تلاحم المسلمين والأقباط في بناء دور العبادة رسالة تسامح لا يفهمها المتشددون

تبرعات المسلمين والأقباط لبناء وترميم دور العبادة يشكل تحركا عاطفيا بالفطرة ويحمل رسالة سلام تدحض التحركات المشبوهة لتشويه صورة العلاقة بين الطرفين.
الخميس 2018/09/13
ليست مجرد مصافحات بروتوكولية

تمثل تبرعات المسلمين لبناء كنائس، والأقباط لإنشاء مساجد في مصر، حالة فريدة من نوعها لإعلاء قيم التسامح والترابط، وهي رسالة يرفض المتشددون استيعابها، بالاستمرار في القيام بأفعال شاذة للوقيعة بين أصحاب العقائد الدينية من خلال حوادث الاحتقان الطائفي.

وعكس تبرع مقاول قبطي، لبناء مسجد في محافظة المنيا، جنوب مصر، فشل مساعي العناصر المتشددة في الوقيعة بين المسلمين والمسيحيين، لا سيما وأن تبرعه جاء بعد أيام قليلة من قيام مجموعة من السلفيين بحرق ونهب منازل أربعة أقباط، الأسبوع الماضي، بذريعة تحول أحدهم إلى كنيسة صغيرة.

كان المقاول مايكل منير، أحد المسؤولين عن بناء المجمع السكني بمنطقة المطاهرة، جنوب غرب المنيا، ضمن مشروع المليون وحدة سكنية الذي تقوم به الحكومة المصرية، وتفاجأ عند اكتمال بناء المجمع بعدم وجود مسجد لخدمة سكان المنطقة، فقرر التبرع ببنائه من ماله الخاص.

وقال مايكل لـ”العرب”، إن بناء المسجد رسالة تسامح ومحبة، وتأكيد على أن أبناء الوطن لا يمكن أن يفرقهم دين أو معتقد، وأن من يسعى لتخريب العلاقة بين الطرفين ستبوء محاولاته بالفشل، لافتا إلى وجود الكثير من حالات التبرع بين المسلمين والأقباط لبناء كنائس ومساجد في مصر.

وأضاف أن تبرعات المسلمين والأقباط لبناء وترميم دور العبادة تحرك عاطفي بالفطرة يحمل رسالة سلام تدحض التحركات المشبوهة لتشويه صورة العلاقة بين الطرفين، وتبرهن أن المجتمع المصري رافض لتمدد التيار المتشدد بين مواطنيه بشتى الطرق.

أزمة مايكل مع أصحاب العقول الرجعية، كما يصفهم، أنهم تعاملوا مع التصرف باعتباره شو إعلامي ومحاولة للظهور المجتمعي والتقرب من السلطة، دون النظر لإيجابيات ذلك على تحسين وترسيخ العلاقة القوية بين المسلمين والأقباط، مؤكدا أن التحضر الاجتماعي السبيل الأمثل لمواجهة المتشددين وأصحاب العقول والثقافات الرجعية.

اللافت أن عاطف منير، والد مايكل، كان أحد ضحايا الهجوم الإرهابي المسلح الذي استهدف زوار دير الأنبا صموئيل بالمنيا في شهر مايو عام 2017، لكنه (مايكل) تمسك بأن الحادث لا علاقة له بالدين الإسلامي، وأكد أن التبرع لبناء دور العبادة أولى من التبرع للمدارس، لأنها عنوان التسامح والتلاحم البشري.

حتى أن مايكل عندما حصل على تعويض من الحكومة، مثل باقي أسر ضحايا حادث دير الأنباء صموئيل، وكانت قيمته 100 ألف جنيه (5600 دولار) لكل قتيل، قرر التبرع بنصف المبلغ لبناء أحد المساجد، والنصف الآخر لكنيسة، وكلاهما في محافظة المنيا.

تبرعات المسيحيين لبناء مساجد، والعكس من المسلمين، حراك مجتمعي رافض للتطرف والفتنة

ودفع حادث حرق مجموعة من المتشددين لمنازل أقباط بالمنيا، لتسليط الضوء الإعلامي والرسمي على موقف المقاول القبطي، للتأكيد على قوة العلاقة بين المسلمين والمسيحيين بغض النظر عن أفعال فئة متطرفة تحمل معتقدات وأفكار تبدو قريبة، أو متناغمة مع التنظيمات الإرهابية.

