تمثيل الأطفال مشاهد الدم يعصم من العنف أم يدفع له

أحدثت واقعة تجسيد أطفال في مدرستين مصريتين حادث الاعتداء المسلح على مسجد الروضة بشمال سيناء الذي أوقع 309 قتلى و125 مصابا، الجمعة 24 نوفمبر، صدمة للأسر المصرية والمعنيين بالشؤون التربوية.
الجمعة 2017/12/01
تجسيد الأطفال حوادث العنف يولد لديهم الشعور بعدم الأمان

القاهرة- استعان مسؤولون بمدرستين إحداهما في محافظة دمياط على البحر المتوسط، والثانية بمحافظة الدقهلية شمال القاهرة، بالأطفال ممن هم في المرحلة الابتدائية في أداء مشهد تمثيلي لحادث الاعتداء المسلح على مسجد الروضة بشمال سيناء.

أمام الغضب المجتمعي المتصاعد اضطرت وزارة التربية والتعليم للإطاحة بمديري المدرستين وإحالة جميع الموظفين والمعلمين الذين شاركوا في الواقعة إلى التحقيق الفوري، في محاولة لتهدئة الناقمين على هذا الفعل وتوصيل رسالة بأن الحكومة تنأى بالأطفال عن الزج بهم في قضية خطيرة مثل الإرهاب.

شهدت الواقعتان تقسيم الأطفال إلى فريقين، الأول يمثل تنظيم داعش ويرتدي عناصره ملابس سوداء وأقنعة ويمسك كل منهم مسدسا وهميا فيما يرفع أحدهم علما واحدا يجمع أعلام 4 دول هي، إيران وتركيا وقطر وإسرائيل، في إشارة إلى أنهم من يقفون وراء الحادث.

كان الفريق الثاني يؤدي الصلاة في ساحة المدرسة بحضور عدد من أولياء الأمور وسكان المنطقة، ثم قام الأطفال الذين يجسدون الإرهابيين بتمثيل إطلاق الرصاص على زملائهم المصلين الذين سقطوا على الأرض غارقين في الدماء وسط صيحات “الله أكبر”، في محاكاة لما حدث في مسجد الروضة بمنطقة بئر العبد في شمال سيناء.

رأى الرافضون لهذا التصرف أن تجسيد الأطفال لحادث إرهابي، وإن كان عن حسن نيّة، يرسخ مشاهد الدماء في أذهانهم ويولد لديهم الشعور بعدم الأمان في بلادهم والإحساس بالخوف القهري طوال الوقت لأن ما يجري من عنف حولهم لا يتناسب مع عقولهم وبراءتهم وقد يخلق منهم شخصيات عدائية للمجتمع.

وقال هؤلاء، إن الدور التربوي للمؤسسات التعليمية في البلدان التي تواجه معركة مع الإرهاب يجب أن يكون مقتصرا على إخراج الأطفال من حالة الخوف ونسيان مشاهد العنف والدماء والدمار وترسيخ ثقافة التسامح وقبول الآخر، كي لا تنتزع من قلوبهم الرحمة وتكون ردة فعلهم قائمة على اللامبالاة.

ومن جانبها أكدت إيمان السمري مديرة مدرسة يحيى الأدغم بمحافظة الدقهلية، وهي التي شهدت واقعة تجسيد حادث مسجد سيناء، أن قيام الأطفال بمحاكاة الجريمة يهدف إلى زرع قيم الولاء والمواطنة ونبذ الإرهاب في عقول ونفوس الأطفال، أي أن الهدف تربوي بحت.

وأضافت لـ”العرب” أن معايشة الصغار للواقع الذي يحيط بهم ضروري حتى يكونوا حذرين من التلاعب بعقولهم في المستقبل من أي فصيل أو تيار ديني متشدد، مؤكدة أن الزج بالأطفال في قضايا يعيشها الكبار لا يشكل خطورة نفسية عليهم لأنه لا يجب تزييف الحقيقة بل تعليمهم أن الذي يقتل باسم الدين ليس من الدين في شيء ولا يمكن أن يكون قدوة لهم.

