تمثيلات الوجع العراقي: الفنان وناقد الفن شاهدان على الأسى

الأحد 2016/10/02
ما بعد الحداثة في الفن

يتداعى المشهد التشكيلي العراقي، راهنا، إلى مشاهد فنية شتى واهتمامات جمالية مختلفة ومغايرة، إذ لم يعد مقتصرا على مشهد واحد، كما كان عليه الأمر ما قبل تسعينات القرن الماضي، مرة، حينما كان شديد التعلق بلحظته التأسيسية الأولى وهناءة حداثتها التعبيرية، كأن يكون الموروث الحضاري حاضرا وفق تجليات الحداثة الوطنية، أو في المرة الثانية، فضاء جماليا تنتظم فيه خبرة الثقافي والأيديولوجي على نحو تجريبي، وهو في الوقت ذاته، شديد التطلع لتحولات الفن في العالم.

يتوزع المشهد التشكيلي العراقي إلى مشهدين لا يخفيان قسوتهما: مشهد الداخل الذي يؤثثه فنانون لم يغادروا بلدهم، يعيشون اغترابا وعزلة غير مسبوقة بالنسبة إليهم، هو نتاج عن ثقل المحنة القاسية التي يعيشها العراق بغرابتها، اجتماعيا وسياسيا ووطنيا، ومشهد آخر بعيد، هو بمثابة وثيقة جمالية عن المنفى يرعاها العديد الآخر من الفنانين الذين غادروا وطنهم الأم، بدوافع قسرية، إلى بلدان استقبال أجنبية، منذ ما يقارب الربع قرن.

كان من أسباب الهجرة العوز الاقتصادي، والحصار الأممي على العراق، لتتحول بعد عام2003، بعد تداعيات الاحتلال الأميركي، إلى خشية موت مجاني أو تصفية لحياة جراء عنف واقتتال شهده بلدهم وما زال.

لم يعد الفنانون العراقيون يجتمعون كي يتعرّفوا إلى أعمال بعضهم البعض في المعارض الشخصية والمشتركة التي كانت بغداد تشهد زخمها، يتأمّلونها مرئية أمامهم، يتلمّسوها بأطراف أصابعهم، ويملأون فضاءات العرض بضجيج أسئلتهم المشتركة. كون الكثير منهم الآن بات يحمل متحفه الخيالي بمفرده، يسكنون بلدانا تتوزع على اتجاهات الأرض الأربعة، ذهبوا إليها مهاجرين، لم يحملوا معهم سوى حقائب صغيرة لم تتسع لتذكاراتهم السابقة. يلتقون على صفحات التواصل الاجتماعي، ينشرون أعمالهم الأخيرة، ويعرضون مشاركاتهم الفنية في بلدان المهجر، ويكتبون سطورا عن خيباتهم واكتشافاتهم، عن الحنين وذكريات سابقة عن وطن بات بالنسبة إليهم شاخصا على حافة الذاكرة يتقاسمه المجاز والغرابة وفجيعة الحروب المتتالية فيه.

العزلة أو الهجرة

لم تعد الأعمال الفنية التي تنجز في بغداد تنطوي على حساسية جمالية وديعة وشغوفة بالحياة ، الفنان العراقي يقاوم بالضد من حياة مغايرة في بلده، حاشدة بالقبيح والطارئ على الغالب في مفاصل الحياة اليومية والمعيشية: سطوة ميليشيات مسلّحة تعدّ الفن ممارسة محرمة ومحظورة، وغياب حياة آمنة، وذاكرة مثقلة بأحداث قريبة لاقتتال طائفي، الإحساس الدائم بالعزلة جراء عدم الاهتمام اجتماعيا ومؤسساتيا لما ينجزه الفنان، تخريب وتدمير متعمد لآثار البلد وشواخصه، متحف للفن بحجم قاعة عرض صغيرة، يعرض ما تبقى من أعمال لم تنهب بعد عام 2003 أو ما تم استرجاعها، وغياب متعمد لمهمات المؤسسة الفنية وواقعها الذي يتداخل فيه السّطحي مع غياب الأهداف وانعدام الكفاءة والمهنية، في مقابل، فنان يشهد واقعا معيشيا صعبا، وانحسارا لقاعات العرض الفنية، مع غياب سوق الفن وشحة فرص اقتناء وتداول العمل الفني من قبل جهات راعية. وكذلك لا أثر لبرنامج حكومي تتقدم خلاله الثقافة والفن في حاضر عراقي يلتبس فيه الجهل والقبح والفوضى. إنّ التحدّي الأهم للفنان العراقي في داخل بلده هو البقاء على قيد الحياة.

