تلوث الهواء سمّ يضع مستقبل الأطفال على المحك

غالبا ما يكون الطفل أكثر عرضة للمخاطر البيئية من الإنسان البالغ، فإلى جانب كونه يتسم بالحركة المستمرة لا يدرك حجم الأضرار التي قد تواجهه في محيطه سواء أكان في البيت أم في المدرسة أم في الشارع، ولا يعرف كيف يتعامل معها ويتصدى لها أو يقاومها، ولذلك هو بحاجة إلى رعاية دائمة ومتابعة خاصة لحمايته من مختلف أنواع التلوث.
الثلاثاء 2016/11/01
الكمامات لا تحمي من السموم

واشنطن ـ يعيش نحو 300 مليون طفل في العالم، أي طفل واحد من كل سبعة، في مناطق يتخطى فيها تلوث الهواء المعايير الدولية بمعدل ست مرات في البعض من الأحيان، ما يزيد إلى حد بعيد من وفيات الأطفال، وفق تقرير صدر الاثنين عن اليونيسف، كما أكدت العديد من الدراسات العلمية تأثير التلوث في درجة ذكاء الأطفال ونموهم الطبيعي، إضافة إلى إسهامه في تعرضهم للإصابة بأمراض الربو والحساسية.

وقد نشرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) دراسة جديدة قبل أسبوع من انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة المناخي (مؤتمر الأطراف الثاني والعشرين) في مراكش المغربية، بين 7 و18 نوفمبر.

وقال المدير العام للمنظمة أنطوني لايك “إن تلوث الهواء يساهم بقسط كبير في التسبب بوفاة نحو 600 ألف طفل دون الخامسة من العمر كل سنة، ويعرض حياة الملايين من الآخرين ومستقبلهم للخطر”.

وأكد أن “المواد الملوثة لا تلحق أضرارا برئات الأطفال فحسب، بل في وسعها تخطي الحاجز الحامي للدماغ لتؤثر على نمو الدماغ بطريقة مستعصية على العلاج وتضع مستقبل الأولاد على المحك”، مشيرا إلى أنه “ينبغي ألا يقبل أي مجتمع بغض الطرف عن مشكلة التلوث”.

وقال نيكولاس ريس، وهو متخصص في شؤون المناخ في اليونيسف ومحلل اقتصادي، إن “تلوث الهواء يؤثر أساسا على الأطفال الفقراء”.

ومن بين مصادر تلوث الهواء المصانع ومحطات الكهرباء والمركبات التي تستخدم وقودا أحفوريا والغبار وحرق النفايات.

وقالت منظمة الصحة العالمية إن تلوث الهواء الداخلي الذي تسببه غالبا مواقد الطهي التي تستخدم الفحم أو الخشب في المنازل في الدول النامية قتل أكبر عدد من الناس بلغ 4.3 مليون نسمة منهم 531 ألف طفل دون سن الخامسة.

ودعت اليونيسف الاجتماع الذي ترأسه الأمم المتحدة في المغرب إلى التعجيل في التحول من الوقود الأحفوري إلى طاقة أكثر نظافة مثل الرياح أو الطاقة الشمسية لتحسين إمكانية حصول الأطفال على رعاية صحية والحد من تعرضهم للتلوث وتعزيز مراقبة الهواء.

وبالاستناد إلى صور الأقمار الاصطناعية، تظهر هذه الدراسة أن نحو ملياري طفل يعيشون في بلدان تعاني من تلوث جوي ناجم عن انبعاثات السيارات والاستخدام المفرط للوقود الأحفوري والغبار وإحراق النفايات، يتخطى المعايير المقبولة لنوعية الهواء التي وضعتها منظمة الصحة العالمية.

التلوث يقضي على الذكاء

أكدت الدراسات العلمية أن الأطفال الذين يعيشون في أحياء بها تلوث مروري كبير يكون حاصل ذكائهم أقل، كما أنهم يحققون نتائج أسوأ في اختبارات الذكاء وعمليات الذاكرة الأخرى بالمقارنة مع الأطفال الذين يستنشقون هواء أنقى.

وقد صرحت الدكتورة شاكيرا فرانكو سوجليا، من كلية هارفارد للصحة العامة في بوسطن، بأن تأثير التلوث على الذكاء يشبه التأثير الذي شوهد لدى الأطفال الذين كانت أمهاتهم يدخن عشر سجائر في اليوم أثناء فترة الحمل أو لدى الأطفال الذين تعرضوا للتلوث الناتج عن خام الرصاص.

كما أضافت سوجليا وفريقها في الدورية الأميركية لعلم الأوبئة أنه على الرغم من أن دراسة تأثير التلوث في صحة شرايين القلب والجهاز التنفسي جرت بشكل مكثف فإنه لا يُعرف الكثير عن الطريقة التي قد يؤثر بها استنشاق هواء قذر في المخ.

ووجد باحثون رابطا بين تلوث الهواء ومعدل الذكاء بعد أن كشفت دراسة أميركية أن أطفالاً ولدوا لأمهات أقمن خلال فترة الحمل في مناطق ملوثة يعانون من تراجع نسبة الذكاء.

وتقول الدراسة، التي نفذها “مركز كولومبيا للصحة البيئية للأطفال”، إنها وجدت أدلة تثبت أن الإقامة في المدن الداخلية والتعرض لتلوث عوادم السيارات أثناء الحمل قد يضرّان بنمو المخ ومن ثَمَّ يؤثران في معدل ذكاء المواليد.

