تلك الجائزة

الأحد 2014/10/12

لا أعتقد أن الجوائز وضعت لمكافأة النوابغ، أو اصطنعت لتبجيل الجهود، لقد جاءت تاريخيا في سياق المنّ، وتخليد ذكر المانح لها، سواء للذي يستحق، أو لا يستحق، فالأساس في الجائزة أن يوجد شخص يملك المال أو الجاه، أو هما معا، ويمتلك معهما جذوة موهبة خرساء، أو مؤجلة، أو نزعة للتكفير أو التطهير، من هنا كان أغلب المجيزين والمانحين ملوكا وأثرياء، والجوائز بأسمائهم الخالدة ذكرا أو رمزا، فالحاكم لن يدع الحكم للكتابة أو الاجتهاد الفكري والعلمي، هو حاكم فقط وموهوب في الحدود الدنيا، أما الثريّ فمحب للحياة بتفريعاتها الجمالية من سلم وأدب وتقدم، وليكتمل رفاهه يحتاج الأمر لاختراقات لن ينجزها إلا المحترفون، ممن لا مال لهم، وهؤلاء ليسوا بالضرورة مترفعين أو زاهدين في الشهوات، بل هم في الأغلب ممن تغلبهم الخصاصة.

لهذا كان ثمة دوما استمرار لذكر المانح دون الممنوح، فهو الذي يذكر كل سنة، سواء كان اسمه مسبوقا بلقب ملوكي أو بمجرد اسم تافه، نجده كل سنة مقرونا بنابغة هنا وهناك، أو بمتمحّل للنبوغ، وفي جميع الحالات الأعطية تذهب في النفقات الكثيرة للمجتهد الفقير ويبقى المانح المرفه الأريحي، صاحب الجائزة ومتلقيها في النهاية.

لكن وجدت في تقاليدنا العربية المعاصرة جوائز لدول، قد تكون تقديرية أو تشجيعية، وما هي بالتقديرية ولا بالتشجيعية في قدرها، إنما هي سد خانة في واجبات الدول تجاه مواطنيها ليطمئنوا في لحظة ما، أو لينفذ إلى اعتقادهم سهوا أو عمدا، أن المجال الجغرافي الذي ينتمون إليه يمنح بقدر ما يأخذ، من ضرائب وإكراهات معنوية. وأنه على إنكاره الرسمي للإبداع فلديه استثناءات، برنين وأبواق، وبقدر ما كانت تلك الأعطيات زهيدة، بقدر ما استثارت من غبار ومن زوابع حول المستحق والأحق، والفقير والأفقر، والقريب والأقرب، وطالما قطعت وشائج بين أصدقاء وأنداد، وسفحت دموعا على مذابح جوائز مقترة، والمنسي دوما هو أن الجائزة إنما كانت لتبجيل المانح لا الممنوح، سواء كانت دولة عسكر أو سلالة مالكة أو مجرد ثريّ فاض ماله عن شهوة العيش الرغيد.

وعلى ذكر شهوة العيش فإن السويسري "نوبل" ما كان ليخصص ذلك القدر المحترم من فائض أرباح ثروته كل سنة للجائزة، لولا أنه اخترع آلة رهيبة للموت، فجاءت الجائزة تكفيرا وتطييبا لخواطر المتعلقين بالحياة، وصانعي أسبابها، من نوابغ في الطب والفيزياء والسلام والأدب... ولأننا كعرب لا أرب لنا في الأصناف الأولى من جائزة "نوبل"، نكتفي بانتظار ما يقرّ عليه قرار اللجنة في حقل "الأدب"، وهذه السنة أيضا لم تخرق القاعدة، ومضت خفيفة إلى مستقرها الأوروبي، تاركة صحافتنا وبعض الطامحين الأبديين فاغرين أفواههم دهشة وخيبة، حازها اسم خامل هو الفرنسي: "باتريك موديانو"، من نوعية الكتاب الذين لا تقول لك عناوين رواياتهم شيئا، فلا تغامر باستكشافها، إن وجدتها معروضة على واجهة مكتبة، كاتب دون أمجاد ولا صيت حتى في بلده فرنسا، في لائحة تضم "ميلان كونديرا" و"هاروكي موراكامي" و"فيليب روث"... و"أدونيس" أيضا حتى لا ننسى. لكن في جميع الأحوال يجب أن لا تنسى عزيزي القارئ أن الجائزة في تقاليدنا العربية التليدة أعطية ككل الأعطيات، لا تفرق شيئا عن منح الخلفاء المتسلطين، سواء كان اسم الخليفة: "المنصور" أو "هارون الرشيد" أو "المأمون" أو "عبدالرحمن الناصر"؛ في النهاية هي أعطية لندمائه النوابغ، أو لأي جليس من جلساء بلاطه الطيّعين، وقد تبخس الجائزة فتكون مجرد كلمة عابرة ترضي الغرور (تماما مثل جائزة "ناجي نعمان" التافهة) أو كيس دنانير بسيط (تماما كالجوائز التقديرية والتشجيعية في البلدان العربية) وقد تعظم فتكون جارية بهية أو بستانا على نهر النيل أو الفرات أو أبي رقراق (وتلك حقيقة هي نوبل العربية)،... لذا ما كان ينبغي لصاحب "الثابت والمتحول" أن ينحاز لتراث تلك الأعطيات.


كاتب من المغرب

11