فيما بات فنانو المهجر يمضون إلى أسئلة جمالية أخرى ومختلفة عن مجايليهم من الفنانين في الداخل. هم باتوا أكثر انتباهه لثقافة بصرية مغايرة، لا تعير اهتماما يذكر لمرجعيات تجاربهم السابقة، والمتعلّقة بتداعيات الذاكرة المنفية والمهاجرة، وهي غير ملائمة، كذلك، كي تتوافق مع فن بلدانهم الجديدة، بأماكنها الغريبة غير المعهودة لهم، ووفرة التقنيات الجديدة التي تزيدهم ارتباكا وحيرة. لطالما أصبحت موضوعات معارضهم الشخصية حاشدة بتعبيرات الغربة، والحنين والمنفى، دالة على مضامين الحرب والسياسة، وعن غياب الجمال عن بلدهم الأم، ما يشي بالإحساس الدائم بفقدان الوطن.

لا يزال النقد الفني في العراق يفترض ضرورته، كإجراء ثقافي يواكب مغامرات الخبرة التجريبية للفنان العراقي، وتتمثل أشكالها الخاصة في إنتاج المعنى وما تحفل به من أسئلة جمالية تكشف عن مغزى تطلعاتها الفنية. وظل هذا النقد مواكبا لتغيرات التجارب الفنية داخل العراق وخارجه، كما اجتهد خطابه في استحداث عملية فهم مناسبة لها

كان عليهم إعادة تمثيل أحلامهم التي توزّعت في مدن الاغتراب، وبما يضاهي بقاءهم فيها، وفق خامات ووسائط وتقنيات مختلفة، وعبر انشغالات تجريبية متنوعة تضم اللوحات المسندية والفوتوغرافيا والتنصيب والفن الرقمي، والفيديو آرت، وحتى دفاتر الرسم. هي نوع من شراكة في مساحة التعبير التي تشهدها اللحظة المعاصرة لتجارب الفن في العالم وتجلياتها في فنون ما بعد الحداثة.

لا متحف للفن في بغداد

أنشئ ما كان يسمى مركز صدام للفنون، في ثمانينات القرن الماضي، والذي كان يضم أكثر من أربعة آلاف عمل فني، نتاج يعرّف بتاريخ الحركة التشكيلية منذ تأسيسها. تمّ نهب أغلبها ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق. هذا المبنى خصص في العام 2000 لوزارة الثقافة، بعد فصلها عن وزارة الإعلام. وكان من أكثر القرارات المتعلقة بالشأن الثقافي فشلاً، والتي اتخذها النظام السياسي السابق. لقد بات الكثير من الأقسام والوحدات والدوائر الإدارية الملحقة بتلك الوزارة تحلّ بدلاً عن قاعات العرض الفنية الخاصة بالمتحف التي كانت تتوزع على أربعة طوابق، بعدما تم تخصيص طابق واحد للمركز ذاته، في مبنى يتألف من ستة طوابق.

واقع أعدم أيّ أمل بإمكانية استعادة أو تأهيل مشروع متحف للفن في العراق. وما كرّس فقدان هذا الأمل أن المؤسسة الثقافية في العراق أبقت وعاودت إنشاء نفسها، بعد العام 2003، على مخلفات مركز الفنون. هكذا باتت هذه المؤسسة، والذي يعد من ضرورات وجودها الحفاظ على الإرث الثقافي والجمالي للبلد الذي تمثله، قامت بالاستيلاء على مؤسسة فنية عائدة لها، والإبقاء على مستوى الضرر المادي والمعنوي الذي أصيبت به، قائماً ومن دون مراجعة أو تصويب.

