفها الورقي إلى التقاعد، فقد أجبر الإقبال على قراءة الكتب الإلكترونية، التي انتشرت منذ عقد من الزمن، دور النشر والطباعة على توفير نسخ إلكترونية لكتبها بل وحكمت شبكة الإنترنت على البعض من كبريات الصحف والمجلات العالمية بالتوقف عن نشر نسخ ورقية لمطبوعاتها. أصبح بإمكان الكاتب أن يضمّن مقاله أو كتابه الإلكتروني بعض الوسائط المتعددة أو الفيديوهات التوضيحية لتجعل عملية القراءة المعاصرة أكثر متعة، رغم أن بعض القراء يحبذون الاحتفاظ بالأسلوب التقليدي في القراءة.

أما في مجال النشر العلمي، فإن للمطبوعات الإلكترونية دورا كبيرا في توطيد التواصل العلمي بين مختلف المجاميع البحثية أو في عملية البحث عن المصادر والبحوث ذات الصلة. فمن دون شك ينفق الباحثون اليوم وقت أقل بكثير للحصول على نفس المعلومة التي اعتاد زملاؤهم قبل عدة عقود على إنفاق أيام وأشهر للوصول إليها.

وليس هذا وحسب، فإن شبكة المعلومات اليوم تتيح للباحثين مشاركة البرامج الحاسوبية والبيانات التي حللوها وغيرها من الأمور التي ما كان بالإمكان مشاركتها في ما سبق بهذه السهولة. ومن الطبيعي أن ينعكس هذا على حركة العلم ذاتها لنرى تصاعدا متناميا لأعداد المجلات العلمية والبحوث العلمية فيها.

وإضافة إلى ما ذكر حول الهواتف الذكية وما قادت إليه من تطور، تعتبر أجهزة الواقع الافتراضي اليوم الصيحة المعاصرة في عالم التكنولوجيا، وربما ستمثل هي أو النظارات الذكية سمة عصر ما بعد الهواتف الذكية وشبكات التواصل.

كما أن انتشار الطابعات ثلاثية الأبعاد وتزايد تطبيقاتها في مجالات مختلفة يعدان بتغيير حقيقي في نمط الحياة الذي نعيشه.

وفي ظل التعطش المستمر في السوق للأجهزة التكنولوجية، لا يتوقع أن تقل حدة التطور التكنولوجي في أي زمن قريب، بل على العكس يتوقع أن ينظر الجيل القادم إلى هذه الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية بنفس النظرة التي كان الجيل الذي سبقه ينظر بها إلى هواتف نوكيا التي تنتمي إلى العقد الماضي.

وعلى جانب آخر، يتعايش اليوم جيلان أحدهما كان يرى مكالمات الفيديو محض خيال علمي لن يكون متاحا له بأي وقت منظور، بينما لم ير الجيل الآخر في حياته مشغل كاست أو قرصا مرنا. فماذا لو أصبح التطور التكنولوجي من السرعة بحيث لا يستطيع بعض البشر مجاراته؟ يطلق المختصون على هذا الأمر مسمى التفردية، ماذا لو قادنا التطور التكنولوجي إلى مجتمع لا يستطيع أعضاؤه التواصل في ما بينهم لشدة التباين والاختلاف؟ وكيف لنا أن نواجه هذا الأمر؟

كاتب عراقي

12