تلازم الجماعات والمخابرات في وثائق الإسلام السياسي

علاقة قائمة على خدمة مصالح الغرب على حساب الدول المسلمة، لذلك هذه الجماعات ستبقى في موضع الرضا الاستعماري.
الثلاثاء 2020/06/23
حماة مصالح الغرب باسم الدين

في المؤلفات السياسية البريطانية والأميركية التي صدرت خلال العقدين الأخيرين، وتناولت خبايا السياسات في الشرق الأوسط، هناك الكثير المثير على مستوى التفاصيل، وما يعزز قناعة الدارسين بحقيقة ارتباط جماعات “الإسلام السياسي” بالمخابرات البريطانية، منذ نشأتها الأولى، خلال الثلث الأول من القرن العشرين في المشرق العربي والإسلامي، ثم ارتباطها بالمخابرات المركزية الأميركية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

لا يوجد سياق لحركة “الإسلام السياسي” خارج لعبة الغرب، وخططه الأشد حرصا على منع وحدة الأمم واستقلال السياسات واستحواذ الشعوب على ثرواتها.

الكثير مما انكشف وينكشف، سواء من المراسلات السرية والوثائق المفرج عنها، يؤكد أن جماعات “الإسلام السياسي” لم ولن تكترث لمصائر أوطانها وتماسك شعوبها، ولا حتى لفكرة الاستقلال الوطني ولا لقيم الشفافية والاستقامة والتقوى. وهنا، يمكن رصد تجارب هذه الظاهرة في العديد من البلدان من خلال المجموعات التي عبرت عنها في التاريخ الحديث!

كانت الهند مهد ظهور أول تجليات “الإسلام السياسي” من خلال التواطؤ المشيخي في ثمانينات القرن التاسع عشر مع المصالح الاستخبارية البريطانية، التي اعتمدت سياسة “فرِّق تَسُد”. فقد أرادت بريطانيا استباق محاولات الوطنيين الهنود لتحقيق إجماع هندي متخط للأديان الكثيرة، والذهاب إلى وحدة وطنية لطرد المستعمر، فركزت على المربي والمصلح الاجتماعي سيد أحمد خان، الذي دعا في العام 1886 إلى ما سماه “المؤتمر المحمدي لعموم الهند” الذي انبثقت عنه “حركة أليغار” نسبة إلى المدينة التي حدث فيها المؤتمر في ولاية “أتر براديش” شمالي البلاد.

وكان التوجه الذي أوعز به البريطانيون للشيخ أحمد سيد، هو الفصل بين مصالح المسلمين وحركة التحرر الوطني الهندية، بذريعة أن لا طائل من مقاومة بريطانيا، وأن المسلمين لا يملكون القوة التي تؤهلهم للمشاركة مع الهندوس، وأن مصلحتهم تكمن في التعليم ومد الجسور مع الدولة المستعمرة. وما إن أعلن البريطانيون عن تشكيل مجالس تشريعية ودوائر انتخابية، حتى طالب منتسبو حركة أليغار بأن يكون لهم سياق سياسي وكياني مواز وخاص، وكان من جراء هذا السلوك بدء مراكمة عناصر التطرف الهندوسي، الذي لم يكن موجودا في أيام الأباطرة المغول المسلمين بدءا من تيمور لنك إلى “بهادر شاه”. وكان الناشطون في إطار تلك الحركة، وهم من كبار الملاك المسلمين، سببا في انقسام مجتمعي في الهند على أساس الموقف من الحركة الوطنية للبلاد. فقد كتبت حرم اللورد مينتو نائب الملك والحاكم العام في الهند، في مذكراتها، أن زوجها استطاع في العشرية الأولى من القرن العشرين، أن يكسب ولاء النخبة المسلمة، ما أدى إلى “منع انضمام 62 مليون هندي مسلم إلى صفوف المعارضة الداعية إلى الفتنة”!

الغرب يزن في كل واقعة الربح والخسارة، فإن غلب الربح مرت فترة التعاون بهيجة، وإن رجحت كفة الخسارة، يبدأ صراع الأفاعي

في ذلك السياق، تطور شكل التعبير عن توجهات “الإسلام السياسي” من خلال تطوير منهجية حركة أليغار. ففي أواخر العام 1906، خرجت للمرة الأولى فكرة “الرابطة الإسلامية” وكان خروجها بهذا الاسم تحديدا، الذي تكرر في غير مكان في ما بعد. وقد بدا واضحا بجلاء، أن الفكرة بريطانية والتسمية والتوجهات من صياغة المخابرات البريطانية، ولأن تلك “الرابطة” في العام 1906 كانت تجربة أو “بروفة” يجري إنضاجها واختبار جدواها في تلك البلاد، ثم اعتمادها في العديد من البلدان، مع اختلافات طفيفة، حسب ثقافة كل بلد ولغته وأوضاعه الوطنية، وأيضا حسب طواعية النخبة المسلمة التي يراد استخدامها ورعايتها وظروفها. هنا، ليست هناك أي غرابة، في أن يكون المبلغ النقدي الأول، الذي تلقاه حسن البنا من هيئة قناة السويس، بعد تأسيس الجماعة بسنتين، فالهيئة بريطانية موصولة بالقوات البريطانية وباستخباراتها!

عندما ننظر إلى “الرابطة الإسلامية” التي أطلقتها حركة أليغار (وهذه، بالمناسبة، لا تزال مبجلة في أدبيات الإسلام السياسي العربي) نرى أن البند الأول من نظامها أو لائحتها، يحث على تشجيع مشاعر الولاء للحكومة البريطانية بين المسلمين في الهند. وقد امتدح المسؤولون البريطانيون تلك الرابطة، واستكملوا فكرتهم عن الأنموذج الأمثل، الذي حرصوا على نقله إلى إندونيسيا وإيران ومصر وسوريا وشمال أفريقيا، مع نماذج خاصة لبلدان أخرى كالعراق وللناشطين في القارة الأوروبية.

