تمثلات الشرق في السرد الرحلي الألماني

النظرة الغربية للشرق تأثرت بالإرث التاريخي حول الصراع المسيحي الإسلامي في القرون الوسطى ما جعلها مغلوطة.
الثلاثاء 2020/03/03
صور نمطية مغلوطة عن الشرق

يشكل كتاب تمثلات الشرق في السرد الرحلي الألماني للدكتور زهير سوكاح والفائز بجائزة ابن بطوطة للدراسات إضافة مهمة للدراسات التي تعنى بأدب الرحلة في الغرب وعلاقته بالاستشراق الأوروبي.

يتخذ الباحث من عدد من نصوص الرحلة الألمانية التي تعود للقرن التاسع عشر وبداية القرن الحالي موضوعا للدراسة والتحليل لمعرفة الكيفيات التي كان، ومازال، يتم النظر من خلالها إلى عالم الشرق باعتباره كلّا واحدا يتسم بسمات التخلف والعدوانية.

يرى الباحث أن الرحلة والكتابة شكلتا وسائط مثالية للظاهرة الاستشراقية، لكن هذه الدراسة تفترض على خلاف فرضية إدوارد سعيد أن الاستشراق الألماني لم يكن أقل إمبريالية وهيمنة من الأنماط الاستشراقية الأوروبية الأخرى. ويذهب الباحث من خلال تحليله للنصوص الرحلية الحديثة إلى أن الاستشراق الألماني مازال يحافظ على هذا الطابع في الدول التي تتكلم الألمانية.

وساهم الاهتمام الكبير بالشرق في جعل أدب الرحلة يتقدم على الاهتمام بأوروبا وأميركا ولذلك ظلت حمولاته الأيديولوجية ترتبط ارتباطا وثيقا بالظاهرة الاستشراقية لاسيما في نصوص الرحلة الألمانية الحديثة على الرغم من أهمية هذه النصوص. ومن الملاحظات التي يسجلها الباحث عن هذه النصوص أنها تتميز باهتماماتها الجزئية ووفق معايير بحثية محددة ظلت تهتم بصورة الشرق الأوروبية، ولذلك تأتي هذه الدراسة لسد ثغرة بحثية من خلال تقديم دراسة موسعة للعلاقة بين أدب الرحلة والاستشراق ضمن الأبحاث ما بعد الكونيالية.

 يتناول الباحث مسألة مهمة في الاستشراق الغربي تتمثل في أن الشرق يظهر فيه بوصفه تمثلا جمعيا يعاد إنتاجه، حتى تحولت هذه الصورة عنه إلى نوع من الحقائق المكرسة بسبب ثبات هذه الصورة التي أصبح من الصعب تجاوزها.

إضافة مهمة للدراسات التي تعنى بأدب الرحلة في الغرب
إضافة مهمة للدراسات التي تعنى بأدب الرحلة في الغرب

لقد تأثرت النظرة الغربية للشرق بالإرث التاريخي حول الصراع المسيحي الإسلامي في القرون الوسطى، وقد أسهمت صورة الشرق المتخلف في تعزيز ظاهرة الاستشراق على الرغم من أن هذه السمة الخاصة للشرق ظلت ملازمة لأدب الرحلة الألماني، ما كشف عن عملية التنميط التي أخذت بالتصاعد حتى بعد مرحلة زوال الاستعمار عن هذا الشرق. وإن هذا التنميط يشير إلى مسألة مهمة تتمثل في الموقف الاستعلائي الذي تعبر عنه من قبل المستشرقين الغربيين.

لقد كانت الرحلة أداة مهمة لتصوير الشرق ما جعلها من أهم الوسائد النصية للاستشراق وذلك من خلال تأكيدها على ثنائية الأنا والآخر والتعارض القائم بينهما والذي يصعب تجاوزه. واتسم هذا النوع من الأدب في ألمانيا بمسميات متعددة في حين أن النصوص التي تبحث فيه مازالت نادرة ما جعل تعريفه باعتباره جنسا أدبيا يختلف باختلاف المقاربات التي تتعاطى معه، كما يظهر من خلال المقارنة التي يقوم بها بين عدد من المعاجم الألمانية.

تشير الدراسة إلى أن هذا النص الرحلي يتسم أولا بصحته الوثائقية التي لا تمنع من وجود مقاطع خيالية فيه، الأمر الذي يجعل هذا الخلط يحد من قيمته المعلوماتية. ويرى الباحث أن السبب في ذلك لا يكمن في الرؤية الشخصية للرحالة بقدر ما يعكس التكوين الثقافي الخاص به وما ساهم فيه هذا التكوين في تعزيز هذه الصورة النمطية للشرق عنده.

وإلى جانب هذا الاختلاط بين الواقعي والخيالي هناك المعيارية التي تجعل منه سردا حول رحلة ما، إضافة إلى تعدد أشكاله النصية حول تجربة الرحلة المعاشة ما يجعلها تتداخل مع أجناس أدبية أخرى مثل الرسالة والتقرير والمقالة والوصف ويجعلها مجموعة من النصوص غير المتجانسة. ويركز الباحث في هذا الكتاب على النصوص الرحلية في القرن التاسع عشر باعتبارها الأكثر مساهمة في تكريس النظرة الاستشراقية للشرق بوصفه النقيض للهوية الثقافية الغربية.

وعلى خلاف أدب الرحلة السابق تتميز النصوص الجديدة التي كتبت في بداية هذا القرن بارتباطها الواضح بتيارات ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمار والعولمة. لذلك كان هذا الأدب وثيق الصلة بمفهوم السياحة. لقد أحدث ذلك ثورة في هذا الأدب وجعله أكثر تنوعا كما بدأ التصوير الفوتوغرافي يحتل مكانة كبيرة فيه.

ويرى الباحث أن هذا الأدب أصبح يحظى باهتمام كبير من القارئ الأوروبي لاسيما ما يتعلق منه بالشرق الأوسط والمغرب العربي.

وحول تطور صورة الشرق في أدب الرحلة الألماني الذي يشهد تطورا واضحا في هذا القرن يرى الباحث أن هذه النصوص تعد مصدرا موثوقا للمعلومات عن الآخر ووسيلة إخبار موثوقة. إن صورة الشرق في هذه الكتب قد مثلت مكانا حصريا للترفيه وعالما نوستالجيا يتمثل فيها الشرق تمثيلا تقليديا في أهم هذه النصوص أو مكانا للمغامرة أو عالما قاسيا سياسيا فهو أرض التسلط التي يعاني فيها الناس من الفظائع السياسية، لكن هذا الشرق يظل عالما مقابلا للعالم الغربي.

وفي نهاية الكتاب يقدم الباحث مجموعة من الخلاصات حول التقهقر الاستشراقي الذي يثبت أن الاستشراق لا يقدم ولا يصور إلا نفسه بحيث لا يظهر الشرق سوى إسقاط لا تاريخي. لقد ظل الاستشراق الألماني يجبر ذاته على شرقنة الشرق الذي تتخيله من أجل الحفاظ على ذاتها كنظام تقييم متفوق الأمر الذي يجعل منه ظاهرة لا تاريخية.

14