تلك الأرض البعيدة

الأحد 2016/04/24

ابتهجَ العلماء والكتّاب والشّعراء والحالمون لاحتمال وجود كائنات في الجوار الكوني على مرمى عصا ضوئية، وقد يمسي بوسعنا نحن أهل الأرض أن نتحدّث إليهم يوما ما، أن نرسل لهم رسائل ذكيّة ملغزة تحكي عن أرضنا وتاريخ البشر..

الكوكب الشقيق البعيد جدّا “كبلر”، حرك مكامن الآمال في قلوب البشر، وصفته وكالة ناسا بأنه كوكب صخري يشبه الأرض، إذن ثمّة أرض في أقاصي الكون تماثل أرضنا وشمسها تشبه شمسنا، ثمّة فرح يماثل فرح التائهين في الصحراء حين يلمّحون بين تموّجات السراب ظلّ خيمة بعيدة قد تكون وهما من أوهامهم، فتخفق الأفئدة ويضطرب النبض وتتضاعف العزيمة وتنتعش الرغبات، يفكّر البشر الأرضيون المحاصرون هنا: سوف أجد ماء لظمئي وراحة لرحلتي الممتدّة عبر الزمن، والأهم من ذلك أن أتحدّث لأناس وأسمع أصواتهم بعد رحلة التيه في المفازات الكونية، ولكن من قال لك إن في تلك الخيمة أو في ذلك الكوكب الجميل أناساً يتقبلون البشر الأرضيين؟ لعل سكان تلك الأرض القاصية صنف من ملائكة ما تزال في طور البراءة الأولى، وقد نخدش بفضولنا الأرضي نصاعة أرواحها النضرة، ثم من قال للبعض إن الكوكب “كبلر 452 ب” مشرع الأبواب للغزاة الأرضيين؟ وحتى لو افترضنا أن سكانه يتوفرون على قدر كبير من الحكمة والتعقل وحب السلام، أتراهم سيفرّطون بها ويرحبون بالغزاة الأرضيين دون مقاومة تذكر؟

أكاد أحلم أن تلك الأرض الجديدة أرض سلام وموسيقى، وأكاد أسمع أنشودة النجوم وترانيم المجرات تتعالى من بين تضاريسها العجائبية، أرى أن البشر سوف يتهاوون كالشهب الحارقة على تلك الأرض المسالمة، وسوف يرون آثار غزوهم حرائق ودموعا وخرابا يعم أرض كبلر، مالكم أيها البشر الأرضيون لا تقنعون بكوكبكم الجميل وتعيدون النظر في أنظمتكم واقتصادكم وعلومكم ولغاتكم وأحلامكم؟

تريثوا قليلا أيها الأرضيون وراجعوا أنفسكم قليلا وأجيبوا عن هذا التساؤل البديهي البسيط: لماذا تغريكم الكشوفات في الكواكب الأخرى، ألأنّكم قمتم حتى اليوم باستنزاف موارد الأرض وتركتموها صحراء قاحلة من الأمل والحب؟ أم لأنّ حروبكم لم تعد تتّسع لها أرضنا وها أنتم تخطّطون لنقل آلة الحرب المدمّرة إلى تخوم جديدة تلوّثونها بوحشيّتكم؟ أحبّوا هذه الأرض التي أوجعناها حروبا ودمارا طوال آلاف السنين ولوثنا هواءها وقتلنا غاباتها وضواريها وتنانينها وأفاعيها وغيلانها التي ولدت وعاشت وتطورت منذ أول التكوين فوق هذا الكوكب الذي دمرته الكراهية والجشع.

لماذا تحلمون بالرّحيل الى كواكب أخرى، هل أزف موعد فناء الأرض بفعل تجاربكم اللعينة، هل ثمة رؤيا لقيامة وشيكة لفقتها لكم أساطيركم وخرافاتكم المتناقضة؟

لماذا تودّون مغادرة الأرض بدل أن تعيدوا النظر في نظام حياتكم على هذا الكوكب الرائع الذي سببتم له الحروب والمهالك والأوبئة والطوفانات والمجازر؟

قفوا برهة بين الحكمة والتعقل، وانظروا إلى ما فعلت أيديكم في كوكبنا الأزرق الساحر، انظروا إلى المحيطات الملوثة والأنهار التي جفّت والبحيرات التي صارت بركا ضحضاحة، انظروا إلى السهول المحروقة والبساتين التي جفت والمصانع التي تنفث السخام الأسود والإشعاعات القاتلة التي لوّثتم بها أراضينا المنتهكة لمليار عام قادم من أجل مراكمة أموالكم في البنوك بعد كل حرب تشعلون فتيلها في حياتنا، حسبكم ما أنتم فيه من رفاه أرضي، توقفوا عن فضولكم وجشعكم المميت وقولوا سلاما أيتها الأرض الشقيقة البعيدة.

كاتبة من العراق

11