"تلفزيون الواقع" يشارك في خطف طفلين.. أي حدود للإثارة

ضجة في الإعلام العالمي على خلفية مشاركة برنامج تلفزيوني في خطف طفلين لبنانيين جعلت الإعلام العالمي يتساءل عن حدود الإثارة المطلوبة في ظل المنافسة المشتدة بين المحطات التلفزيونية.
الجمعة 2016/04/22
صحافية برتبة خاطفة

بيروت- أطلقت السلطات القضائية اللبنانية سراح فريق البرنامج التلفزيوني الأسترالي “60 دقيقة”، الذي يضم أربعة أشخاص بعد توقيفه في قضية خطف طفلين لبنانيين، وغادر الفريق لبنان، الخميس، متوجها إلى أستراليا.

وذكرت “الوكالة الوطنية للإعلام” اللبنانية الرسمية أن “فريق البرنامج التلفزيوني الأسترالي 60 دقيقة’، التابع للقناة السابعة التلفزيونية في أستراليا، والذي يضم 4 أشخاص من بينهم المذيعة تارا براون، غادر لبنان، إلى أستراليا عن طريق دبي”.

وكان الشارعان اللبناني والأسترالي صدما في السادس من أبريل الجاري بعملية خطف في وضح النهار في ضاحية بيروت الجنوبية. المخطوفان هما الطفلان ليالا (5 سنوات) ونوح (3 سنوات) الأمين، أمّا الخاطفة فهي والدتهما الأسترالية سالي فوكنر.

خلال وقت قصير، أصبحت القضية حديث الإعلام الغربي بعد أن نجحت القوى الأمنية اللبنانية في القبض على الفاعلين، وهم أربعة صحافيين أستراليين والوالدة مع بريطانيين ولبنانيين آخرين.

ولجأت الأم إلى هذه الخطوة بعدما أبلغها طليقها بأنّها لن ترى طفليهما في أستراليا أبدا، إثر تفاقم الخلافات بعد طلاقهما، وبأنها إن أرادت رؤيتهما، عليها القدوم إلى لبنان. وأخذت القضية منحى آخر بعد أن ثبت أنّ العنصر الأساسي في هذه القضية هو فريق صحافي تابع لبرنامج “ستون دقيقة” الذي يُعرض كلّ يوم أحد على القناة التاسعة الأسترالية.

المشكل الأساسي لتلفزيون الواقع هو البحث عن الإثارة بأي ثمن ودون احترام الضوابط الأخلاقية والمهنية

ونقلت تقارير صحافية أنه حين تواصلت سالي فوكنر مع جمعية Cari “الخيرية” التي “تعيد الأطفال إلى أمّهاتهم”، طلب مؤسسها آدم ويتينغتون مبلغ 115 ألف دولار أسترالي لتكاليف العملية.

وبما أنّ الوالدة لا تملك المال المطلوب، لجأت إلى البرنامج المذكور طالبة المساعدة، قبل أن يوافق القائمون عليه مساعدتها شرط تصوير العملية، لتحقيق السبق الصحافي! وبعد وقوع الحادثة انشغلت الأوساط الإعلامية العالمية بالأمر وتساءل الإعلام الأسترالي “سرقة الأطفال، أهذا ما نفعله؟”، وأكدت بعض وسائل الإعلام أن القناة يجب أن تخجل ممّا حصل.

وأضافت “المشكل هو أن تبحث الوسيلة الإعلامية عن الإثارة بأي ثمن ودون احترام الضوابط الأخلاقية والمهنية”. وقالت تقارير صحافية إن موقع news.com.au تساءل كيف تسمح القناة التاسعة لفريقها بالمشاركة في عمل من هذا النوع؟

نقلت صحيفة “ذا أستراليان”، عن مصدر مطلع من داخل المؤسسة أنّه على الرغم من صعوبة طبيعة العمل الاستقصائي، إلا أنّه “لم يسبق لفريق تابع لـ’60 دقيقة’ أن واجه موقفا إجراميا كهذا. المخاطر جزء من عملنا لكن ليس بهذا الشكل”.

