تمام صائب سلام والبداية الجديدة للبنان

الأحد 2014/03/02
سليل عائلة العيش المشترك وصيغة لا غالب ولا مغلوب

بيروت - في العام 1634 أقرت الدولة العثمانية للأمير فخر الدين الثاني الكبير بولاية عربستان من حدود حلب إلى حدود القدس الشريف ولقّبته بسلطان البر. وجعل من بيروت عاصمة لإمارته الكبرى، وقبل ذلك كانت عائلات بيروت السبع عقدت الرباط بينها وأبرمت اتفاقها الموثق الشهير مع والي الساحل الشامي سودون الأول المملوكي وقد نص الاتفاق على حماية ثغور المدينة وشواطئها، ومطاردة من هم غير مسلمين من حولها.

أجداد آل سلام (فرع الرئيس تمام سلام) توطنوا في بيروت لا سيما في منطقة المصيطبة، وتمام سلام الذي يدخل للمرة الأولى ما يعرف في لبنان بـ”نادي رؤساء الحكومات”، هو ابن عائلة سنية عريقة في تعاطيها العمل السياسي منذ أجيال عدة، ونجل الزعيم الراحل صائب سلام الذي تولى رئاسة الحكومة لمرات عدة بين عامي 1952 و1973.


الاعتدال مفتاح السياسة

يعرف عن تمام خطابه المعتدل، لا سيما في الملفين الشائكين في لبنان على خلفية النزاع في سوريا بين مؤيد للنظام السوري ومعارض له، أي فريق الثامن من آذار الذي يتزعمه حزب الله و يشارك في القتال إلى جانب نظام الرئيس بشار الأسد، وفريق الرابع عشر من آذار الذي يضم شريحة واسعة من القوى المناهضة للنظام السوري على رأسها تيار المستقبل برئاسة سعد الحريري، فكان على سلام إيجاد القواسم المشتركة لجمع الضدين داخل الحكومة ووصفه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بأنه “ابن شعار صائب سلام التفهم والتفاهم وشعار لا غالب ولا مغلوب”، مضيفا “اسمه عنوان الاعتدال”، ومشيرا إلى أن تمام سلام “لم تخرج منه كلمة واحدة سيئة عن المقاومة الإسلامية” (أي حزب الله).

ورغم انتماء تمام سلام إلى قوى 14 آذار (المعارضة) والتزامه بكل مبادئها وسياساتها، فإن خطابه هادئ وغير صدامي إجمالا، فقد انتقد بعنف اجتياح حزب الله عسكريا لأجزاء واسعة من بيروت في أيار/مايو 2008 بعد تفجر الخلاف السياسي بين الحزب الشيعي وتيار المستقبل في شكل معارك في الشارع أسفرت عن مقتل أكثر من مئة شخص.

رافض السلاح

موقفه المبدئي الرافض للسلاح وتأكيده أن “الطائفة السنية تشعر بالاستهداف”، إلا انه أعلن باستمرار تقديره لنشاط “المقاومة ضد إسرائيل” من دون أن يدخل في الجدل اللبناني العنيف أحيانا حول “نزع سلاح حزب الله” أم لا، وأكد أخيرا أن لا قرار سنيا في نزاع مع الشيعة، مؤكدا أن الظواهر المتطرفة “ليس لها ولن يكون لها صدى لدى سنّة لبنان”.

انتقد تمام سلام بقوة اجتياح حزب الله عسكريا لأجزاء واسعة من بيروت في أيار- مايو من العام 2008 بعد تفجر الخلاف السياسي بين الحزب الشيعي وتيار المستقبل ووقوع معارك في الشارع أسفرت عن مقتل أكثر من مئة شخص

ورغم دفاعه بقوة عن سيادة لبنان تجاه التدخلات السورية والتوغّلات العسكرية على الحدود منذ بدء الثورة السورية قبل ثلاثة سنوات، ومواقفه المبدئية من الحريات والديمقراطية، إلا أنه لم يهاجم النظام السوري بعبارات استفزازية كما فعلت إجمالا معظم شخصيات المعارضة المناهضة لدمشق.