وتظل أزمة المؤسسات الدينية الرسمية في مصر، تتعامل مع وقائع تبرع مسيحيين لبناء أو ترميم مساجد، باعتبارها دليلا دامغا على غياب الاحتقان الطائفي، دون الإقرار بوجود متشددين يمارسون الإرهاب المجتمعي بفتاوى تكفيرية تعادي الأقباط وتفتح الباب أمام مقاطعتهم واستهدافهم.

وسبق موقف مايكل، وقائع أخرى مماثلة في أكثر من محافظة، حيث تبرع قبطي العام الماضي، بقطعة أرض لبناء مسجد في مدينة قليوب التابعة لمحافظة القليوبية، شمال القاهرة، بعدما شعر صاحب الأرض أن المسلمين بالقرية يقطعون مسافات طويلة للصلاة، وأن المنطقة السكانية خالية من المساجد.

حتى أن بعض المسلمين، اعتادوا التبرع بالمال والأرض، لبناء أو ترميم كنيسة، آخرها ما جرى العام الماضي في محافظة المنيا، بعدما قررت أسر مسلمة جمع المال، لتشييد كنيسة مار جرجس، بعدما أصدرت الجهات التنفيذية قرارا بهدمها لأنها قديمة وكانت آيلة للسقوط.

آنذاك، تشارك المسلمون في أعمال البناء، بعضهم تبرع بالمال وآخرون بإطعام العمال، حتى أن أحد أصحاب المخابز، وهو مسلم، قرر تقديم الخبز مجانا طوال فترة العمل في بناء الكنيسة، وتكررت الواقعة ذاتها، بتبرع رجل أعمال مسلم بمبلغ 50 ألف جنيه لبناء كنيسة شهداء الإيمان والوطن، التي قررت الحكومة إنشاءها تنفيذا لقرار رئاسي ببناء كنيسة لضحايا مذبحة دير الأنبا صموئيل.

وتصطدم المواقف التي ترسخ قيم التسامح بفتاوى متشددة تحرمها، في ظل تمدد الفكر السلفي والتراخي الحكومي في مواجهته بشكل حاسم. وهناك تشدد مماثل من نشطاء أقباط، يتعاملون مع هذه النوعية من الترابط المجتمعي والفكري والثقافي بين المسلمين والمسيحيين بنوع من التحفظ والرفض غير المعلن، ويصر هؤلاء على اللعب على وتر استهداف الأقباط في مصر والنفخ في نار الفتنة الطائفية ضد محاولات إخمادها.

وقال كمال زاخر المفكر القبطي لـ”العرب”، إن تبرعات المسيحيين لبناء مساجد، والعكس من المسلمين، حراك مجتمعي رافض للتطرف والفتنة، ولا تملك العناصر المتطرفة سوى سلاح الفتاوى الشاذة لوقف هذا الحراك، لأنه يفشل مساعيها للسيطرة على عقول الناس.

واطلعت “العرب” على مجموعة من الفتاوى التي بثها موقع (إسلام ويب)، لسان فتوى الجماعة الإسلامية والسلفيين، حول تبرع المسلمين لبناء كنائس، وكان من بينها أن المشاركة في بناء دور العبادة المسيحية معصية لا تغتفر، ولا يجوز المساهمة فيها بمال ولا غيره. ووصل تشدد بعض الفتاوى، إلى أن عقيدة السلفيين المتشددين تعتبر مساهمة المسلم في بناء كنيسة، يساوي صرف المال على شرب الخمر وارتكاب الفسق والفجور.

تتناغم فتاوى المتشددين في شأن تبرع المسلمين ببناء الكنائس، مع أفكار بعض العناصر البارزة في تنظيم القاعدة، بينهم عضو اللجنة الشرعية بالتنظيم أبوهمام بكر الأثري، الذي أعد دراسة سابقة حملت عنوان “السيل الكانس لترهات باني الكنائس″، وهي دراسة شاملة تلخص وجهة نظر التيارات الإسلامية من السلفية والجهاديين حول أحكام الكنائس وتبرعات المسلمين في بنائها.

13