تلبية الأم لمتطلبات طفلها يحد من ممارساته السلبية

يحتاج الأطفال في السنوات الأولى من حياتهم إلى درجة معيّنة من الاهتمام من قِبَل الأبوين، نظرا لأنهم يتسمون ببعض الصفات التي تتطلب الردع أحياناً والرقة في التعامل أحياناً أخرى.
الأحد 2016/03/13
الفوضى تجعلك تهتمين بي

القاهرة - تؤدي الفوضى وترك الألعاب والملابس في كل مكان بالمنزل، بالإضافة إلى اللعب في متعلّقات الوالدين أثناء انشغال الأم في أمر ما وإتلافها، حتى يصبح المنزل يعج بالفوضى، وصولا إلى غضب الأم وانزعاجها من طفلها، وتكون النتيجة إما الردع باستخدام الضرب، أو تركه حتى يهدأ، لكن معظم الأمهات لا يلتفتن إلى الأسباب التي دفعت طفلها لفعل هذه الفوضى، فقد يكون إهمال منها لمتطلباته، أو محاولة منه لجذب انتباه والدته إليه، أو نتيجة لوضع صحي معيّن، مثل إصابة المخ بنشاط زائد عن الطبيعي، يمده بطاقة تدفعه إلى فعل أشياء متعدّدة وغير محسوبة.

وفي هذا الإطار، تقول هبة عبدالرحمن، أخصائية تقويم السلوك في مصر "إن الأطفال في السنوات الأولى من حياتهم تتغيّر طبائعهم وفقاً للبيئة النفسية التي يعيشون فيها، فإذا كانت مستقرة تستقر أمامها تصرّفاتهم واحتياجاتهم، أما إذا كانت متذبذبة سيشهد الوالدان ممارسات غير مفهومة من أطفالهم، وبالتالي يكون العامل النفسي لدى الأطفال الدافع الأول للفوضى التي يمارسونها داخل المنزل".

وأكدت عبدالرحمن أن الأطفال يتأثّرون بعدم اهتمام الوالدين بهم، وبالتالي ينبغي الحديث إليهم والتعرّف على طبائعهم منذ عمر السنتين، وتوجيه الأطفال على بعض المعلومات البسيطة مثل الفرق بين الصواب والخطأ، بأسلوب يسهل عليهم تقبّله واستيعابه.

وأضافت موضحة "رغم أن عقول الأطفال في هذه السن غير مؤهلة بالشكل المطلوب للاستيعاب، إلا أن التعوّد يجعل الطفل يفرّق بنفسه بين الصواب والخطأ".

كما أشارت إلى أن اعتراض الطفل على عدم الاهتمام به من خلال إجراء الفوضى في المنزل أو البكاء بشدة، بالإضافة إلى عدم الاستجابة لمتطلباته في الأطعمة والألعاب أو الخروج من المنزل، من الأمور التي لها أثر قوي على رد فعل الطفل تجاه العلاقة بينه وبين والديه.

وبينت أن أهم أسباب الفوضى عند الأطفال محاولة جذب انتباه الوالدين لهم، بسبب شعورهم بتجاهل متعمد يمارس تجاههم، لذلك يلجأ الأطفال إلى الأشياء التي تثير غضبهم لا سيما الأم، لأن الاهتمام المتوقّع منها يختلف بالنسبة إلى الطفل عن الاهتمام المتوقّع من الأب، فالعلاقة بين الطفل والأب تكون علاقة سطحية ليس لها ملامح بارزة بعكس الأم، حيث ينتظر منها الحنان الوفير والاستجابة الفورية والتواجد المستمر.

من جانبه، أكد يوسف عبدالحي، أخصائي تقويم السلوك، أن الجانب الصحي لدى الطفل يؤثّر كثيراً على تصرّفاته ويدفعه لممارسة بعض الأشياء الخاطئة، مثل زيادة نشاط المخ التي تعزّز لديه الطاقة، ويظهر ذلك في الفوضى التي يمارسها في المنزل، واللعب بكل ما يراه أمامه، وترك الأشياء الخاصة به وبوالديه هنا وهناك، كما تدفعه هذه الحالة إلى محاولة إتلاف الأشياء التي يجهل التعامل معها، فإذا رأى جهازاً خاصاً بالأب وحاول فتحه ولم يستطع يلجأ فوراً لاستخدام القوة معه ومن ثم إتلافه، وفي هذه الحالة يشعر بأنه وصل إلى النتائج المرجوّة.

