تلوث المياه في لبنان خطر لا تبالي به السلطات

فيلم وثائقي يُثبت كيف تنتقل الملوثات القاتلة من المياه إلى التربة والمزروعات ومن ثم إلى جسم الإنسان، والأخطر أنها تنفذ إلى أعماق الأرض فتصعب معالجتها.
السبت 2018/11/24
الماء الملوث يهدد حياة اللبنانيين

بيروت - يستقصي الفيلم الوثائقي “وجعلنا من الماء كل شيء حيّ” للمخرج والصحافي الأيرلندي المستقل بول كوشران والمنتج والباحث اللبناني كريم عيد صباغ، كيف يحوّل النظام الاقتصادي والسياسي البيئة في لبنان إلى شبح مميت بعد أن تغنى بها كتّاب وشعراء ومغنون ورسامون.

جاء عرض الفيلم مساء الخميس في إطار الدورة الرابعة من مهرجان بيروت للأفلام الفنية الوثائقية.

ومن خلال إحصاءات ومعلومات وأرقام دقيقة ومقابلات مع متخصصين وبحث متعمق في مشكلة المياه واستنزاف الموارد الجوفية، يشرح الفيلم كيف أدّى سوء إدارة الموارد الطبيعية من جانب القطاع العام المتواطئ مع القطاع الخاص إلى إعطاء الأولوية للربح على حساب البشر والحيوانات والتربة والزراعة.

يبدأ الفيلم بتلاوة آية “وجعلنا من الماء كل شيء حيّ” من سورة الأنبياء ليؤكد أهمية هذا المورد في حياة كل كائن حيّ على هذه الأرض لافتا إلى أن تغيّر المناخ وشحّ المياه قضيتان رئيسيتان اليوم في الكثير من بلدان العالم.

وعلى مدى 40 دقيقة يعرض خلفية شاملة مع مشاهد مخيفة لشبح الانهيار البيئي في لبنان وأوضاع الأنهار والبحيرات الطبيعية الكارثية التي تتحول إلى مكبات للنفايات ومصبات للصرف الصحي والتي توجد فيها معادن كثيرة وثقيلة وملوثات متنوعة ومنها الزئبق والنحاس والرصاص والكروم والنيكل بمعدلات تفوق بكثير المعدل المسموح به، وهو ما يعرض السكان للموت والأمراض المميتة.

والأهم أن الفيلم يُثبت كيف تنتقل هذه الملوثات القاتلة من المياه إلى التربة والمزروعات والحيوانات ومن ثم إلى جسم الإنسان، والأخطر أنها تنفذ إلى أعماق الأرض فتصعب معالجتها في ما بعد، وقد تحتاج إلى العشرات أو المئات من السنين لتلفظها.

يقسم الفيلم إلى أقسام عدة أو عناوين عدة بحسب ما ظهر على الشاشة، وهي: تلوث المياه، وتلوث الإدارة، وأثرياء المياه، ومقاومة الشعب، وخلصت! في صرخة إنذار باستحالة العيش قريبا في لبنان في حال استمر الوضع البيئي بالتدهور السريع.

ويبقى القسم المثير والجريء في الفيلم هو “تلوث الإدارة” الذي يضع الإصبع على الجرح من خلال معلومات وشهادات يدلي بها خبراء في الاقتصاد ومتخصصون تظهر للمشاهدين كيف دمّرت المحاصصة السياسية والنظام الطائفي والديْن العام والبنوك التجارية المملوكة بغالبيتها للسياسيين وعائلاتهم وداعميهم وارتباطهم مباشرة بإدارة المياه، وليس بالنسبة إلى الماء فحسب، بل النظام البيئي بكامله.

متنفذون يستفيدون من تدهور نوعية المياه للاستثمار في القليل مما تبقى منها وبيعها في عبوات

ويعرج الفيلم على استفادة النافذين وكبار التجار من تدهور نوعية المياه للاستثمار في القليل مما تبقى من المياه العذبة وبيعها في عبوات بلاستيكية تضر أيضا بالبيئة.

وتشير الإحصاءات إلى أن لبنان من أكثر الدول استهلاكا للبلاستيك في العالم إذ يستهلك 25 طنا سنويا. وفي المقابل ينمو قطاع المياه المعبّأة في لبنان منذ عام 2010 بشكل متسارع.

ويظهر الفيلم الذي يحتوي على مادة أرشيفية وتصويرية غنية، كيف قيّدت مستويات الديْن العام في لبنان قدرة الاستثمار في البنية التحتية وخصوصا إمدادات المياه المنزلية، وكيف كانت الطبقة الحاكمة تركز على دعم مشاريع كبرى لا تكتمل في الغالب بدلا من التركيز على الحاجات الأساسية.

بصيص الأمل يظهر في المشاهد الأخيرة من الفيلم الذي يلقي الضوء على تحركات المجتمعات المحلية في القرى والبلدات بالتنسيق مع البلديات وعلى التظاهرات الشعبية التي شهدتها بيروت في عام 2015، من أجل رفض المشاريع الملوثة ومطالبة الدولة بالتحرك لمعالجة الأزمة البيئية وخصوصا تلوث المياه.

وقال المنتج والباحث اللبناني كريم عيد صباغ “لقد صوّرنا الفيلم عقب التظاهرات الحاشدة جراء تفاقم أزمة النفايات في 2015، وتسليط الضوء على الأثر الخطير الذي يخلفه التدهور البيئي على البلاد ومواردها المائية وبالتالي تشريح المشكلة للناس”. وأضاف، “هذه قضية حساسة وحيوية ترتبط بالسياسة والاقتصاد وليست مشكلة تقنية فقط”، آملا أن “يحدث الفيلم صدمة إيجابية لدى اللبنانيين ليعاودوا رفع الصوت عاليا لإنقاذ هذا المورد الذي يهدد حياتهم جميعا”.

وأكد بول كوشران الذي يعيش في لبنان منذ 16 عاما “حالة لبنان البيئية على كفّ عفريت وقد قمنا بتصوير هذا الفيلم لنضيء على مشكلة تتفاقم كل دقيقة وهي تحتاج إلى استراتيجية وطنية وقرار سياسي عاجل لحلّها، ولكن من خلال بحثنا اكتشفنا أن النظام السياسي متقاعس والشعب وحده قادر على مواجهة هذه الآفة الخطيرة”.

وأضاف، أن الفيلم “يقدم دليلا على أن فهم إدارة المياه والقضايا ذات الصلة في لبنان لا يمكن تحقيقه دون اعتماد نهج بحثي متعدد التخصصات يراعي العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تؤثر على إدارة الموارد المائية”.

وقالت إحدى المشاهدات وتدعى ميشا (45 سنة) “الفيلم مخيف يجعل المشاهد يخرج من الصالة للبحث عن حلول بأسرع وقت ممكن”.

وترى نبيلة (50 سنة) أن أهمية الفيلم تكمن في أنه يشرح القضية “من جذورها أمامنا، وأعتقد أن على اللبنانيين البدء برفع الصوت من خلال عدم دفع فواتير المياه والعودة إلى الشارع للمطالبة بمياه نظيفة”.

17