ولكي يبدأ الاختبار العملياتي للخطط، في العام 1939 دخلت “الرابطة الإسلامية” ممثلة بزعيمها محمد علي جناح، مع البريطانيين في عملية شق الهند لأهداف استراتيجية بريطانية بحتة. فقد أوعز نائب الملك البريطاني والحاكم آنذاك فيكتور هوب (ماركيوس) لمحمد علي جناح بأن يعارض مطلب حزب المؤتمر الهندي بالاستقلال التام عن بريطانيا، واقترح عليه أن يبحث عن بديل. وكانت بريطانيا ترى أن الهند، في حال وجدت نفسها، بتعددها العرقي والثقافي غير مستعدة لأن تصبح دولة مستقلة داخل رابطة “الكومنولث” فعندئذ “يكون التقسيم هو طريق نجاة بريطانيا من المأزق”.

في تلك الأثناء، كانت حركة الاستقلال الوطني بقيادة غاندي، تضغط بقوة، وقد استطاعت بزخمها الأخلاقي استيعاب نخبة من الجيل الجديد من المسلمين، الذين اكتشفوا حقيقة ارتباط “الرابطة الإسلامية” بالمستعمر البريطاني. فقد التحق رجال كثر، من النخبة المسلمة، تعلموا في معاهد “الرابطة” لكنهم خرجوا من تحت مظلتها، ومن بين هؤلاء التربوي والمفكر ذاكر حسين، الرئيس الثالث لجمهورية الهند المستقلة.

استخدام الإسلام السياسي لتمزيق النسيج الاجتماعي وتكريس منهجية التنازع الأهلي المفتوح
استخدام الإسلام السياسي لتمزيق النسيج الاجتماعي وتكريس منهجية التنازع الأهلي المفتوح

تقدم حزب المؤتمر الهندي في نضاله الاستقلالي واستطاع كسب مساحات كبيرة من التأييد الشعبي الداخلي والدولي الخارجي، وأدرك البريطانيون أن الاستقلاليين الهنود لا يريدون إبقاء بلادهم ضمن “الكومنولث” ولن يسلموا باستمرار أي نفوذ سياسي وعسكري لبريطانيا في بلادهم. من هنا رمت بريطانيا بكل ثقلها لصالح انفصال الجزء الشمالي الغربي من البلاد، وإنشاء دولة إسلامية مستقلة. وكانت الدوافع استراتيجية بحتة، بحكم تجاور هذه الدولة مع الاتحاد السوفياتي والصين وأفغانستان وإيران. وفي تلك الأثناء، كان الفيلد مارشال البريطاني  “فيسكاونت ليفل” نائب الملك والحاكم العام في الهند، الذي حل في العام 1943 هو شريك زعيم “الرابطة الإسلامية” في رسم التوجه الاستراتيجي للدولة الجديدة!

على مر المراحل، تبدلت أهداف البريطانيين ومن ثم الأميركيين، في إطار استراتيجية الهيمنة على الثروات، وتكريس النفوذ. وانتقلت خطط استخدام “الإسلام السياسي” إلى المنطقة العربية، بشفاعة شروحات عقدية لم يعرفها تاريخ المسلمين. ففي ذلك السياق، ترجمت كتابات المودودي التي قدمت التعليل السياسي ـ الاجتماعي لهذا التوجه، ثم قدم حسن البنا التعليل الفقهي الأول، الذي استلهمه من كتابات المجدد اللبناني رشيد الرضا، وذلك قبل أن يظهر سيد قطب، كمفكر “إسلام سياسي” استجد على الدين أو حتى على الإيمان، فذهب إلى الحث على الكوارث، بذريعة أن المجتمع جاهلي والإيمان ركام، وسخر قلمه للإفتئات على المسلمين وتمزيق النسيج الاجتماعي وتكريس منهجية التنازع الأهلي المفتوح.

ومن المفارقات أن ظاهرة الترابط بين جماعات “الإسلام السياسي” ومخابرات بريطانيا والولايات المتحدة، قد أكدت مجموعة ثوابت، من بينها أن الغرب وهذا التيار الإسلامي بكل تنظيماته، صديقان لدودان، بمعنى أن أحدهما لا يطيق ثقافة الآخر، وفي الوقت نفسه لا يحتمل الابتعاد عنه أو مخاصمته. ففي تجربة كل بلد، هناك الكثير من الحقائق التي تؤكد انتهازية الطرفين. وفي سياقات التساند الميداني أثناء الأحداث، كانت فرضيات الخصومة تظل قائمة. والغرب كان يزن في كل واقعة الربح والخسارة، فإن غلب الربح مرت فترة التعاون بهيجة وسلسة، وإن رجحت كفة الخسارة، يبدأ نوع من صراع الأفاعي. لكن الثابت أن جماعات “الإسلام السياسي” تخالف المستعمرين وأهدافهم على المستوى التكتيكي وفي إطار الثرثرات لا السياسات. أما على المستوى الاستراتيجي، فإن هذه الجماعات ولا تزال وستبقى، في موضع الرضا الاستعماري، ولهذا السبب تحديدا فإن جماعة الإخوان محصنة لا تُصنف بما لا يسرها، في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وغيرها، ولهذا السبب، ترى أميركا ضالتها في ليبيا، عند “الجماعات” ومتى؟ أثناء ولاية دونالد ترامب الأكثر جنونا في التطرف!

12