تماهي الواقع مع المتخيل في رواية "فرانكشتاين في بغداد"

الاثنين 2014/03/24
في رواية سعداوي نكاد نسمع أنين بغداد تحت القنابل

أحمد سعداوي وهو يبني روايته “فرانكشتاين في بغداد”، الصادرة عن “منشورات الجمل” (بيروت – بغداد)، ذَهب في مَسارٍ فنيٍّ استمَدَّ حمولته من تقنياتِ ما وراء السرد، فأوكَل مسؤولية سرد الحكاية إلى ساردين اثنين: الأوّل، مؤلفٌ خارجيٌ (ضِمْني)، والثاني مؤلفٌ داخليٌ (مُعْلَن) يُشكل حضورَه جزءٌ من شخصيات وبنية العمل ذاته.

سعداوي وهو يتناول العنف والتفجيرات التي سادت العاصمة بغداد ما بين الأعوام 2003 – 2005 بعد سقوطها في قبضة الاحتلال الأميركي، لم يستند على شخصية رئيسة واحدة تتمحور حولها الرواية، إنما عدد من الشخصيات، منح لكل منها مساحة واسعة من الاهتمام والمتابعة.


الشخصيات

إيليشوا العجوز المسيحية التي فقدت ابنها دانيال قبل عشرين عاما في الحرب، مازالت تنتظر عودته، ورفضت أن تغادر العراق مع بناتها إلى أستراليا لتبقى وحيدة في بيتها مع قطّتها نابو. وهناك شخصية فرج الدلال صاحب مكتب دلالية الرسول للعقارات، الذي استغلّ أجواء الفوضى، وغياب الدولة، ليضع يده على العديد من بيوتات حي البتاوين مجهولة المالك، ليحوّلها الى موتيلات صغيرة ورخيصة، يقوم بتأجير غرفها إلى العمال الوافدين من المحافظات أو العوائل الهاربة من مناطق مجاورة لأسباب طائفية، وقد حاول أكثر من مرة أن يقنع العجوز إيليشوا في أن تبيع بيتها ولم ينجح. وهنالك أيضا شخصية هادي العتّاك جار العجوز إيليشوا الذي طلب منها أكثر من مرة أن تبيعه الأنتيكات التي تحتشد في بيتها، وشخصية أبو زيدون الحلاق، الرجل الحزبي الذي قاد ابنها من ياقته إلى المجهول وفقدته بسببه. وشخصية أبو أنمار صاحب فندق العروبة الذي بات شبه مهجور بعد أبريل 2003 كغيره من الفنادق.

إضافة إلى شخصيات أخرى تضمّها صفحات الرواية وتشكل بحضورها نماذج طفت على سطح المجتمع العراقي خلال الأعوام التي أعقبت سقوط بغداد، منها على سبيل المثال حازم عبود المصور الصحفي الحُرّ، ومحمود السوادي الصحفي الشاب الطموح، ونوال الوزير مخرجة سينمائية في الأربعين من العمر، الصديقة المقربة لرئيس تحرير جريدة الحقيقة علي باهر السعيدي، العميد سرور محمد مجيد مدير دائرة المتابعة والتعقيب .

في أولى الصفحات بدأ سعداوي مستندا إلى إجراء تقني يحاكي آليات السرد (الماوراء قَصّي) وذلك بانفتاحه الواضح على استثمار سجلات ومخطوطات ووثائق ورسائل. فقد افتتح الرواية بهذه الجملة: ” تقرير نهائي، سريّ للغاية”.

بعدها أورَدَ مجموعة ملاحظاتٍ وتوصياتٍ وقراراتٍ، سجَّلتها لجنة تحقيقية خاصة، تتألف من ممثلين عن المؤسسة الأمنيّة والاستخباراتية العراقية، ومراقبين من الاستخبارات العسكرية الأميركية، وتتعلق هذه النقاط، بعملِ دائرة المتابعة والتعقيب، المرتبطة جزئيا بالإدارة المدنية لقوات الائتلاف الدولي في العراق.

كتاب يتناول تصاعد العنف في بغداد

إلاّ أنَّ سعدواي وبعد أن يُنهي عمله الروائي، يكتب في الصفحة الأخيرة، إشاراتٍ، ينفي فيها وجود “دائرة رسمية عراقية باسم دائرة المتابعة والتعقيب. بالوصف الذي وردت فيه داخل الرواية، لا بالأشخاص ولا بالأسماء ولا بالمهام أو الأحداث، وأيّ تشابه بينها وبين دائرةٍ فعليةٍ لها الاسم نفسه، فهو أمرٌ غير مقصود”. وبهذه الإشارة التي يدفع بها إلى القارئ يضعه أمامَ لعبة فنيةٍ ليست إلاّ أن تتوجب عليه إعادة قراءتها أكثر من مرة لكي يمسك بخيوطها المتشابكة.


رواية داخل الرواية

معمار الرواية تمظهر بعدة مستويات متراكبة ومتداخلة مع بعضها البعض، تنتمي من حيث الشكل والمضمون إلى ما يطلق عليه اصطلاحاً (ماوراء السرد) كما أشرنا، وذلك لانفتاح فضائها على استثمار تقانات (الرواية داخل الرواية). وبذلك ابتعد العمل عن إعادة إنتاج الواقع، بواقعيته المألوفة والمرئية، في مقابل استحضار واقع مُتخيَّل للكشف عنه.

