تلوث الهواء.. أزمة من نوع آخر في منطقة الشرق الأوسط

تعتبر النهضة الصناعية دليل تقدّم البلدان وأحد مقومات اقتصادها القوي، لكنها تحمل في وجهها الآخر تهديدات بيئية قاتلة. ووصلت معدلات التلوث في المدن الصناعية مستويات حرجة جدّا لدرجة أن خبراء البيئة والصحة يصنفونها في مرتبة أعلى من الصراعات والحروب فيما يتعلق بمسببات وفاة الإنسان. وتأتي الدول العربية في صدارة الدول التي تواجه هذا النوع من القتل الصامت، الأمر الذي يستعدي تحركات فورية لمواجهته والوقاية من عواصف الغد.
الجمعة 2017/05/05
خطة اليوم تقي من عواصف الغد

لندن - تحتل النزاعات السياسية المسلحة العناوين الرئيسية لصحف العالم العربي. ومع صعوبة عقد مقارنات من هذا النوع، يمكن لتلوث الهواء أن يؤدي إلى نسبة الوفيات في المنطقة أكثر من تلك الناتجة عن أعمال العنف.

وبمرور الوقت، يترسّخ مفهوم أن الهواء الملوث يشكل تهديدا للصحة في الكثير من المناطق حول العالم. وعلى سبيل المثال تحول الموضوع إلى قضية مثيرة للجدل في المملكة المتحدة على مدار العامين الماضيين. ولم يعد سكان المدن الصينية، وخاصة بكين، قادرون على الاستمتاع بالسماء الزرقاء والهواء الخالي من الضباب والأدخنة كما في الماضي.

ومن أخطر العواقب الوخيمة التي يخلّفها تلوث الهواء، التأثير السلبي المباشر على صحة الأطفال الذين مازلت رئاتهم في طور النمو، وعلى صحة كبار السن الذين يعانون من أمراض مزمنة كالربو، وهو مرض تزداد مضاعفاته خطورة بسبب التلوث.

ويتفاوت تلوث الهواء الناجم عن السيارات والصناعة من حيث خطورته من مكان إلى آخر. ويسجل أعلى درجات الخطورة في المدن والمناطق الصناعية. لذلك، وبما أن الصناعة تطورت بشكل متأخر في الدول العربية مقارنة بدول أخرى من العالم، تعتبر العديد من الدول العربية حديثة العهد بمشكلة التلوث.

ومنذ العقود الثلاثة الماضية، بدأت هذه الأزمة البيئية تنمو بشكل متسارع وخطير في المنطقة العربية. ويشير تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2009 إلى أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد النيتروجين ترتفع بنسق يعدّ من أسرع المعدلات في العالم، وسجلت أعلى نسب بين عامي 1990 و2003.

وشهدت السنوات القليلة الماضية تغيرات في التوزّع الجغرافي، فعلى سبيل المثال تشير عمليات رصد الأقمار الصناعية إلى أن هروب مليون ونصف مليون سوري إلى لبنان صحبه انخفاض مستويات ثاني أكسيد النيتروجين في سوريا وزيادة مستوياته في لبنان.

وتعتبر زيادة عدد الأشخاص الذين يستخدمون المركبات، وكذلك زيادة استخدام الوقود الثقيل لتلبية احتياجات الصناعة مثل توليد الطاقة وإنتاج الإسمنت وتكرير النفط وتحلية مياه البحر من ضمن الأسباب الرئيسية في ارتفاع نسبة تلك الانبعاثات.

العواصف الرملية

يواجه سكان المدن العربية أيضا تلوثا آخر يضاعف الخطر وهو المرتبط بالغبار والرمل، وتمثل العواصف الرملية سمة من سمات الحياة اليومية في العديد من الدول العربية.

وظهرت في السنوات الأخيرة أيضا مشكلة الغبار الناتج عن الأراضي الزراعية. وأصبحت تلك الأراضي عرضة لعوامل التعرية لعدة أسباب منها الممارسات الزراعية الحديثة كاستخدام آلات الحرث بالأقراص، وأيضا تجريف الأراضي الزراعية بسبب إزالة الغابات أو انخفاض معدل هطول الأمطار الناجم بدوره عن التغيّر المناخي.

وبحسب تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ازداد تواتر العواصف الترابية والرملية في الشرق الأوسط بنسبة كبيرة في السنوات الـ15 الماضية، في حين أن برنامج الأمم المتحدة للبيئة يتوقّع أن يتضاعف تواتر العواصف الترابية والرملية في السنوات العشر القادمة.

وتتركز هذه الظاهرة في المناطق الصحراوية، لذلك يتأثر عدد صغير من سكان المغرب العربي بالعواصف الترابية والرملية؛ حيث تتركز نسبة كبيرة من السكان على طول الساحل. وهناك تكفي الأمطار للحفاظ على الغطاء النباتي والتربة الزراعية. ولكن تبدأ المشكلات الجدية عندما تهب الرياح في الغالب من الغرب وتلتقط الرمال والغبار بعبورها الصحراء نحو القاهرة وغيرها من المناطق المكتظة بالسكان في مصر.