إدمان الوقود الأحفوري سبب البلية

وشملت الدراسة 249 طفلا ولدوا لأمهات يقمن في الأحياء الفقيرة بمدينة نيويورك ارتدين على مدى 48 ساعة خلال الأشهر الأخيرة من الحمل، أجهزة لضبط معدلات التلوث في الهواء.

وتعرضت المشاركات لمستويات متعددة من أنواع التلوث النمطي للمدن، وتفرزها في الغالب عوادم السيارات والشاحنات والحافلات.

وقبيل الدراسة، وفي سن الخامسة أخضع أطفال المشاركات لاختبارات ذكاء وجدت أن معدلات الذكاء تدنت، ما بين أربع إلى خمس نقاط، بين من تعرضوا لنسب عالية من التلوث قبل الولادة مقارنة بأندادهم ممن تعرضوا لتلوث أقل.

وقالت فريدريكا بيريرا، التي أشرفت على الدراسة ومديرة المركز، إن الفارق كبير بما يكفي لإحداث تأثير في أداء الأطفال في المدارس.

ورغم الحاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث بشأن تلك النتائج، فإنها تشير إلى أن تلوث الهواء أثناء فترة الحمل له التأثير الضار ذاته في نمو أدمغة المواليد كالتعرض للرصاص، وفق باتريك بريسي، أخصائي الصحة البيئية بجامعة جونز هوبكنز للصحة العامة في بلتيمور.

وقال “إن المؤثرات البيئية الضارة الأخرى التي يتعرض لها أطفال الطبقات محدودة الدخل، قد تساعد في شرح أسباب تخلف تلك الشريحة في التحصيل العلمي عن أبناء الأغنياء”.

إن إحصاء الآثار التي يحدثها الهواء الملوث على صحة الإنسان لا يزال صعبا، ولكن تلوث الهواء يؤثر بشكل أساسي في الجهاز التنفسي.

وتتراوح الآثار الصحية الناجمة عن الهواء من التغيرات البيوكيميائية والتحولات الجسدية الطفيفة، إلى الإصابة بصعوبة في التنفس، أو أزيز الصدر، أو الكحة أو الحالات المرضية الخطيرة التي تصيب الجهاز التنفسي والقلب، وقد تترتب على الإصابة بهذه الأمراض زيادة استخدام الأدوية الطبية، وزيادة عدد الحالات التي تعرض على الأطباء، أو التي تستقبلها غرفة الطوارئ أو أقسام الاستعجالي، وأيضا زيادة الحالات التي تدخل إلى المستشفيات، بالإضافة إلى ارتفاع عدد الوفيات في سن مبكرة.

عوادم السيارات القاتلة

يقول باحثون أميركيون، إن التلوث الناجم عن عوادم السيارات قد يوقف نمو الرئتين لدى الأطفال الذين يعيشون قرب طرق مزدحمة بالسيارات مما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بمشكلات في الجهاز التنفسي والقلب.

يخشون الخطر القادم

ووجدوا أن الأطفال الذين يعيشون في نطاق 500 متر من طريق سريعة في سن العاشرة تصبح وظائف الرئتين لديهم أقل حين يصلون إلى سن الـ18 مقارنة مع أقرانهم الصغار الذين تعرضوا لتلوث مروري أقل.

وقال جيمس غودرمان من جامعة ساوثيرن كاليفورنيا “من يتعرض وهو طفل لقصور في وظائف الرئتين متصل بالتعرض لملوثات تكن لديه على الأرجح رئتان أقل صحة طوال حياته”.

وتقول خبيرة الصحة البروفيسورة فريدريكا بيريرا “إن أهم ما يمكن إنجازه لتحسين صحة الأطفال في العالم، هو التوقف عن استخدام كميات هائلة من الوقود الأحفوري”. وأضافت الخبيرة أن من شأن ذلك أن يؤدي إلى الحصول على عدد أقل من الأطفال الذين يعانون من الربو، واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، والمشكلات المتعلقة بالنمو والتي تسبب انخفاض معدل الذكاء لديهم. مؤكدة أنه سيكون هناك أيضا عدد أقل من الأطفال الخدج ( الأطفال المولودين قبل اكتمال نموهم)، والأطفال الذين يتميزون بانخفاض أوزانهم عند الولادة.

وذكرت الخبيرة أنه عبر “علاج إدماننا على الوقود الأحفوري” يمكننا أن نقلل من عدد الأطفال الذين يموتون بسبب الفيضانات والجفاف وسوء التغذية، كما أن عددًا أقل من الأطفال سيعانون من الأمراض المعدية، وأمراض الجهاز التنفسي، ومشكلات الصحة العقلية الناجمة عن عدم الاستقرار السياسي.

وكتبت بيريرا، وهي مديرة مركز كولومبيا للصحة البيئية للأطفال، أن احتراق الوقود الأحفوري يلحق العديد من الأضرار الصحية والتنموية الخطيرة بالأطفال، من خلال انبعاثات الجسيمات، والغازات السامة، وثاني أكسيد الكربون، هذه الملوثات التي تعد المحرك الرئيسي لتغير المناخ.

كل وِحدة من الآلاف من الملوثات الناجمة عن حرق الوقود الأحفوري، ستكون قادرة على إنتاج آثار جانبية متعددة وتراكمية، سواء أكان ذلك بصورة مباشرة أم بشكل غير مباشر. واعتبرت أن هناك “واجبا أخلاقيا قويا” للحد من حرق الوقود الأحفوري، بعيدًا عن تلك الحجج العلمية والاقتصادية حول معالجة تغير المناخ، موضحة أن هناك حاجة لإنشاء “سياسة خاصة بالطاقة وتلوث الهواء تدور حول الطفل نفسه”، وليس فقط الآثار الاقتصادية والسياسية والعلمية.

20