تلاميذ شرق الموصل يستأنفون الدروس بعد انقطاع دام أكثر من عامين

الثلاثاء 2017/01/31
طلب العلم أولوية قصوى

بغداد - تسعى المدارس في شرق مدينة الموصل العراقية للعودة إلى استئناف الحياة الدراسية بشكل عادي، بعد عامين من حكم تنظيم الدولة الإسلامية الذي شهد إغلاق تلك المؤسسات التعليمية أو إجبارها على تدريس منهج عسكري يتضمن دروسا في صناعة القنابل.

وسينتظم نحو 40 ألف طالب -معظمهم اختار أهاليهم أن يبقوهم في المنازل منذ سيطر المتشددون على الموصل في 2014- في الدراسة في نحو 70 مدرسة خلال الأسابيع المقبلة بعد أن جرى فحص المباني بحثا عن قنابل لم تنفجر.

وفي المدارس التي استأنفت الدروس بدت الحماسة على المعلمين والتلاميذ لتعويض ما فاتهم أثناء سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على مدينتهم حيث حرم أغلب الطلاب من متابعة دراستهم. ويواجه المعلمون والتلاميذ عقبات كثيرة من بينها معاناتهم من المشكلات النفسية ومن قلة الموارد. ويوجد في الموصل فناء مدرسة واحدة على الأقل تتناثر فيه قبور حديثة.

ودبت الحياة في المدينة مع إعادة فتح الأسواق والمحال وبيع سلع ومنتجات كانت محظورة في وقت ما مثل السجائر والمشروبات الغازية.

وفي إحدى المدارس يجوب الأطفال أنحاء الفناء المدرسي حاملين حقائب جديدة ذات لون أزرق زاه قدمتها لهم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) فيما تجاورهم مبان تحولت إلى أنقاض.

وتستوعب مدرسة الكوفة -واحدة من المدارس القليلة التي نجت من الدمار الذي خلفه القتال- ما يصل إلى 500 تلميذ لكنها سجلت 1500 تلميذ لمنح الفرصة لأكبر عدد ممكن من الأطفال لمتابعة دراستهم إلى أن يتم ترميم مدارسهم الأصلية أو مدها بالتجهيزات اللازمة.

40 ألف طالب سيلتحقون بالدراسة في نحو 70 مدرسة بعد أن جرى فحص المباني بحثا عن قنابل

وفي ملعب تغطي الثقوب الناجمة عن الرصاص جدرانه، جاء العشرات من الأطفال لتسجيل أسمائهم في مدرسة في أحد أحياء شرق الموصل التي تمت استعادتها من تنظيم الدولة الإسلامية، بعدما طال انتظارهم.

وقال غسان أحمد الذي يرافقه شقيقه الأصغر البالغ من العمر سبع سنوات والذي لم يذهب يوما إلى المدرسة “إنه يوم عظيم. اليوم نحن نضمن حق أطفالنا في الحصول على التعليم”. وكان هذا الأستاذ في جامعة الموصل رفض أن يتلقى أولاده دروسا قدمها الجهاديون. وأضاف أحمد “تركتهم في البيت وبدأت تعليمهم بنفسي المواد الرسمية للحكومة العراقية”. وكان غسان أحمد يعمل أستاذا في جامعة الموصل قبل استيلاء الجهاديين على المدينة في يونيو 2014.

وأمام المدرسة يوجد منزل محترق يذكر بأن منطقة المحاربين كانت قبل أسابيع ساحة معركة. وقال محمد البالغ من العمر تسع سنوات إن “الجهاديين أحرقوا المنزل ليحجب دخانها الرؤية عن الطائرات”.

وأكد محمد، وهو واحد من نحو 250 طفلا آخرين قدموا إلى مدرسة الفراهيدي للمرة الأولى منذ استيلاء الجهاديين على المدينة، أنه متلهف جدا للعودة إلى الدراسة، رغم نقص الماء والكهرباء والكتب المدرسية.

وأعيد افتتاح حوالي 30 مدرسة خلال الأيام القليلة الماضية تضم ما مجموعه 1600 تلميذ في الجانب الشرقي لمدينة الموصل الذي فر منه عدد قليل من العراقيين خلال الهجوم فيما لازمت الغالبية منازلها.

