تمام سلام: لا مساس بـ"الطائف" ولا رئيس في بعبدا قبل الاتفاق السعودي الإيراني

أكّد رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام في حوار مع "العرب"، أن العالم حريص على تجنيب لبنان الانهيار، لكنه، شدّد، في نفس الوقت، على أن التسوية السياسية بين الأطراف اللبنانية هي مفتاح كل الأزمة التي يعيش على وقعها لبنان؛ فحتى فرنسا، التي يزور رئيس وزرائها بيروت هذه الأيام، ليؤكد دعم بلاده للبنان، لا يمكنها أن تحرك أي حجر في هذه الأزمات إلا إذا حدث وفاق سياسي، وذات الموقف بالنسبة إلى السعودية ومختلف القوى الداعمة للبنان، الذي تشهد مؤسساته نوعا من التآكل ومما يزيد من تعقيداته أنه بلد بلا رئيس منذ سنتين، وبالكاد يجتمع مجلس وزرائه، وحتى وإن اجتمع فلا يستطيع اتخاذ قرارات حاسمة.
الأربعاء 2016/07/13
سأفعل ما أمكن للوصول بلبنان إلى شاطئ الأمان

بيروت - حين تجول داخل “السراي” تستحضر تاريخ هذه الجدران التي كانت تأوي عسكر العثمانيين نهاية القرن التاسع عشر، إلى أن تحوّلت “القشلة” إلى مقر سراي الولاية العثمانية الذي يحتضن داخل مساحته ولاة الباب العالي في بيروت.

انتقل الأمر إلى الفرنسيين أيام الانتداب قبل أن يجعله بشارة الخوري، أول رئيس للبنان المستقل مركزا للرئاسة، وتنتقل وظيفته نهائيا كمركز لرئاسة الوزراء على يد أول رئيس للوزراء في لبنان رياض الصلح، ويطلق عليه مذاك اسم “السراي الكبير”، وهو اليوم المركز الرئيسي لرئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام.

أثناء العبور لمكتب “دولة الرئيس” لا بد للزائر أن يستنشق عبق حكايات قديمة من تاريخ البلد وزمانه الغابر. كادت الحرب الأهلية اللبنانية أن تدفن سراي اللبنانيين حيا حتى انتشله الرئيس الراحل رفيق الحريري، فأعاد ترميمه، ليطل بما يحمله من رمزية على الهضاب الراعية لوسط بيروت التجاري.

يكاد الحديث مع الرئيس تمام سلام يلامس روح السراي الكبير ورواية أضلاعه. فرئيس الحكومة الحالي سليل بيت سياسي عريق صال وجال في قصة تشكّل البلد وقصيدة استقلاله. كانت دارة صائب سلام، والد تمام سلام، قبلة بيروتية تضاهي في موقعها ووظيفتها والتقاطع الذي يمثّله السراي الكبير في قلب العاصمة.

قد يكتب التاريخ يوما أن تمام سلام قد ولد في هذا العالم يوما من أجل أن يلعب الدور الذي يلعبه حاليا على رأس حكومة لبنان. لم يمر البلد في تاريخه بالمأزق الدستوري الذي يمر به منذ أكثر من عامين، وبالتحديد منذ أن أخلى رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان قصر بعبدا، ومُنع اللبنانيون مذاك من انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

لا يواري الرئيس تمام سلام رأيه في تلك المسألة. نعم مُنع اللبنانيون من انتخاب رئيسهم. لم يقلق دولته ذلك لكنه يجاهر، بما يعتبره البعض انتقاصا من السيادة، بأنه باستثناء انتخابات عام 1970 التي أتت بسليمان فرنجية (جد المرشح الحالي سليمان فرنجية) رئيسا للبلاد بفارق صوت واحد من داخل البرلمان، فإن كافة رؤساء الجمهورية في لبنان جاؤوا نتيجة توافقات وتسويات وإيحاءات وإرادات مستوردة من خارج الحدود.

