تلميحات "الصفقة" وشطط القيادات الفلسطينية

لم يعد الوضع الفلسطيني يتحمل المزيد من العبث الذي طغى على ساحة الفلسطينيين لأكثر من عشر سنوات.
الجمعة 2018/12/21
صفقة القرن ستبدأ من غزة

تتوالى تلميحات جاريد كوشنير، مستشار الرئيس الأميركي، عن قرب طرح ما يسميه “صفقة القرن”. وكلما ازدادت الضغوط على الرئيس دونالد ترامب؛ يُعاد التأكيد على أن الحل في الشرق الأوسط بات وشيكا، وذلك في استعاضة تتحسّس النقص الفادح في قدرة ترامب على أن يقدم على صعيد السياسة الدولية، مأثرة أو عملا مميّزا. وفي المعنى الضمني لهذا التأكيد على قرب الإعلان عن “الصفقة” تطفو الفرضية التي تزعم أن ترامب سيفرض حلا وأنه قادر على ذلك.

في واقع الأمر، لم يعد الرئيس الأميركي قادرا على إحراز أي نجاحات في الداخل أو الخارج. ففي كل يوم تزداد البراهين على أن الرجل غير مؤهل لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية، بل إن فريقا من ألمع الأطباء النفسيين الأميركيين، رفع مذكرة إلى الكونغرس تؤكد أن ترامب من ناحية حالته العقلية والنفسية غير مؤهل لرئاسة الولايات المتحدة!

أما بنيامين نتنياهو، فقد أثقلت عليه أربع قضايا فساد، وضعته على حافة الحياة السياسية. لكنه حتى في مأزقه، يستطيع بما تملكه إسرائيل والدوائر الصهيونية، من نفوذ في الولايات المتحدة، أن تُلقي بدونالد ترامب إلى الهاوية في أي لحظة.

من جهة أخرى، كان لافتاً في تلميحات كوشنير، أنه يركز على رئيس السلطة محمود عباس ويجزم أن تجاوزه أمرٌ وارد، بل هو أحد أهم مقتضيات التنفيذ. وهنا نكون أمام فرضيتين مقلقتين، الأولى أن حماس في ناظر كوشنير ليست عقبة، وأن الصفقة التي ستتجاوز عباس شخصيا، ستبدأ من غزة، ومن حيث العقدة الأسخن في مشهد النزاع.

إن هذا وحده، كفيل بجعل الفلسطينيين يتنبّهون إلى ما يدبّر لهم، لا سيما وأن طرفي الخصومة الفلسطينية، بمنهجية عمل كل منهما، يُسهّلان الإعلان عن الصفقة المزعومة وتطبيقها على الجانب الفلسطيني.

ومثلما كان تطبيق الخطط، تاريخيا، يأخذ مداه الكامل على الجانب الفلسطيني، ولا يتقدم شبرا على الجانب الصهيوني – الإسرائيلي؛ سيكون جوهر الخطر في صفقة ترامب، أن يجري تنفيذها فلسطينيا وعربيا، دون أن تؤدي إسرائيل ما يتعيّن عليها أن تقوم به ودون أن تعطي شيئاً. فذلك هو ما حدث عبر التاريخ، إذ أخذت الصهيونية ما قرره لها تصريح بلفور، ولم تفتح مجالا هي وشريكتها الصهيونية البريطانية، لكي يأخذ السكان العرب ما يقرره التصريح نفسه لهم.

وفي قرار تقسيم فلسطين، استحوذت الصهيونية بألاعيبها وباستغلالها الضعف العربي والتخبط الفلسطيني، على ما يزيد عن ضعف حصتها، بإضافة النقب، ثم باتفاقية الهدنة، ثم بحرب 1967. وإسرائيل تُعرّف نفسها كمجتمع حرب ولا تُعرّف نفسها كمجتمع سلام، بل إنها تعطي في كل يوم الإشارات على أن هذا المجتمع لا يريد أن يدفع مقابلاً للسلام. فالسلام عنده مقابل السلام وكفى، على النحو الذي يكرّس النصر في مفهوم هذا المجتمع الذي لا يستطيع أن يعيش إلا بالأسطورة.