وفق هذا الإجراء الفني، لم يعد بإمكان القارئ، الاستدلال على أيِّ منهما -الواقع والمتخيَّل- طالما يتبادلان المواقع والأدوار في لحظاتٍ خارج التَّوقع، دون تمهيد واستدراج، ليصبح الواقع خيالاً، والخيال واقعاً.

هذا الانطباع يتولد بكثافة، من خلالِ مخطوطة روايةٍ يتم العثور عليها من قبل أفراد دائرة التعقيب والمتابعة، أثناء تفتيشهم لغرفة مؤلف روائي شاب، بحثاً عن شخصية مجرم بات يخلف وراءه بين فترة وأخرى عديد الضحايا، وتتألف المخطوطة التي لم تكتمل بعد، من 200 صفحة مقسَّمة إلى 17 فصلا. اعتمد فيها المؤلف (المُعْلَن) صاحب المخطوطة على مجموعة من الوثائق، سُرِّبت إليه من دائرة المتابعة والتعقيب، تتعلق بشخصٍ مُطاردٍ من قِبل السلطات العراقية والأميركية، يُشتبه بارتكابه لعدد من جرائم القتل.

سعداوي صاغ حبكة روايته بذكاء واضح، إلى الحد الذي تماهى فيه الواقع مع الخيال، وذلك عبر شخصية بائع الأثاث المستعمل (هادي العتّاك) الذي يعمل على إنتاج وَهْمٍ تعوَّدَ أنْ يَسرُدَهُ في حكاياتٍ غريبةٍ وطريفةٍ على مسامع رواد مقهى عزيز المصري، مُستجيبا لطلباتهم، رغم قناعتهم بأنَّ ما يسرده ليس سوى حكايات غريبة تختلقها مخيلة مخبولة، يعيد العتّاك من خلالها الحياة إلى أشلاء بشرية، يتولى جمعها من عدة أجساد لضحايا كانوا قد سقطوا قتلى نتيجة انفجارات تقع هنا أوهناك، وقد سمى هذا المخلوق (الشِسْمَه) لأنه حسب قوله: “ليس جثة فعلا، الجثة تشير إلى شخص أو كائن مُحدَّد وهذا ما لاينطبق على الشِسمه”.

يتناول سعداوي العنف والتفجيرات التي سادت العاصمة بغداد ما بين الأعوام 2003 – 2005

بينما أطلق عليها اسم تسمية (فرانكشتاين) الصحفي محمود السوادي الذي سمع القصة من هادي العتَّاك مثل بقية رواد المقهى، وتمكن من إقناعه بأن يسجل صوت (فرانكشتاين- الشِسمه) على شريط صوتي بجهاز تسجيل صغير أعاره للعتّاك، الذي ما لبث أن أعاده إليه بعد عشرة أيام، ليستمع إلى الصوت وهو يأتي عميقا من جهاز التسجيل: “أنا الردُّ والجواب على نداء المساكين. أنا مُخلِّصٌ ومُنتَظرٌ ومَرغوبٌ فيه ومأمولٌ بصورة ما.. أنا الردّ على ندائهم برفع الظلم والاقتصاص من الجناة. سأقتص بعون الله من كل المجرمين. سأنجز العدالة على الأرض أخيرا”.

مَنَحَ سعداوي شخصية (الشِسْمَه- فرانكشتاين) مساحة وحضوراً في بناء وتطور الأحداث، خاصة مع كلِّ جريمةِ قتلٍ تقع في حي البتاوين، إضافة إلى أحياء أخرى في العاصمة بغداد: “فالشِسمَه، مَصنوعٌ مِن بقايا أجسادٍ لضحايا، مُضاف إليها روحُ ضحيةٍ واسمُ ضحيةٍ أخرى. إنَّهُ خلاصةُ ضحايا يطلبون الثأر لموتهم، حتى يرتاحوا. وهو مخلوقٌ للانتقام والثأر لهم”.


التراجع والتكرار


الزمن السردي الذي نسج فيه سعداوي تفاصيل أحداث روايته لم يكن يسير في خط مستقيم، بقدر ما اعتمد على الاختلالات الزمنية “تتميز الاختلالات الزمنية بالمدى والاتساع” كما جاء في “نظرية السرد من وجهة النظر إلى التبئير” لجيرار جنيت وآخرين.

وبتأثير من آليات الفن السينمائي تحرك الزمن السردي لديه وفق تركيبةٍ مونتاجية لعبت على مفردة التراجع والتكرار، وهو إجراء يتيح له أن يسردَ حدثا واحداً من عدة شخصيات، وبذلك يكون قد التجأ إلى تفتيت الزمن حسب وحداتٍ، ليعيد بناءها جزئية جزئية، حتى تكتمل صورة الحدث، هنا يكون سعداوي قد تجاور وتماهى كثيرا مع ما يتيحه المونتاج السينمائي من حرية وسرعة في القطع والانتقال السريع لبناء الحبكة في الفيلم.

14