قد لا تبدو التفاصيل السياسية التي أجمعت على اختيار تمام سلام رئيسا للحكومة مهمة، فتلك من عاديات “الحرتقات” المحلية والإقليمية والدولية التي لطالما عرفها البلد، لكن المهم أن ما راكمه سلام في التجربة والذاكرة وما حملته طباعه من وسطية واعتدال وحكمة وأناة وصبر جعلا منه الشخص المناسب في الزمن المناسب، ذلك الزمن الذي لم ينته ولا يبدو أنه يشارف على نهايته.

ما راكمه سلام في التجربة والذاكرة وما حملته طباعه من وسطية واعتدال وحكمة وأناة وصبر جعلا منه الشخص المناسب في الزمن المناسب

الخروج إلى المجهول

"أتعبني الأمر" يقول تمام سلام، ولا يبدو أن أمام الرجل خيارا غير استخدام خصال لن يتمتع بها رجل سواه. تتقاطع عند رئاسة الحكومة الحالية تيارات ومشارب السياسة في تعددها وتناقضها. تبدو مهمة الرياح مستحيلة في ضبط إيقاع العربة على سكة تدفع بالعمل الحكومي إلى مسارات عمل لا ورش شلل.

يراقب المواطن بيأس تدفق الملفات الملتبسة، تلك التي تتعطل فيها الروح لحساب تصفية حسابات سياسية مخصبة بروائح الفساد. يعرف تمام سلام الحكاية وهو لا يتردد في التعبير عن تقييم سلبي لأداء حكومته.

هل الطائف هو عائق أمام عمل حكومتك التي يعمل كل وزير كأنه في مملكة مستقلة؟ ينتفض الرئيس سلام مدافعا عن الاتفاق الشهير. لا شيء يمنع من تطوير وتحسين الدساتير فهي ليست ثوابت مقدسة، لكن “لا يمكن القبول بالخروج من الطائف إلى المجهول”، ولو كان هناك رئيس للجمهورية لما كان أداء الحكومة والوزراء على ذلك النمط، وحين عملت نفس الحكومة لأكثر من ثلاثة أشهر بوجود العماد ميشال سليمان رئيس الجمهورية، أنجزت الحكومة الكثير وتقدمت بسيولة في ملفات عديدة.

قابلتُ الرئيس سلام عشية اجتماعه مع وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرولت الذي يزور لبنان. يثني الرئيس على الجهود الفرنسية ابتداء من شخص الرئيس فرانسوا هولاند مرورا بالمبعوثين الفرنسيين الذين يزورون بيروت انتهاء بايرولت الذي يقود الدبلوماسية الفرنسية.

لم يقل سلام إن فرنسا لا تحمل حلا لمعضلة الرئاسة في لبنان، لكنه يعتبر أن الجهد الفرنسي يتّسق مع إشارات دولية تعبّر عن عزم على تحصين لبنان ومنع انهياره.

وحين أسأله ما سمات تلك الإشارات؟ يعدد لي سلام تراكما من الدعم الدبلوماسي والمالي والعسكري والأمني الذي يخلص إلى هدف واحد هو تدعيم مظلة دولية فوق لبنان.

بعبدا ينتظر الرئيس

يذكر اللبنانيون مواجهة علنية جرت بين الرئيس سلام ووزير الخارجية اللبناني جبران باسيل في يوليو من العام الماضي. كان الأخير قد أعدّ مداخلة علنية في فترة تواجد الصحافيين في بداية جلسة الحكومة متوجّها لرئيس الحكومة متهما إياه بالتعدي على صلاحيات رئيس الجمهورية.

كان رد سلام حازما حادا، فاجأ ربما الكثير من اللبنانيين، لكن ابن بيت سلام السياسي مؤتمن على موقع رئاسة الحكومة كما نصّ دستور الطائف، وبالتالي فإن الحكمة والصبر لا يتناقضان مع لزوميات الحزم والحسم دفاعا عن الموقع والدستور.