على حماس أن تتأمل تصريحات كوشنير التي تؤكد على تجاوز عباس وليس تجاوزها، وأن يتأمل عباس الأسباب الحقيقية لهذا الخيار الأميركي، ومعظمها من صنع يديه

إن التطورات السياسية في إسرائيل وفي الولايات المتحدة، لا تمنح نتنياهو وترامب وقتاً وخيارات عدة. فالوقت يضيق بالنسبة لنتنياهو، وتتعقد الأمور في وجه ترامب. لكن السياسات التقليدية، راسخة في كل من تل أبيب وواشنطن. وما لم تتبدل طريقة التعاطي العربي مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن تكون – في أدنى الأحوال- على قاعدة، كل خطوة جوهرية تقابلها خطوة مثلها جوهرية؛ فلن تتبدل منهجية إسرائيل، مثلما لن تتبدل السياسة الأميركية التقليدية حيال النزاع في الشرق الأوسط. فنحن لا نطالب بمواجهة عسكرية عربية، ولا بأجواء حرب، وإنما بأن تعاد صياغة العلاقة مع واشنطن، على أساس خطوة مقابل خطوة، ومصالح مقابل مصالح تشمل القضايا والسياسات. ومعلوم أن السياسية الأميركية في انحيازها الأعمى لإسرائيل، لن تستطيع الاستمرار بهذا النهج إن شعرت الإدارات الأميركية بأن مصالحها تتعطّل.

لقد كان واضحاً، منذ أن تسلم الرئيس ترامب مهام منصبه، أن قراراته ظلت تخلق له في كل يوم مشكلة مع المؤسسات الأميركية، وخاصة وزارة الخارجية والمؤسسة العسكرية وحتى الهيئات القضائية والكونغرس. وقد أدت سياساته إلى خسارة الحزب الجمهوري لمجلسي السلطة التشريعية والرقابية، وأصبحت الدعاوى القضائية والفضائح تحيط بدونالد ترامب من كل جانب، كما أن اعترافات محاميه، راكمت الاتهامات التي تجاوزت الإشاعات، ابتداءً بما يتعلق بسوء استخدام الأموال التي حصل عليها لدعم حملته الانتخابية، ودفع بعضها لإسكات نساء أقام معهن علاقات جنسية خارج الزواج، وانتهاءً بالاتهام المتجدد المتعلق باستفادته من التدخل الروسي في الانتخابات، وقد أثير هذا الاتهام مرة أخرى، وبقوة، بسبب تغريدته عن سحب القوات الأميركية من سوريا، وهذا خيار تعلله الصحافة الأميركية بحقيقة تحالفه السري مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

لم يعد الوضع الفلسطيني يتحمل المزيد من العبث الذي طغى على ساحة الفلسطينيين لأكثر من عشر سنوات. ولم يعد يصحّ اختزال مسألة الخصومة الفلسطينية الداخلية، في أن طرفاً يريد أن يساوم وآخر يريد أن يقاوم. ففي الحقيقة، أصبح الطرف الأول، حبيس خياراته السلمية، ولم يعد قادرا على أن ينجز شيئا، وتضاءلت وظيفته لتنحصر في حدود الوظيفة الأمنية الشائنة، التي لن تمنحه القوة الأدبية لتمرير عملية تسوية لو حدث المستبعد، وهو أن تتفق معه إسرائيل على تسوية. أما الطرف الثاني فإنه يختصر الآن، فكرة المقاومة ووظيفتها، من خلال التمسك بحقه في الدفاع عن النفس كلما هُوجم، وبات هو نفسه يخاطب المحتلين في أكثر خطاباته حماسة قائلا لهم “إن زدتم زدنا”، والمحتلون من جانبهم يقرأون الرسالة ويرونها تصلح أساسا لهدنة طويلة.

وهذه المنهجية باتت تلائم الأميركيين أكثر، لأن من يحتفظ بالحد الأدنى من القوة، سيكون في ناظر الأميركيين أقدر، من الناحيتين الأدبية والأمنية، على الالتزام بترتيبات جديدة، وعندئذ لن يلوم الذين أضعفوا أنفسهم إلا أنفسهم، كما لا يحق للصامتين على من تفردوا بالسلطة وصادروا الإرادة الشعبية، لوم إلا أنفسهم، لأنهم بدل أن يحتشدوا للمطالبة بالحقوق والحريات الديمقراطية وبالمؤسسات الدستورية؛ احتشدوا لإظهار الموالاة لقيادات الحركتين، اللتين فرضتا على الفلسطينيين واقعاً عقيماً وبؤساً مقيما.

نختم بالتنبيه إلى ضرورة أن تتأمل حماس تصريحات كوشنير التي تؤكد على تجاوز عباس وليس تجاوزها، وأن يتأمل عباس الأسباب الحقيقية لهذا الخيار الأميركي، ومعظمها من صنع يديه!

8