تلاشي الفروق بين الإنسان والآلة

يعتمد إنسان المستقبل في حياته أكثر على علم الهندسة التطبيقية وعلم الهندسة الإلكترونية في تسيير أمور حياته، ويبدو أن الأمر سيصل إلى التحام الإنسان بالتكنولوجيا مباشرة لتكوين الإنسان الإلكتروني وذلك بعد اختراع الإنسان الآلي الذي أصبح مساعد قويا في كافة المجالات.
الأحد 2016/01/24
الإنسان الخارق ينزل إلى الأرض

نيويورك- أعلنت وكالة مشاريع البحوث المتقدمة بوزارة الدفاع الأميركية أنها تطور برنامجاً يهدف إلى تدشين رقاقة تُزرع في أدمغة الجنود لتتيح لهم التحكم في الأجهزة والآلات عن طريق عقولهم.

فهل أصبح الإنسان قريبا من النقطة التي يتحوّل فيها جسده وحياته، إلى نوع من البيولوجيا الإلكترونية بمعنى اندماج الذكاء الاصطناعي وأدواته في جسده بصورة عضوية؟

أوضح الباحثون في وكالة “داربا” التابعة للبنتاغون أن الرقاقة البالغ حجمها 1 سنتمترا مكعبا تزرع في المخ لتحقيق اتصال في الوقت الحقيقي بين الدماغ وجهاز الكمبيوتر عن طريق رمز ثنائي.

ويهدف مشروع داربا إلى تنمية قدرات ذكاء العقل البشري، لتتلاشى أيّ فروق بين الإنسان والآلة، إذ تتيح الرقاقة المزروعة في المخ التعامل مباشرة مع شبكة الإنترنت والدخول إلى محركات البحث والوصول إلى جميع المعلومات، وأيّ نوع من التواصل المباشر بين الدماغ البشري والعالم الرقمي.

وتطمح الوكالة إلى توظيف أبحاثها في مجال علم الأعصاب وزراعة الرقائق في أدمغة البشر، في المناحي العسكرية مثل تحكم الجنود في الأجهزة والآلات مباشرة عن طريق أدمغتهم، بحسب موقع ذي نيكست ويب.

وقبل ذلك نجحت عملية زرع رقاقة إلكترونية (تلك الأداة التي تُدير الكومبيوتر وتعطيه صفاته الذكيّة) داخل دماغ رجل مصاب بالشلل الرباعي، ما مكّنه من تحريك يده الاصطناعية والتحكّم بها. ووصفت مجلة ساينس التي تنطق بلسان الجمعية الأميركية لتقدم العلوم، الأمر تحت عنوان رقاقة الدماغ، وقصدت بذلك وصف قدرة تلك الرقاقة على التعامل مع دماغ الانسان ووظائفه، بل والاندماج فيها. إنه دخول الكومبيوتر إلى العقل الإنساني واندماجه فيه، ليصير جزءاً منه.

وأوضح البروفسور جون دونوهيو، الذي قاد فريقا علميا من جامعة براون في هذا الإنجاز العلمي، إنّ الاكتشاف يبشّر ببزوغ فجر جديد في علم تكنولوجيا الأعصاب.

وبيّن دونوهيو أنّ هذا الاكتشاف يشكّل خطوة إيجابية في الوسائل العلاجية لإصابات الجهاز العصبي. وشبهها بعمليات زرع الأجهزة الإلكترونية في الأذن الباطنية، والتي تسمح باستعادة القدرة على السمع، أو الأجهزة المنبّهة المستخدمة في علاج المصابين بداء الشلل الرعاش (باركنسون).

وأشار إلى أن الهدف على المدى الطويل هو تطوير الوصلات بين الكومبيوتر والدماغ أو ما يُعرف باسم براين كومبيوتر أنترفايس، وترجمتها التفاعل بين الكومبيوتر والدماغ.

على عكس الإنسان الآلي فإن الإنسان الإلكتروني هو إنسان بشري عادي مطعم بالتكنولوجيا الحديثة التي تمكنه من أن يكون فائق التطور وواسع القدرات

ويعتقد بعض المهتمين برصد مستقبل التطور المعلوماتي، أنّ هذه الخطوة قد تكون أبعد أثرا مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فمع تطوّر تكنولوجيا النانو قد يصل العلم إلى وضع يسمح بابتكار رقاقات متناهية الصغر بما يكفي لتُزرع داخل الجهاز العصبي البشري.

وسيعتمد إنسان المستقبل في حياته أكثر على علم الهندسة التطبيقية وعلم الهندسة الإلكترونية في تسيير أمور حياته ويصل الأمر إلى التحام الإنسان بالتكنولوجيا مباشرة لتكوين الإنسان الإلكتروني وذلك بعد اختراع الإنسان الآلي الذي أصبح مساعدا قويا في كافة المجالات الآن ويحل محل الإنسان البشري في ظروف قد لا يتحملها البشر، وعلى عكس الإنسان الآلي فإن الإنسان الإلكتروني هو إنسان بشري عادي مطعّم بالتكنولوجيا الحديثة التي تمكنه من أن يكون فائق التطور وواسع القدرات.

وتوصل علماء من معهد ماكس بلانك في ألمانيا إلى رقاقة مصنوعة من مادة السيليكون يمكنها تحفيز الخلايا العصبية لتنتج اتصالا ثنائيا بينيا لنقل المعلومات عن طريق تحويل النبضة العصبية إلى إشارة إلكترونية والعكس، وبالتالي يمكن توصيل أيّ جهاز إلكتروني بهذه الخلية التي تعمل كمدخل أو واجهة للأعصاب، وأيضا استقبال وفهم وتفسير النبضة العصبية وإرسال إشارة يفهمها العصب وبالتالي المخ، وسمّى العلماء هذه الخلية “الترانزستور العصبي”.

وأصبح هذا الابتكار هو البذرة التي بنيت عليها جميع الأبحاث والمشاريع التي تتناول الاتصال بين الإنسان والأجهزة الإلكترونية، حيث تمّ التوصل إلى نسخ مطورة من الترانزستور العصبي منها ما سمّي بمدخل اتصال العقل.

والجدير بالذكر أن بداية هذه الأبحاث تمت لابتكار وسيلة اتصال بين إشارات العقل والأطراف التعويضية الصناعية للتحكم بها، بالضبط كجهاز الكمبيوتر، ومن الممكن أن تقوم بتوصيل وحدات إدخال وإخراج للبشر، حيث يتم نقل البيانات إلى المخ مباشرة، ويمكن الاستماع إلى الموسيقى ومشاهدة مقاطع الفيديو عبر توصيل كارت الذاكرة أو ذاكرة الفلاش عبر هذا المنفذ القياسي والاستمتاع بهذه الوسائط بشكل فردي دون إزعاج أيّ شخص بجوارك أو تمكن مشاركة ما تشاهده عبر الاتصال اللاسلكي بين عقلك وعقل شخص آخر.

تطبيق آخر للاتصال بين الإنسان والدوائر الإلكترونية يظهر في التكنولوجيا الطبية ؛ فأبرز الأجهزة التي تحقق ذلك الدمج بين البشر والإلكترونيات أجهزة تنظيم ضربات القلب ومضخات الأنسولين وشرائح المعالجة المرتبطة بقشرة المخ، والكثير من التجارب الطبية أجريت لجعل المخ يتحكم مباشرة في جهاز الكمبيوتر باتصال لاسلكي دون الحاجة لاستخدام الأيدي أو أجهزة أخرى.

18