ولد تمام سلام في العام 1945، والدته سورية الأصل، وتلقى دروسه الابتدائية في مدرسة “الليسيه” الفرنسية في بيروت، ثم تابع دروسه التكميلية في بيت الأطفال، وكلية فيكتوريا في مصر، والثانوية في مدرسة “هاي سكول” في برمانا شمال شرق بيروت، ثم سافر في العام 1965 إلى إنكلترا حيث تابع دروسا جامعية في مادة الاقتصاد وإدارة الأعمال، وعاد بعد ثلاث سنوات إلى لبنان وعمل في الحقل التجاري. لكن العمل السياسي جذب اهتمامه، فأسس في العام 1974 حركة “رواد الإصلاح” التي استطاعت استقطاب الشباب في العديد من أحياء بيروت، لكنه ما لبث أن جمّد عملها في بداية حرب السنتين 1975 ـ 1976، حتى لا تتحول إلى حركة مسلحة.

المقاصد وإرث الوالد

واستطاع سلام خلال فترة الحرب أن ينظم النشاطات السياسية التي كانت تنطلق من دارة والده في المصيطبة، بهدف رأب التصدع الوطني، ومحاولة استمرار الحوار بين اللبنانيين، وفي العام 2000، أسس “صوت الوطن” وهي إذاعة المقاصد من بيروت.

عرف تمام سلام بنشاطاته التربوية والثقافية، من خلال ترؤسه لمؤسسة صائب سلام للثقافة والتعليم العالي.

ولا يمكن الحديث عن تمام سلام دون التطرق إلى والده صائب، الذي يعتبر تمام امتداداً له ولمدرسته السياسية، فتشير وثائق سجلات المحكمة الشرعية في بيروت في القرن التاسع عشر، إلى محمد سلام البيروتي العثماني، وإلى صائب الموُلِود في بيروت يوم الثلاثاء في 17 كانون الثاني سنة 1905، والده سليم علي سلام (أبو علي) أحد نواب مجلس المبعوثان العثماني، تلقى صائب علومه في المقاصد الإسلامية، ثم دخل الجامعة الأميركية في بيروت، فدرس الحقوق، والعلوم الاقتصادية، سافر إلى لندن ونال من جامعتها بكالوريوس في العلوم الاقتصادية.

اهتم مبكراً بالسياسة، فشارك والده في تحمل مسؤولياتها، فأوكلت إليه في العام 1936 مهمة التنسيق لعقد “مؤتمر الساحل والأقضية الأربعة” في منزل والده في المصيطبة، وقاد الحملة الانتخابية لعمر بيهم ورياض الصلح، ثم شارك في اللجنة القومية التي ترأسها محمد علي بيهم. ثم نسج علاقات سياسية مع عبد الحميد كرامي بهدف التخلص من الانتدابين الفرنسي والبريطاني.

العائلة تساهم في وضع العلم اللبناني


انتخب نائباً لأول مرة عن بيروت في دورة سنة 1943، غير أن عهد الرئيس كميل شمعون أسقطه في انتخابات العام 1957 الشهيرة بتزويرها للنتائج وسائر شخصيات المعارضة، تألفت في منزله أثناء ثورة الاستقلال، حكومة استقلالية احتياطية خشية وقوع الوزيرين الطليقين الأمير مجيد أرسلان وحبيب أبي شهلا في قبضة السلطات الفرنسية، وأسهم في وضع العلم اللبناني الحالي، وقام بدور كبير في انتخاب الشيخ بشارة الخوري رئيساً للجمهورية. وبعد اعتقاله ورئيس الوزراء وبعض الوزراء، قاد المظاهرات الشعبية في مواجهة الانتداب الفرنسي.

أسس تمام سلام حركة “رواد الإصلاح” التي استطاعت استقطاب الشباب في العديد من أحياء بيروت، لكنه ما لبث أن جمّد عملها في بداية حرب السنتين حتى لا تتحول إلى حركة مسلحة

أسس سنة 1945 أول شركة طيران وطنية “شركة طيران الشرق الأوسط” واستمر رئيساً لها لمدة 12 سنة، وفي سنة 1951 أسس الجمعية الخيرية للأموال الإسلامية، وفي سنة 1952 أسس الندوة اللبنانية مع حبيب أبي شهلا وأميل البستاني وتقي الدين الصلح وحسين العويني وميشال أسمر وغيرهم.