هل يفاجئك اتفاق حركة أمل والتيار الوطني الحر بشأن ملف النفط في لبنان؟ لا يبدو أن الرئيس سلام معني مباشرة بـ”اتفاق بين قوتين سياسيتين”، يضيف “هناك قوى أخرى يجب أن تواكب هذا الاتفاق”، ليكمل “لم أتبلغ بمضمون هذا الاتفاق”، لكن هذا الملف شائك ودقيق ومعقّد ويحتاج إلى صبر وعمل دؤوب، بما يوحي بأن تحوّل الاتفاق الثنائي إلى قوانين ومراسيم دونه إجراءات وتدابير.

لكن سلام يرى أن كل الملفات الشائكة تحتاج إلى وفاق سياسي، وأن ذلك التوافق هو الذي أنتج الاتفاق حول ملف النفايات، وأنه حين حصول التوافقات فبالإمكان إصدار مقررات للخروج من الأزمات، لكن هل للإفراج المحتمل عن ملف النفط علاقة بالزيارة التي قام بها في مايو الماضي مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الطاقة والنفط والغاز آموس هوكشتاين؟

لا، يقول سلام، “كان هناك ربما إيحاء بأن على لبنان أن يلج هذا الملف ويعمل من أجل أن يمضي فيه في ظل ما يجري في قبرص ومصر في هذا الموضوع”، لكن رئيس الحكومة اللبناني المدرك لأهمية هذه الثروة التي تختزنها المياه اللبنانية يعتبر أن “الموضوع هو موضوع وطني وليس سياسيا، يتطلب اتفاق القوى السياسية برؤية وطنية”.

العلاقات اللبنانية الخليجية

يعود الرئيس سلام قبل أيام من زيارة للمملكة العربية السعودية. كانت مناسبة لأداء مناسك العمرة نهاية شهر رمضان المبارك، ومناسبة ليلقى رئيس الوزراء اللبناني “حفاوة وتكريما”.

في رمزية ذلك ربما، انتعاش متوخ للعلاقات السعودية اللبنانية، منذ أن تدهورت وأصابها توتر حين قررت الرياض إلغاء هبة المليارات الثلاثة للجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية.

كل الملفات الشائكة تحتاج إلى وفاق سياسي وحين حصول التوافقات فبالإمكان إصدار مقررات للخروج من الأزمات

يتحدث سلام كثيرا عن العلاقة الشخصية التي تربطه بالمملكة كما علاقة لبنان بالمملكة. وفي خضم الحديث عن جهد فرنسي أو دولي لحلّ عقدة الرئاسة في لبنان، تخرج المعادلة واضحة لا لبس فيها “الاتفاق بين السعودية وإيران في لبنان سينتج رئيسا للجمهورية”.

يتوجه سلام إلى العالم العربي وللدول الخليجية خاصة “ألا تقسو على لبنان واللبنانيين، لا تتخلوا عن لبنان”. ويضيف رئيس الحكومة اللبناني “نحن ما زلنا على العهد في ما يتعلق بحرصنا على أمن واستقرار الخليج العربي كداعم وحاضن لشؤون لبنان”.

يعرف سلام أن دول مجلس التعاون كانت مجمعة على اتخاذ مواقف واضحة ضد حزب الله ردّا على الحملات التي شنّها الحزب ضد السعودية والبحرين خصوصا، لكن تمام سلام المتفهّم للعتب الخليجي يعتبر أنه إذا ما صدرت مواقف سلبية عابرة فهي “لا تعبّر عن غالبية الشعب اللبناني الحريص على أفضل العلاقات مع دول الخليج”.

يغادر الزائر السراي الكبير مدركا لجسامة المهمة الملقاة على ظهر تمام سلام. “سأفعل ما أمكن للوصول بلبنان إلى شاطئ الأمان”؛ هي كلمة السرّ التي تقض مضجع كل اللبنانيين؛ الأمان. أمان يقيهم شرور البركان السوري داخل أحيائهم. أمان يوفّر مظلة اقتصادية للبلد ومواطنيه. أمان يتيح استشراف الغد في بلد باتت يومياته مخصّبة بارتجال في حلّ المعضلات واجتراح العلاجات. ربما في غياب “بعبدا” وحتى إشعار آخر، يبدو السراي الكبير محج الباحثين عن أمان في محيط تعجّ به كل الأخطار.

صحافي وكاتب سياسي لبناني

7