تكنولوجيا متقدمة في أيدٍ متخلفة

الأحد 2015/03/15

تخلق التكنولوجيا وهما كبيرا بالتقدم. يذهب البعض بعيدا إلى درجة المساواة بين التكنولوجيا والعلم. تجعل هذه المساواة الوهم حقيقة وتفترض أن توفر التقنيات في مجتمع هو وصفة للتطور والرقي.

قراءة خاطئة من هذا النوع تجعل من سائق السيارة أستاذا في الهندسة الميكانيكية فقط لأنه يستطيع التعاطي مع تكنولوجيا قيادة السيارات. كلنا يعلم أن هذا ليس صحيحا.

القلم تكنولوجيا بدائية للكتابة عاشت معنا منذ قرون. لا أحد يفترض أن من يمسك بالقلم يصبح كاتبا تلقائيا. كل ما فعله القلم أنه منع اتساخ اليد من الفحم. مهمة الكتابة تكمن بعيدا عن اليد. إنها هناك، في العقل. القلم غير مسؤول عن جميل الكلام أو قبيحه مما يكتب على الورق.

السيف تكنولوجيا بدائية للقتل. بضربة واحدة تستطيع قتل خصمك أو جرحه. إنه أفضل تقنيا من العصا التي توفر بذاتها تقنية للقتل ولكن بضربات أكثر. وهو أفضل من اللاتكنولوجيا التي يوفرها ذراع الإنسان في محاولته التفوق على الخصم. السيف ليس مسؤولا عن مذابح المغول في الصين عندما قرروا القضاء على ربع السكان.

الإنترنت، بتفرعاتها العديدة، تكنولوجيا متقدمة صار من الصعب إحصاء ما يمكن أن توفره من منفعة أو ما تحدثه من ضرر. عندما انتشرت أول ما انتشرت في الجامعات مطلع التسعينات من القرن الماضي، كانت حلما للباحثين. وفّرت عليهم أشهرا من الانتظار لحين نشر البحوث والدراسات بالوسائل التقليدية. الإنترنت غيّرت قواعد كل شيء. لكنها بالتأكيد غير مسؤولة عن تحول أجزاء منها إلى أدوات لنشر الخراب والفتنة والأحقاد.

تخطيط: ساي سرحان

الإعلام الفضائي تكنولوجيا خرافية. الصورة والصوت والحدث على بعد ثانية من أي مكان في العالم. تستطيع أن تنقل أجمل ما في الفنون والثقافة والرياضة إلى كل ركن قصي. عندما تحدثنا قبل أكثر من عشرين عاما عن القرية الكونية، إنما كنا نتحدث عن قرية الأقمار الصناعية والتواصل اللحظي. آخر ما كان يتخيله مهندسو تطوير تقنيات الأقمار الصناعية أن تصبح شاشات التلفزيون التي تنقل برامج القنوات الفضائية إلى منابر للحث على العنف والتشدد والقتل والتدمير. من كان يظن أن الوعاظ المتطرفين الذي كانوا يتسللون نحو المنابر سيتمطّون أمامنا ويجلسون لساعات وساعات. حتى الخميني، الذي تسلل عبر تقنية أشرطة الكاسيت إلى إيران الشاه، ما كان يحلم بعشر ما توفره قنوات التحريض اليوم.

الهاتف المحمول غيّر حياتنا. أول ما ظهر، كان هاتفا فقط. اليوم هو كل شيء. هو الكتاب والسكرتيرة والكاميرا وألبوم الصور والتلفزيون ومفكرة المواعيد وصندوق البريد ومنظم ضربات القلب. هو تويتر وفيسبوك وواتس أب. فجأة تغير حجم العالم من حولنا. كنا نعرف 20 شخصا بشكل تام لأنهم أقاربنا أو زملاؤنا أو جيراننا. كنا نعرف مائة آخرين ممن نلتقيهم في المناسبات ونصارع ذاكرتنا لكي تحافظ على أسمائهم. اليوم أنت جزء من حشد كبير. صار لديك أعداد من المتابعين والمريدين يزيد عن أعداد ما توفرت تاريخيا إلا لعروش وأديان. المشكلة ليست في العدد وبركة العدد. المشكلة فيما نقول. كنا حذرين جدا فيما نقوله أمام العشرين شخصا من الأقرباء والزملاء والأصدقاء. كنا نتوخى الكياسة فيما نكتبه أو نتلفظ به أمام المئة شخص من المعارف. اليوم لساننا منفلت ولا يراعي لا ذوقا ولا أدبا. اليوم عيننا تلتقط الأشياء عبر كاميرا الموبايل وتبثها بلا حد أدنى من الحشمة. اليوم كأن البعض خلق للفتنة.

التكنولوجيا ليست وعيا بل أداة. لا أحد يكسر القلم أو يعدم السيف. اللوم على الكاتب والعقاب للقاتل. من دون وعي، انقلبت التكنولوجيا ضدنا. صارت عبئا خطيرا على كل المسلّمات في عالمنا العربي بدلا من أن تكون، كما في الغرب والشرق، أداة تساعدنا في الخروج من مشاكلنا الكبيرة والمستعصية.

حاجتنا للوعي أكبر من حاجتنا للتكنولوجيا. الوعي هو ما يعيد الغرائز إلى قفصها. الشعوب الواعية تتعايش مع ذاتها قبل التكنولوجيا وبعدها. الكاتب الواعي يؤثر إيجابيا في المجتمع حتى لو تمت طباعة صفحاته على ألواح الحجر أو الرصاص. الكاتب الخبيث سيجد في التقنيات الحديثة ضالته. السياسي الوطني يؤثر بالقليل من الناس ليخلق منهم كتلة حرجة تنطلق منها الإصلاحات نحو بقية الناس. لن يحتاج إلى الفتنة التي يبثها الوسواس الخناس عبر شبكات التواصل الاجتماعية.

وهْم التكنولوجيا كحل لمشاكلنا وهْم خطير لا بد من مواجهته مثل أي وباء يمكن أن يقضي على الناس. خدعة التكنولوجيا في أيدٍ متخلفة ما عادت تنطلي علينا.

كاتب من العراق مقيم في لندن

المقال ينشر بالاتفاق مع "الجديد" اللندنية

11