"تماثيل مصدعة" رواية الإنسان المحكوم بالخطيئة منذ ولادته

الخميس 2015/03/26
مي منسى في بحث دائم عن هاني العاصي ذي الذات المهشمة نتيجة سطوة الأب

دمشق - تحكي رواية “تماثيل مصدّعة” للكاتبة اللبنانية مي منسّى، سيرة الفنان هاني العاصي الذي ولد في أفريقيا بأبيدجان حيث تعرض للتحرش الجنسي من قبل والده، والتهميش من قبل والدته وأخته ليبقى صديقه روكو الأفريقي هو الأقرب إليه، يرحل بعد ذلك بمساعدة أخيه إلى فرنسا لدراسة فن “النحت والتصوير”.

هناك، في فرنسا، يولد مرة ثانية حيث يعيش في مرسيليا في دير للرهبان قبل أن ينتقل إلى باريس ويتعرف على سيمون التي تشعل فحولته، ليقرر بعدها الانتقال إلى لبنان مسقط رأسه، هناك يشهد الحرب الأهلية ويعمل مدرسا للفنون ويتزوج من ميساء التي حين اعترف لها بما مرّ به خلال طفولته بوصفه ضحية التحرش الجنسي تقوم بطرده من المنزل.

تداخل الأحداث

تتداخل أحداث الحكاية ويمر العديد من الشخصيات بحياة هاني، غير أن بعضها يختفي ثمّ سرعان ما يعود للظهور، ويبقى إلى جانبه صديقه الألماني الذي يساعده على الترويج لأعماله بعد أن تنعقد صداقة عميقة بينهما، تنتهي بأن يحصل هاني على جائزة عالمية في النحت ليصبح عمله جزءا من التراث الإنساني.

تقارب الرواية نهايتها حين تتحول تينا ابنة هاني إلى مدمنة مخدرات بعد تورطها مع المليشيات والحرب الأهلية، وتقوم بقتل أمها التي طردتها مع أخيها كما طردت والدهما هاني منذ سنين، لينتهي الأمر بهاني واقفا أمام المحكمة معترفا بكل شيء منذ ولادته حتى لحظة القتل.

يقرر هاني العاصي أن يتبنى خطيئة ابنته معترفا بارتكابه لجريمة القتل التي ارتكبتها ابنته، ويدخل السجن عوضها لخمس سنوات.

حياة هاني العاصي تنهار مرارا، وفي كل مرة يحاول فيها أن ينسى مأساته تعود للحضور بانهيار آخر جديد

خلال هذه المدة يقف صديقه منيف إلى جانبه يهتم بشؤونه في الخارج، وكانت العلاقة بين الاثنين غريبة من نوعها؛ فمنيف الغريب البسيط عرّاف يحكي قصة جدته مريم التي يكتشف خباياها عاصي بعد أن التقى بسليلتها في ميونخ ثم يفضي ببقية الحكاية لمنيف.

تظهر العناصر الأوديبيّة واضحة ضمن تكوين شخصية هاني، فمن تماثيل الأطفال المتألمة إلى لوحات سيمون نرى عاصي يعيش في حالة ألم دائمة، فهو يتقمص مآسي من حوله، وكأن رحلة العذاب المحكوم بها تستدعي أيضا آلام الآخرين ليكون هو سببها بشكل أو بآخر، فمن إدمان ابنته، إلى انتحار أخته نرى السؤال دائما يطرح على عاصي “من أنت؟”.

الصدمة التي عاشها عاصي في طفولته إثر اعتداء والده عليه تعيد إنتاج نفسها في فنه وفي حياته، حتى الشخصيات المحيطة به نلاحظ أنها تحكي على لسانه، الجميع فلاسفة ومتأملون، حتى تاجر المخدرات في السجن معه نراه ينطق بالحكم والتأملات الفلسفية، وهذا ما يتضح لاحقا، فالكتاب عبارة عن سيرة حياة هاني التي كتبها في السجن ثم أرسلها إلى صديقه الألماني الذي قام بنشرها.

سيرة حياة هاني بحث دائم عن الطفل

سيرة حياة هاني هي بحث دائم عن الطفل الصغير ذي الذات المهشمّة نتيجة سطوة الأب، والتي نراها حاضرة حتى ضمن تكوين بنية النص، فيوسف والد هاني، لا نعرف عنه شيئا سوى أنه تاجر كبير وتحرش بابنه هاني بصورة قاسية، كذلك أمه، لا نعرف عن لغتها إلا القليل، بما لا يتجاوز بضع جمل، الباقي هو انطباعات هاني عنها، وكأن فعل التهميش الذي مارسه عاصي ضمن كتابة سيرة حياته هو وسيلة للحفاظ على نفسه، فكما تعرّض للأذية في طفولته نراه يعيد إنتاجها في نصه كوسيلة للدفاع عبر محاولة نفي من أساء إليه في حياته، ومحاولة إيجاد شخصية الأب في من حوله من أصدقاء.

القتل علاجا

هاني يصف نفسه بأنه قاتل، ينجب الأطفال- المنحوتات ويقوم بتحطيمها لاحقا، فسيرة حياته أقرب للاعتراف، الاعتراف بوصفه مطهرا، إلا أن الهشاشة التي تتضح في العنوان “تماثيل مصدعة” تنعكس في النص بوصف حالة التشقق والتكسّر موتيفا ينعكس على حياته وفنه.

كل شيء معرّض للانهيار في أي لحظة؛ حياة عاصي تنهار مرارا، وفي كل مرة يحاول فيها أن ينسى مأساته تعود للحضور بانهيار آخر جديد.

في النهاية وبعد أن فقد عاصي الكثير وكسب الكثير على حدّ سواء نراه ينتهي بالعودة إلى الدير الذي بدأ منه رحلته في فرنسا، أين يعيش مأساته الجديدة؛ فداء المفاصل الذي أصابه ومنعه من النحت ينتقل إلى قلبه، وجسده الحامل للمأساة ينهار في النهاية، وتكون حياة الرهبانيّة هي الخلاص، وكأن الخطيئة محفورة في الجسد منذ الولادة ولا بد من التقشف لمحو آثارها لا لمحوها هي بذاتها.

تأخذ المأساة أشكالا عديدة في رواية “تماثيل مصدعة”، وتتقمص الأشخاص وتتنقل بينهم وكأن الإنسان محكوم بالخطيئة منذ ولادته، هذه الخطيئة أشبه بالطاعون، داء يصيب الجميع، كل له مأساته، كل له ذاك السر الذي يحاول إخفاءه.

14