الأطفال في السنوات الأولى من حياتهم تتغيّر طبائعهم وفقاً للبيئة النفسية التي يعيشون فيها، فإذا كانت مستقرة تستقر أمامها تصرفاتهم واحتياجاتهم

ونبه عبدالحي إلى أن اتّباع العنف مع الطفل من قِبَل أحد الوالدين يسبّب له اضطراباً نفسياً وصحياً، يظهر في حالات الفوضى والارتباك التي يحدثها في المنزل، ولا يجد طريقة يعبّر بها عن غضبه واحتجاجه على هذا الأسلوب سوى رمي الأشياء في كل مكان، وعدم انصياعه لأوامر الوالدين بتنظيم أشيائه، أو الكف عن إحداث الفوضى انتقاماً منهما.

كما حذّر من ترك الوالدين لأطفالهم بمفردهم داخل الغرفة أو المنزل أثناء الخروج، لأن ذلك يصيبهم بالخوف الشديد وفي أحيان أخرى بالصرع، مما يدفعهم لإجراء الفوضى داخل المنزل شعوراً منهم أنها تجذب لهم الأمان، وتجعلهم يعتقدون أن ثمة شخصا آخر موجودا معهم في المكان.

وبدوره، نصح وليد مرزوق، استشاري الطب النفسي، بضرورة متابعة حالة الأطفال الصحية والنفسية بين وقت وآخر، للاطمئنان على حالة المخ لأن النشاط الزائد فيه لا تتوقف عوارضه عند حدّ إحداث الفوضى، ولكن قد تدفع الطفل إلى الانعزال كلياً عن المحيطين به، بالإضافة إلى أهمية تشجيعه على اللعب مع قرنائه لإعادة توازنه النفسي، والحدّ من ممارساته الخاطئة، وبالتالي تبدو تصرّفاته طبيعية مع مرور الوقت.

وقال موضحا "إن الاهتمام بالأطفال يعزّز لديهم الرغبة في إرضاء والديهم من خلال التصرّفات المحسوبة، وعدم ترك الأشياء في غير موضعها، والكف عن إحداث الفوضى والارتباك داخل المنزل خوفاً على شعور الوالدين". وذكر مرزوق أن الرقة في التعامل مع الطفل عند ارتكاب خطأ ما تمنعه من تكرار الخطأ، لذلك على الوالدين معالجة فوضى الأطفال بتوجيه النصيحة، وتعريفهم أن ما فعلوه خطأ يجب إصلاحه، عن طريق مساعدة الأم في ترتيب المنزل.

وتؤكد فوزية التهامي، أخصائية الطب النفسي، أن اهتمام الأم بتلبية متطلّبات ورغبات طفلها، يحدّ من ممارساته السلبية داخل المنزل، لأنه يشعر باحتواء يرى أنه كافٍ لتعزيز الإيجابية داخله، وبالتالي لا يريد إغضابها أو إزعاجها من أمر فعله مثل إحداث الفوضى أو كسر أواني الطعام اعتراضاً منه على أسلوبها.

وبينت التهامي أن الأب له دور كبير في توجيه الطفل ولكن بأسلوب مختلف، فقد يعوّض ما فشلت الأم في القيام به، لأن الأطفال في السنوات الأولى بحاجة إلى التجديد الحسي دائماً، لذلك يلجأون إلى البكاء بشدة أحياناً والضحك أحياناً أخرى لأسباب بسيطة، مثل استخدام الأب للهجة الردع مع الطفل في حالة إحداث الفوضى أكثر من مرة حتى لا يقوم بها ثانية.

ولفتت إلى أن الاضطرابات النفسية التي تدفع الطفل إلى إحداث الفوضى داخل المنزل، يجب على الوالدين القضاء عليها من خلال تهيئة البيئة النفسية المناسبة لتنشئة طفل إيجابي، يحترم مشاعر والديه ويخشى غضبهما، ويجب إظهار تعاون الأب والأم في تربية الطفل أمامه، حتى لا يقوم باستغلال تعاطف أحدهما معه لكي يفعل ما يريد ويغضب الآخر.

21