ذلك يعني أن فكرة المؤسسة بكونها حاضنة للتقليد الثقافي وللمنجز الإبداعي هي فكرة معرّضة للاختفاء وللتبدد في عراق اليوم وفي أيّ لحظة، وأن أيّ تاريخ مادي ومعنوي مهما كانت أهميته، قد لا يعني شيئاً وسيلاقي المصير ذاته. المثال الأشد وضوحاً، هو فكرة المتحف العراقي للفن الحديث. هذا المشروع الذي بدأ منذ نصف قرن، والذي كان من المفترض أن يكون حقيقة شاخصة بعد هذا التاريخ، نرى الأمر وقد تحوّل إلى قاعة عرض صغيرة، لا تخلو بعض الأعمال المعروضة من شكوك بأصالتها.

العراق الآن، هو من أفقر البلدان اهتماماً بالتشريع الثقافي والحفاظ على الملكية والمكتسبات المعرفية والفكرية والإبداعية. وما علينا سوى أن نقوم بجردة توثيقية كي نعلم طبيعة الحيف الذي لحق بهذه المجالات ومشاريعها.

الفن وحده يمكنه إعادة بناء الحواس

الخطاب النقدي وتمثلات المحترف الفني

لا يزال النقد الفني في العراق يفترض ضرورته، كإجراء ثقافي يواكب مغامرات الخبرة التجريبية للفنان العراقي، ويتمثل أشكالها الخاصة في إنتاج المعنى وما تحفل به من أسئلة جمالية تكشف عن مغزى تطلعاتها الفنية والذوقية. ظل هذا النقد مواكبا لتغيرات التجارب الفنية في داخل العراق وخارجه، كما اجتهد خطابه في استحداث عملية فهم مناسبة لها. يمكننا القول إن أكثر التجارب الفنية العراقية المكرسة قد تغلفت بآراء النقاد، بل إن المحترف الفنّي العراقي لم ينفصل تماما عن الوعي النقدي الموجه إليه، وعبر خطابات واكبت تمثلاته في الصفحات الثقافية و الدوريات المتخصصة.

خصصت مجلة تموز، الفصلية الثقافية، عددها رقم 61 الصادرة حديثا عن الجمعية الثقافية العراقية في مالمو/السويد، عن الفن التشكيلي العراقي، وعللت هذا الإصدار بكونها محاولة كي تلمس ملامح هذه التجربة الثرة، وبعض “إخفاقاتها التي تعرضت لها بسبب الظروف التي تعرض لها العراق والتي اضطرت الكثير من الفنانين إلى الهجرة خارج العراق”.

يكتب الفنان كريم السعدون “مالمو”، موضوعه بعنوان “غربة التشكيلي العراقي”، والذي أوضح فيه من أن كون الفنان العراقي، لازال ملازما لمسار الحداثة التأسيسية في العراق، دون الالتفات لما يحصل من تحولات في عالم الفن اليوم، حتى وكأنه يبدو منغلقا “أمام تيارات التحديث التي تجتاح النتاج الفني في العالم”، لقد بات العمل الفني اليوم يستجيب للعديد من المتغيرات السريعة التي تحصل في عالمنا. فاستخدام التقنيات المعاصرة قد أزاح بشكل تام تأثير المرجع على العمل الفني، كما أن النظريات النقدية الجديدة، أيضا، هيأت حرية غير مسبوقة لإنتاج العمل الفني بما يوازي المتغيرات الحاصلة في عصرنا. وفيما يتعلق باهتمامات الفنان العراقي في المهجر، يذكر السعدون، من أن هموم وطنه هي مادته الرئيسية في نتاجه بوصفها “مشكلة إنسانية عامة ووجود مهدد”.

