تل رفعت في بازار المساومات بين روسيا وتركيا حول إدلب

أردوغان يتوعد بالرد على استهداف القوات السورية نقاط المراقبة التركية في إدلب.
السبت 2019/06/15
هل تعصف إدلب بالتوافق التركي الروسي

أنقرة تدرك أنها لا تستطيع الصمود كثيرا أمام الضغوط الروسية بشأن إنهاء الظاهرة الجهادية في إدلب خاصة وأن العلاقة بينها وبين واشنطن تتجه نحو المزيد من التدهور، وهي تراهن على عامل الوقت للتخفيف من وقع الخسارة عبر الدخول في مساومات مع الجانب الروسي تشمل تل رفعت.

  دمشق – تسود حالة من الضبابية اتفاق وقف إطلاق النار المعلن من الجانب الروسي في شمال غرب سوريا، في ظل نفي تركي، واستمرار القصف، وإن بشكل أقل حدة مقارنة بالأيام الماضية.

وتربط دوائر سياسية هذا الوضع بالمفاوضات الصعبة الجارية خلف الكواليس بين أنقرة وموسكو التي تصر على ضرورة إنهاء وجود الجماعات الجهادية في محافظة إدلب ومحيطها، وسبق أن صرح مسؤولوها بأنه لا يمكن السماح ببقائهم إلى ما لا نهاية.

وتقول الدوائر إن أنقرة تراهن في استراتيجيتها في سوريا على تلك الجماعات الممثلة أساسا في هيئة تحرير الشام التي تقودها جبهة فتح الشام (النصرة سابقا) وحركة أحرار الشام، وبالتالي فإن القضاء عليها سيشكل ضربة قاصمة للمكاسب التي حصدتها في هذا البلد، وهي تماطل في الاستجابة للضغوط الروسية بحثا عن تخفيف وقع هذه الخسارة عبر المقايضة بجزئيات هي في واقع الأمر مهمة بالنسبة لها مثل تل رفعت في ريف حلب التي تسيطر عليها الوحدات الكردية، ودعمها في مشروع إقامة منطقة آمنة شرق الفرات.

وكانت روسيا قد بادرت إلى تقديم مقترح لوقف إطلاق النار في إدلب، لكن أنقرة تتشكك في جديته، وما إذا كان الهدف وقف اندفاعة الفصائل الجهادية التي نجحت في الفترة الأخيرة في وقف تقدم الجيش السوري، واستعادة جزء من المناطق التي سيطر عليها.

وتوعد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بالرد على ما وصفه بهجمات “النظام السوري” على نقاط المراقبة، التي نشرتها تركيا في منطقة إدلب، في إشارة إلى الهجوم الذي وقع على نقطة مراقبة تركية قبل أيام وأدى إلى إصابات في صفوف القوات التركية. وصرح أردوغان، في مؤتمر صحافي عقده الجمعة، “لن نسكت إن واصل النظام السوري هجماته على نقاط المراقبة التركية في إدلب”.

وأضاف الرئيس التركي “مواصلة النظام السوري الاعتداء على إدلب وقصفها بقنابل الفوسفور جريمة لا تغتفر ولا يمكننا السكوت عليها”.

وفي وقت سابق قال وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو إنه “لا عذر” لروسيا لعدم وقف الضغط على النظام السوري من أجل وقف ضرباته في شمال غرب سوريا.

وتساءل أوغلو في مقابلة تلفزيونية “من هم ضامنو النظام في إدلب وسوريا بشكل عام؟ روسيا وإيران. لا نقبل العذر القائل: لا يمكننا أن نجعل النظام يصغي لنا”. وأضاف “منذ البداية قلنا إننا ضامنو المعارضة. لم تحدث أي مشكلة مع المعارضة المعتدلة”.

أزاد برازي: توافق روسيا وتركيا سيتوتر متى ما اقترب من الخطوط الحمراء
أزاد برازي: توافق روسيا وتركيا سيتوتر متى ما اقترب من الخطوط الحمراء

ومنذ نهاية أبريل، تستهدف الطائرات الحربية السورية والروسية ريف إدلب الجنوبي ومناطق مجاورة له بالتوازي مع تقدم ميداني ترجم في السيطرة على بلدة كفرنبودة وقرى وبلدات محيطة بها، بيد أن الفصائل المسلحة نجحت الأسبوع الماضي في وقف هذا التقدم عبر تشكيل غرفة عمليات مشتركة تشرف عليها أنقرة.

ولم تعلن موسكو أو دمشق عما إذا كان التصعيد هدفه عملية عسكرية واسعة أم مجرد خطوة للضغط على تركيا للإيفاء بتعهداتها تجاه اتفاق خفض التصعيد الذي تم التوصل إليه في سوتشي بسحب الأسلحة الثقيلة من المسلحين وانسحاب التنظيمات المتطرفة إلى الحدود التركية الأمر الذي لم يتحقق بل إن أنقرة منحت في ديسمبر الماضي الضوء الأخضر لهيئة تحرير الشام للسيطرة على معظم أجزاء محافظة إدلب ومحيطها.