ونظرا لكونها تعد من بين العواصم العالمية الكبرى في العالم والتي تضم أكثر من 14 مليون نسمة، تأتي القاهرة في المركز الثاني بعد دلهي من حيث مستوى الجسيمات إم بي 10 المنبعثة في الهواء. وهي مزيج من الجزيئات الصلبة والسائلة لمواد عضوية وغير عضوية معلقة في الهواء. ويساهم التعرض المزمن لها في الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي وسرطان الرئة.

نتائج تلوث الهواء في أرقام
70 ألف وفاة مبكرة سنويا في غرب آسيا بسبب تلوث الهواء

9 من أصل 10 أشخاص في العالم يعيشون في مناطق تعاني من تلوث هواء مفرط

6 دول عربية ضمن الدول ذات البيئات السامة الأخطر على البشر وفقا لمركز إيكو

7 ملايين شخص يلقون حتفهم سنويا بسبب العواصف الترابية التي تسهم في تلويث الهواء

ووصلت مصر إلى هذه المرتبة من التلوث نتيجة عدة عوامل منها التلوث الناجم عن المركبات والانبعاثات الصناعية وغبار العواصف الرملية الذي تتم محاصَرته عند التلال الشرقية.

ويعتبر فصل الخريف أكثر فصول السنة الذي ترتفع فيه مشكلة تلوث الهواء. ففي هذا الوقت من السنة تؤدي تقلبات درجات الحرارة المتكررة إلى محاصرة الهواء وإبقائه قريبا من مستوى سطح الأرض.

وتُنتج عملية حرق النفايات الزراعية في النهاية، والتي تحدث بين شهري سبتمبر أو أكتوبر من كل عام، سحابة سوداء مما يؤدي إلى التعجيل بجني محصول الأرز. وترفع هذه السحابة من مستويات التلوث لتصل إلى 10 أضعاف المعدل الذي حددته منظمة الصحة العالمية. بالإضافة إلى أنه لا تنزل كمية كافية من الأمطار تساعد على تنظيف الهواء، كما هو الحال في العديد من المدن الأخرى في المنطقة.

وبالتوغل أكثر نحو الشرق، نجد أن العراق والكويت يقعان أيضا في طريق مهب الرياح الغربية التي تحمل الرمال والغبار من الصحراء والمناطق الصحراوية في سوريا والأردن والعراق نفسه. فضلا عن الصحراء الطبيعية الموجودة غرب العراق.

وكشف تجفيف أهوار جنوب العراق، في عهد صدام حسين، عن وجود مساحات ضخمة من الرواسب في تلك المنطقة التي وقعت في طريق مهب الرياح. وتتأثر الكويت أيضا بشدة بالمناخ الصحراوي وكذلك مقاطعة خوزستان في إيران المحاذية للحدود العراقية. وهنا تعرقل جبال زاغروس مسيرة الرياح المحمّلة بالرمال والأتربة نحو الشرق، مما يجعل تركيز الملوثات قويا بشكل غير عادي في الهواء.

حل المشكلات

على الرغم من أن التخلص من مشكلات تلوث الهواء في العالم العربي ليس مستحيلا، إلا أن بعض الحلول تتطلب الاستثمار ووجود حكومات فعّالة وتعاونا دوليا.

ويمكن التقليل من معدلات الانبعاثات السامة عن طريق وضع بعض السياسات التحفيزية لإلغاء السيارات ووسائل النقل القديمة والمعدات الصناعية المتهالكة.

من شأن تطبيق أنظمة وقواعد بيئية أكثر صرامة أن يساعد كثيرا في حل هذه المشكلات. كما أن زراعة بعض النباتات من أجل الحفاظ على الأراضي الزراعية من التجريف وعوامل التعرية يمكن أن تكون حلا مثاليا.

وعلى سبيل المثال يُجري معهد الكويت للأبحاث العلمية تجارب عدة لتحديد أنواع وأنظمة الري الأنسب. وبما أن مصادر الغبار والأتربة التي تصل الكويت والعديد من الدول في المشرق العربي تقع خارج الحدود، فمن الأفضل وضع خطة تعاون مشتركة.

وحتى تصبح تلك الحلول قيد التنفيذ يتعيّن على الدول العربية اتخاذ بعض التدابير للتخفيف من حدة التلوث. وتعتبر زراعة الأشجار التي تستعمل كحائط صد لحماية المنازل من الرمال والغبار من ضمن أحد هذه الخطوات. كما يمكن أيضا توفير أنظمة تُستخدم على نطاق أوسع تكون مهمتها الإنذار المبكر بالعواصف الترابية والرملية والمستويات المرتفعة من التلوث الانبعاثي.

7