وفي قراءته “الفن العراقي أسطورة المحنة والخلاص”، يستدعي الناقد والأكاديمي بلاسم محمد تحولات الثلاثين عاما الأخيرة من تجارب الفن العراقي المليئة بالمشاريع الفردية والجماعية والتي ستشكل مرحلة مهمة وحاسمة في خصوصية المشهد التشكيلي العراقي، حيث “وظف الفنانون معطيات الذاكرة البصرية العراقية بعناصرها منكفئين على مادتهم البصرية الذاتية ولا وعيهم المرئي”، وذلك ما أدى في نظر الناقد إلى إثارة سؤال باعث على الاستغراب، يتعلق بطبيعة العديد من التجارب الفنية التي لم “تصور ثلاث حروب دامية مرت بالعراق من دون أن يحمل الفن التشكيلي شيئا عنها في ذاكرته البصرية، سوى ذاكرة التناسي، التي هي ذاكرة الحضور المهيمنة على وجدان الفنان والفنّ معا في خروجهما من دائرة الصراع إلى فضاء الصراع مع الحرب ذاتها”.

كان عدد “قيثارة” قد احتوى أيضا موضوعات وثّقت لتجارب فنانين منهم إسماعيل فتاح الترك، جواد سليم ، خالد القصاب، وشاكر حسن آل سعيد، عدا نشرها لوثائق والتعريف بتجارب فنانين مثل عمار داوود، كريم رسن هناء مال الله، وموضوعات بأقلام نقاد منهم عبدالرحمن طهمازي، علي النجار،عادل كامل، عاصم عبد الأمير، وجواد الزيدي.

فنانو المهجر باتوا يمضون إلى أسئلة جمالية أخرى ومختلفة عن مجايليهم من الفنانين في الداخل. هم باتوا أكثر انتباها لثقافة بصرية مغايرة، لا تعير اهتماما يذكر لمرجعيات تجاربهم السابقة، والمتعلقة بتداعيات الذاكرة المنفية والمهاجرة، وهي غير ملائمة، كذلك، كي تتوافق مع فن بلدانهم الجديدة

المعرض الأخير

في ذات المكان الذي استهدف بتفجير إرهابي راح ضحيته المئات من المدنيين في منطقة الكرادة/بغداد، في الثالث من يوليو، والذي سيبقى شاخصا في ذاكرة العراقيين لحجم الخراب الذي أحدثه في المكان والعدد الكبير من الضحايا من الأطفال والنساء، أقيم عرض فني، بتاريخ 27 أغسطس، ولمدة يوم واحد، والذي جاء بعنوان “الكرادة”، شارك فيه أحد عشر فنانا تشكيليا من داخل العراق وخارجه، للتعبير ولاستنكار فعل إجرامي باتت أفعال مثله ملازمة لحياة العرقيين كواقع يومي.

أهمية هذا العرض تتجاوز التوثيق لجهة استحداث تمثيلات جمالية جديدة في المشهد التشكيلي العراقي، وبعقد صلة تعبيرية، لا تخلوا من واقعيتها، قائمة على جعل جدران المكان المستهدف وبقايا الخراب الناتج هو فضاء يضم نتاج العرض ذاته. أعمال تراوحت ما بين لوحات مسندية علقت على حيطان لازالت تحمل آثار الحرائق والضرر بأثر الانفجار، أو الاستعانة بمواد جاهزة، كما في الاستفادة من خراطيم إطفاء الحرائق، أو بإقامة عرض أدائي، أو تقديم تنصيبات فنية.

لا تخفي تجربة العرض حجم المأساة بالتأكيد على توليد أثر درامي كرسته طبيعة العرض في العلاقة مع الأعمال المعروضة التي استعان بعضها بلافتات نعي الضحايا وصورهم الشخصية، أو بعض ما تبقى من أشياء وموجودات في المحلات التجارية التي شملها الانفجار أيضا.

لم تحض تجربة العرض هذه بدعم أيّ جهة ثقافية ومجتمعية أو سياسية، كان الفنانون هم من هيأ شروط تحققها بجهدهم وقدراتهم الذاتية. بل لقد تعرّضوا، لضغط جهات رسمية عبر الاكتفاء بعرض مشروعهم لمدة يوم واحد، بذريعة إعادة صيانته. الفنان المشاركون هم حارث مثنى، حليم قاسم، رضا فرحان، رياض هاشم، ضحى الكاتب، عفراء خالد، كريم سعدون، مازن المعموري، محمد القاسم، محمد ديجان، محمد مسيّر، ناديه فليح، هادي ماهود، وضاح مهدي، هناء مال الله.

كاتب من العراق

15