وأكد بيتر مانينغ بروفيسور الإعلام في جامعة التكنولوجيا في سيدني أنّ “ضغوط المنافسة التلفزيونية دفعت فريق 60 دقيقة إلى الوقوع في هذه السقطة”. وتشتعل منافسة حادة بين القناتين التاسعة والسابعة مساء كل يوم أحد.

يذكر أنّ الصحافي الأسترالي راي مارتين أكد أنّ ما حصل في لبنان ليس الأوّل من نوعه في تاريخ التلفزيون في بلاده، كاشفا أنّه قاد سيّارة المهرّب بعد تصويره عملية استعادة أطفال في أسبانيا في ثمانينات القرن الماضي.

يذكر أن برنامجا لتلفزيون الواقع أحدث ضجة كبرى في أستراليا أيضا العام الماضي بعد أن عرض مشاهد تظهر مشاركين على الجبهة الأمامية للمعارك في سوريا. وتعرض هؤلاء لقذائف من مقاتلي تنظيم داعش ما أفرز ضجة كبرى في هذا البلد.

الصحافي الأسترالي راي مارتين أكد أنّ ما حصل في لبنان ليس الأوّل من نوعه في تاريخ التلفزيون في بلاده

وقام منتجو برنامج لتلفزيون الواقع، يبث على قناة أسترالية عمومية، بنقل المشاركين إلى جبهة القتال في سوريا. ووجد هؤلاء أنفسهم هدفا لإطلاق نار من الجبهة المقابلة عندما كانوا يتحركون في المنطقة تحت حماية قوات كردية. وظهر في البرنامج ثلاثة أشخاص من الفريق، يحملون سترات واقية من الرصاص، يفرون هربا من القذائف ليختبئوا خلف جدار، ويسمع صوت يدعوهم إلى عدم الظهور لأن مطلقي النار يوجدون في الجبهة المقابلة، ويشدد على ضرورة “ألا يعلموا بوجودهم هنا”.

ويعرض البرنامج، الذي يحمل عنوان “عد من حيث أتيت”، على قناة “إس بي إس” العمومية الأسترالية. وفكرته في الأساس تتمحور حول متابعة حياة أستراليين عاديين في مخيمات اللاجئين بسوريا والعراق وبورما.

وتلقت محطة “إس بي إس” الأسترالية انتقادات كثيرة بسبب هذه المشاهد، واتهمت بتعريض المشاركين والطاقم التقني للخطر، إلا أن إدارة المحطة كان لها رد آخر، وأعلنت أن المشاركين كان يصاحبهم فريق أمني خاص، وقامت بكل ما يجب لتوفير الأمن لهم، بينما أظهرت المشاهد المشاركين من دون خوذات على الرأس.

يذكر أنه منذ ظهورها منتصف سبعينات القرن الماضي نجحت برامج “تلفزيون الواقع” في حصد نجاحات يمكن وصفها بالمنطقية والمتوقعة، إذ وصلت التلفزيونات العالمية إلى مرحلة من التوسع والتخصص، لم يعد معها في الإمكان الاكتفاء بالشكل التقليدي، وكان لا بد من الابتكار والتجدد.

ويفسّر العارفون بالإعلام أن ظاهرة البحث عن الإثارة أو “البوز” التي بدأت مع ظهور الإعلام الخاص والتجاري في العالم قد تصاعدت وتيرتها مع الانفجار الهائل في حجم المحامل الإعلامية ودخول المنتديات الاجتماعية، مثل فيسبوك وتويتر، ويوتيوب حلبة المنافسة، حيث بات أي مواطن منتجا للإعلام على صفحته الاجتماعية أو مدوّنته الخاصة.

18