وقال موليد ورفا مدير فرع صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في أربيل إن “التعليم لا يمكن أن يتأخر، لا بد أن يكون أولوية”، مضيفا أن “المدارس يمكن أن تكون أداة لمساعدة الصغار على تجاوز ما عاشوه من صدمات، إن عددا كبيرا من الأطفال في هذه المدينة شاهدوا الكثير من الدمار والموت”. وأفادت منظمة “سيف ذي تشيلدرن” غير الحكومية بأن 300 ألف طفل على الأقل يعيشون في الشطر الغربي من الموصل الذي لا يزال تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، ومن المتوقع أن يشهد معارك شرسة في الأسابيع المقبلة. وحرم عدد كبير من الأطفال من المدارس لأكثر من عامين، وبعضهم أجبر على الانضمام إلى معسكرات “فتيان الخلافة” التابعة للتنظيم المتطرف.

وشدد موليد ورفا على أن التحدي الحالي هو إعادة الأطفال إلى المدارس. وقال “مع وجود مليوني نسمة في الموصل لا بد من أن نأخذ في الحسبان أن 35 بالمئة من السكان هم من الأطفال، ونحن نتحدث عن عدد ضخم يحتاج إلى العودة إلى المدارس”. وأضاف “إنها مهمة كبيرة (…) هناك 40 مدرسة ستعيد فتح أبوابها في الأسابيع المقبلة”.

في حي الزهور الذي يقع في شمال شرق الموصل، وقف الطالب العائد حيدر عدنان حاملا استمارة التسجيل في يده بعدما انتظر لوقت طويل في طابور. هو في الثامنة عشرة من عمره ويريد إنهاء دراسته الثانوية قبل دخول الجامعة. كان من القلائل الذين ارتادوا المدرسة حين كان يديرها تنظيم الدولة الإسلامية، ويذكر أن معلميها كانوا يمضون وقتهم في تمجيد إنجازات زعيم التنظيم أبوبكر البغدادي وآخرين من القادة الجهاديين.

وتحدث معلمون وأهال عن طبيعة التعليم الذي فرضه المتشددون على الأطفال الذين واظبوا على الدراسة في العامين المنقضيين بما في ذلك الكثير من أبناء المتشددين. وقالوا إن المنهج تضمن دروسا في الكيمياء عن صناعة القنابل ودروسا في الرياضيات عن تسجيل وإحصاء مخزون الأسلحة.

العودة إلى الحياة الطبيعية لن تكون سهلة على الأطفال الذين يحملون ندوب العيش في عاصمة دولة الخلافة بالعراق والمعارك المريرة للسيطرة على المدينة منذ أواخر العام الماضي

وقال ميشوان يونس (41 عاما) -وهو موظف بوزارة المياه يدرس ابنه في مدرسة الكوفة للبنين- “في درس الرياضيات كان ابني البالغ من العمر ستة أعوام يحصي البنادق. وفي فصول أخرى كان يدرس التفجيرات الانتحارية”، وتابع قائلا “خسر عامين مهمين من حياته. كان ينبغي أن يكون في الصف الثالث لكنه الآن سيعود إلى الصف الأول”.

لذلك فإن العودة إلى الحياة الطبيعية لن تكون سهلة على الأطفال الذين يحملون ندوب العيش في عاصمة دولة الخلافة بالعراق والمعارك المريرة للسيطرة على المدينة منذ أواخر العام الماضي. وقد يواجه الأطفال مشكلات نفسية وربما أيضا معلموهم الذين أبلغ الكثير منهم أنهم تعرضوا للتهديد بالإعدام شنقا على جدران المدرسة إذا لم يواصلوا التدريس تحت حكم الدولة الإسلامية.

وبعد إعلان وزارة التربية العراقية عن انطلاق العام الدراسي الجديد في مدينة الموصل المحررة قال بيان صادر عن المكتب الإعلامي الخاص للوزير إن كوادر التربية قامت برفع العلم العراقي ولأول مرة بعد التحرير في مدرسة الكوفة الابتدائية ومدرسة المحاربين بحي الزهراء. وأكدت الوزارة بداية العمل المستمر لتعويض الطلاب ما فاتهم من سنوات التعليم موضحة أنها ستتابع عن كثب استكمال التجهيزات والمستلزمات الضرورية وأنها ستعمل على سد النقص الموجود على مستوى الأجهزة والأثاث والمناهج.

وأوفدت الوزارة عددا من مسؤوليها، الأحد الماضي، للقيام بعملية تفقدية لمدارس المناطق المحررة في مدينة الموصل، وأوضح بيان صادر عن المكتب الإعلامي الخاص لوزير التربية محمد إقبال الصيدلي، أن الوفد التقى بمديري 150 مدرسة، و40 مشرفا تربويا، وقام أعضاء الوفد بالاطلاع على الاحتياجات التربوية للمدارس، ومتابعة التجهيزات من الكتب والقرطاسية، واضعين الحلول المناسبة.

17