ويبرهن تربويون على أن معايشة الصغار لواقع مشحون بالعنف والتطرف تخلق منهم شخصيات عدائية، كما أن عددًا من الأطباء النفسيين في أكثر من محافظة مصرية تبرعوا بالسفر إلى منطقة بئر العبد بسيناء للتقليل من تأثيرات الحادث على الأطفال والشباب حتى لا يتحولوا إلى شخصيات معادية للمجتمع وخارجة على القانون، بعد أن فقد أغلبهم آباءهم.

معايشة الأطفال واقعا أكبر من تفكيرهم له تداعيات خطيرة، من بينها أنهم يكبرون على عدم الاكتراث بمشاهد الدم

ويقول هؤلاء إنه لا فرق في التأثير السلبي لحادث دموي بين الأطفال الذين عايشوا الحادثة على أرض الواقع وبين من جسدوه بشكل تمثيلي لأنهم أيضا يعيشون الموقف بتفاصيله الكاملة من ارتداء ملابس وأقنعة سوداء ونزف دماء وإطلاق رصاص (غير حقيقي) وكل ذلك في مجتمع يفترض أن يوفر لهم الحماية من اعتداءات الآخرين.

وأوضحت فاطمة خليل عضو الجمعية المصرية للطب النفسي، أن معايشة الأطفال لواقع أكبر من تفكيرهم ونضجهم العقلي مثل الإرهاب والتطرف، له تداعيات خطيرة، من بينها أنهم يكبرون على عدم الاكتراث بمشاهد الدم ولا يتعاطفون مع أحد أو المجتمع نفسه.

وتابعت قائلة لـ”العرب” إن “الزج بالأطفال في قضايا كبيرة من هذا النوع، يخلق منهم 3 شخصيات حسب نضجهم وطريقة تفكيرهم واستيعابهم، الأولى وهي الشخصية التي تكون ردة فعلها سلبية للغاية مع آلام الآخرين ولا تتأثر بتوجيهات أو تحذيرات ولا تمتثل حتى للقانون الذي يتعامل به المجتمع، وتخلق لنفسها واقعا وقانونا يتناسب معها فقط، بمعنى أن هؤلاء الأطفال يدخلون في عداء دائم مع الآخرين”.

وتابعت مبينة أن الشخصية الثانية هي “الجبانة”، التي تشعر بأنها تعيش في بلد غير آمن وبالتالي يتولد لديها شعور دائم بأنها مستهدفة من أقرب المقربين منها.

أما الثالثة فهي الأخطر، لأن مشاهدة العنف، ولو بشكل تمثيلي، يمكن أن تجعل من الطفل شخصية عنيفة طوال الوقت إذا شعر بلذّة في فعل ذلك، سواء بدافع حب السيطرة أو فرض قوته على الآخرين.

ويرى المؤيدون لضرورة تجنب الأطفال معايشة أزمات الكبار وحتمية إبعادهم عن قضايا أكبر من عقولهم، أن قربهم من واقع أليم يئن منه المجتمع والمنطقة العربية برمتها يفقدهم الاستمتاع بفترة الطفولة ويرسخ في وجدانهم أن حياتهم في المستقبل مليئة بالعقبات والأزمات ومهددة طوال الوقت.

خطورة ذلك، من وجهة نظر زينب المهدي، استشارية التربية الأسرية، تكمن في أن ثقة الطفل تهتز في المجتمع والدولة ويبدو كشخصية عدائية حتى يتسنى له تحصين نفسه، لأنه في المراحل العمرية المبكرة يعمل على تشكيل وجدانه ويبحث لنفسه عن قدوة، بالتالي يفترض أن يوفر له المجتمع أجواء هادئة بعيدة عن التطرف والتشدد والعنف ومشاهد الدماء، لأنه قد يرى فيمن يقوم بهذه الأفعال ويخشاه الجميع، هو قدوته في المستقبل.

وأشارت المهدي لـ”العرب” إلى أن التنظيمات الإرهابية عملت على استقطاب الأطفال والشباب من خلال الألعاب الإلكترونية على مواقع الإنترنت وأنتجت أفلاما تمثيلية خاصة بها تجسد قوتها وتفوقها على الجيوش النظامية، ولا فرق بين هذه الأفلام الداعشية وبين حث الصغار على تجسيد مضمونها بذريعة توصيل رسالة إلى الأطفال بخطورة هذه الأفكار، لأن قربهم ومعايشتهم لهذا الواقع في سن صغيرة قد يجعل منهم أطفالا عدائيين بالفطرة ويتفاخرون بذلك.

21