البعد القومي العربي

اتصفت عائلة سلام بتوجهها القومي العربي، الذي تم التعبير عنه مرات ومرات، عبر مواقف كثيرة، وقد عرف الوالد صائب سلام بمواقفه الوطنية الجريئة في هذا الصدد، فقدم استقالته من الوزارة احتجاجاً على مناورة الحكم في مواجهة العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، وقاد تظاهرات المعارضة سنة 1957 ضد حلف بغداد ومشروع إيزنهاور، فأصيب في إحداها بجروح بليغة، ثم شكل مع كمال جنبلاط وصبري حمادة وغيرهم “جبهة الاتحاد الوطني” لمعارضة الرئيس شمعون تجديد ولاية ثانية، وقاد الثورة الشعبية في بيروت أواخر الخمسينات. وفي سنة 1964 أيد الرئيس شارل حلو في انتخابات رئاسة الجمهورية، كمرشح تسوية، لمنع فؤاد شهاب من التجديد، وللتخلص من سلطة المكتب الثاني.

اشتهر صائب سلام بتأييده للمواقف العربية والفلسطينية وبعدائه للشيوعية، استقال سنة 1973 احتجاجاً على رفض رئيس الجمهورية إقالة قائد الجيش لتقصيره في تحمل المسؤولية إثر عملية الكومندوس الإسرائيلي التي أدت إلى استشهاد ثلاثة من القادة الفلسطينيين في منطقة فردان ببيروت.

وأسس مع رشيد كرامي وريمون إده، جبهة الاتحاد الوطني لمحاربة التقسيم، وهيئة الحوار الوطني في أيلول من السنة ذاتها مع رشيد كرامي وكميل شمعون وبيار الجميل والأمير مجيد أرسلان لإعادة الطمأنينة إلى البلاد، والتمسك بالعيش المشترك.

وعمل على تأسيس التجمع الإسلامي، ثم زار بيار الجميل في الأشرفية تأكيداً على الوحدة الوطنية، لكنه ما لبث أن شن هجوماً عنيفاً على الكتائب بعد ارتكابهم مجزرة الصفرا ضد “نمور” كميل شمعون، وشارك سنة 1978 في اجتماعات “اللجنة النيابية المصغرة” و”التكتل النيابي المستقل” وهو في كل مواقفه كان يعمل على وحدة الأرض والشعب والمؤسسات، ومقاومة كل أشكال التقسيم وإعادة المهجّرين.

شارك صائب سلام في الاجتماعات النيابية التي عقدت في الطائف والتي انتهت بوضع وثيقة الوفاق الوطني، وأطلق سلام خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، (1975-1990) التي تواجه فيها المسلمون والمسيحيون مدعومين من قوى عسكرية خارجية، شعاري “لا غالب ولا مغلوب”، و” لبنان واحد لا لبنانان”.

في الحقل الثقافي أسست أسرة سلام جمعية أصدقاء عمر الزعنّي، وأنشأت هيئة تشجيع التعليم العالي لمساعدة الطلاب المتفوقين.

عاد الرئيس صائب سلام إلى بيروت في 20 أيلول سنة 1994، بعد غياب دام عشر سنوات، واضعاً نفسه في خدمة بلده والشعب اللبناني عموماً والبيروتيين خصوصاً، بعد مصالحة في دمشق مع حافظ الأسد بمسعى من رئيس الوزراء المغتال رفيق الحريري.

واستمرت أسرته في القيام بدور التوازن السنّي البيروتي، كما كان يفعل صائب سلام، مبتعدة ومقتربة حسب المناخ، عن العمل السياسي المباشر، ولكنها كانت حاضرة على الدوام، ويجد ابنه تمام سلام اليوم الترحيب من الزعامات اللبنانية التقليدية والأسر العريقة، احتراماً لإرث تلك العائلة، ورغبة بإعادة التوازن إلى المناخ السياسي في لبنان بعد أن انجرف تماما في المحور الإيراني.

فعلى خطى والده، كان تمام سلام قد امتنع عن الترشح إلى الانتخابات النيابية العام 1992، تضامنا مع “شركائه في الوطن” المسيحيين الذين قاطعوا الانتخابات وقالوا يومها إن نتائجها مقررة سلفا من سوريا، “قوة الوصاية” آنذاك على لبنان، ثم عين وزيرا للثقافة العام 2008 في حكومة فؤاد السنيورة المنتمي إلى تيار المستقبل، تمام سلام رجل طويل القامة، وجهه ضاحك باستمرار، يتحدث بصوت خافت ولهجة هادئة ويختار كلماته بعناية.

8