ويقول محللون إن روسيا تتخذ حاليا من إدلب أولوية في سوريا، وتضع تركيا في موقف صعب بين اختيار حل المعضلة أو ترك الأمر لقواتها وللجيش السوري لحسمها، وأن الهدنة المعلنة ليست سوى لفسح المجال أمام التوصل إلى اتفاق حول هذه المسألة.

وقال وزير الخارجية التركي الخميس إنه “ليس ممكنا القول إنه تمّ التوصل إلى وقف كامل لإطلاق النار” في المنطقة. وأضاف أن موسكو وأنقرة تبذلان “جهودا جدية وصادقة” للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

وقتل 28 شخصا بينهم سبعة مدنيين على الأقل جراء قصف سوري وروسي استهدف مناطق عدة في شمال غرب سوريا الخميس، وفق ما أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان الجمعة.

وأحصى المرصد مقتل سبعة مدنيين جراء غارات وقصف مدفعي سوري طال الخميس مناطق عدة في ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي. كما قتل 21 مقاتلا من فصائل إسلامية وجهادية بينها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) جراء غارات سورية وروسية استهدفت المنطقة ذاتها.

وتسببت الغارات الروسية وفق المرصد في تدمير مقرات وآليات للفصائل. وجاءت حصيلة القتلى هذه رغم إعلان الجيش الروسي ليل الأربعاء أنه “بمبادرة من الطرف الروسي، وبوساطة تركيا وروسيا، تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في منطقة خفض التصعيد في إدلب” بدءًا من 12 يونيو.

ويعتبر خبراء أن تركيا تواجه وضعا استثنائيا خاصة وأنه لا يمكنها الرهان على الجانب الأميركي الذي تشهد العلاقة معه توترا متصاعدا على خلفية إصرارها على المضي قدما في صفقة منظومة الصواريخ أس 400، وأنها ستضطر في النهاية إلى التخلي عن ورقة إدلب، ولكنها بالتأكيد ستبحث تعويض خسائرها كشن عملية في تل رفعت.

وتسيطر وحدات حماية الشعب الكردي منذ مطلع العام 2016، على بلدة تل رفعت ومطار منغ العسكري وعشرات البلدات الأخرى شمال حلب، وشكلت وجهة الآلاف من سكان عفرين الذين نزحوا العام الماضي بعد اجتياح القوات التركية بدعم من الفصائل السورية المدينة.

وتنشر روسيا عناصر لها في تل رفعت منذ العام 2017 باتفاق مع الوحدات الكردية. وعمدت روسيا الأسبوع الماضي إلى زيادة عدد قواتها في المدينة، وأقامت نقاط مراقبة جديدة في المنطقة الفاصلة، ودوريات مشتركة مع الأكراد في المناطق التي هي على تماس مع القوات التركية في بلدة أعزاز، فيما بدا رسالة موجهة إلى تركيا.

واعتبر عضو المجلس الرئاسي لمجلس سوريا الديمقراطية آزاد برازي، في تصريحات لموقع “باسنيوز” الكردي أن التوافق الروسي التركي في سوريا تكتيكي “وسيتوتر متى ما اقترب من الخطوط الحمر، خاصة بالنسبة للروس”.

وأوضح أن “الأتراك ليس لديهم قدرة على الوفاء بتعهداتهم للروس كون التنظيمات الإرهابية سواء داعش أو جبهة النصرة أو حركة أحرار الشام وغيرها من فصائل الإرهاب تشكل أعمدة تستند عليها الاستراتيجية التركية في المنطقة عموما وسوريا خصوصا”، مردفا “لذلك لن تتخلى تركيا عنهم بأي شكل من الأشكال ففي أفضل الأحوال ستعيد انتشارهم”.

وأضاف “لذلك وعلى ضوء المعطيات من المتوقع أن تسوء العلاقات التركية الروسية، وفي اعتقادي هناك صدام مسلح غير مباشر بينهما في إدلب، لأن الجيش التركي يدعم بشكل صريح الإرهابيين من النصرة والجيش التركستاني وأحرار الشام الإسلامية، والروس يدعمون النظام والموالين له”، مبينا “وأكثر من ذلك أعتقد أن هناك مشاركة مباشرة من الأتراك والروس في هذه المعارك سواء استخباراتيًّا أو ميدانيا أيضا”.

ولفت برازي إلى أنه “بعد الدعم الواضح والمباشر للفصائل الإرهابية في إدلب من قبل تركيا لجأت روسيا إلى إقامة عدة نقاط مراقبة في منطقة الشهباء، وتل رفعت لتوجه بها رسائل إلى تركيا”.

وهناك مخاوف كردية حقيقية من أن يتم التوصل إلى اتفاق في النهاية بين أنقرة وموسكو شبيه بذلك الذي حصل في عفرين، حينما سحبت روسيا عناصرها من المدينة لتفسح بذلك المجال أمام التدخل العسكري التركي مقابل ممارسة تركيا نفوذها على الفصائل الإسلامية للانسحاب من الغوطة الشرقية.

وتكمن أهمية تل رفعت بالنسبة لتركيا في أنه يمر عبرها الطريق الدولي الواصل بين غازي عنتاب وحلب.

2