تمجيد الشهرة وصناعة الوهم

الأحد 2015/05/31

تروج وسائل الاتصال لأنواع لا حصر لها من الاستهلاك المفرط ومنها استهلاك الوهم وتمجيد الشهرة، فبقدر ما أنعشت ثورة الميديا آفاق التواصل بين البشر وطورت التنافس الحيوي بين المنتجين وعززت الحوار بين الثقافات، بقدر ما حولت البعض إلى مهووسين بالظهور سواء في التلفزة أو مواقع التواصل الاجتماعي أو خدمات الإنترنت المختلفة.

لا يسأل أحد المهووسين بالشهرة عمن يتلقى مادته سواء كانت قصيدة أو فيلما أو أغنية أو معزوفة او تعليقا ساخرا فمعظم معارفهم يمارسون الفعل ذاته على المواقع الافتراضية وينشئون عوالم تشبع شهوة الاستعراض لديهم ويتخيلون وجود حشد من المتفرجين يتلقون عروضهم إما بمشاهدتها أو التعليق عليها أو تداولها مع الأصدقاء، ويصبح وجود المتفرجين غير أكيد لأن الجميع تحوّلوا إلى نجوم في نظر أنفسهم مما يحدّ من إمكانية وجود متفرجين فيتحوّل عالمهم عندئذ إلى استعراض وهمي.

***

تسهم برامج التوك شو في كثير من القنوات الفضائية العالمية -التي يعاد عرضها على قنوات عربية- في تعزيز نزعة الاستعراض وترسيخ ثقافة التعري النفسي والجسدي التي يكشف فيها الفرد التواق إلى الشهرة عن تفاصيل حياتية تكون في غالبها حميمة أو مخجلة بالمعايير العامة المتعارف عليها لدى معظم المجتمعات، وتعمل هذه البرامج على تحقيق قدر من الإثارة في الترويج لهذه العروض ويمسي الظهور في برنامج ذي دوكتورز أو مع د. أوز أو في برامج أوبرا وينفري حلما يراود مخيلات الطامعين بالشهرة عبر الإعلان عن سلوك فضائحي أو مشكلة صحية أو فشل أو إدمان أو إفلاس، وتكشف نزعة الاستعراض عن هشاشة روحية لدى عشاق الشهرة اليائسين من حياتهم الخاوية وكونهم على قدر من الخواء الذي يجعل موضوع الشهرة والمال هدفا مصيريا لديهم مهمّا دون مبالاة بالثمن، ومقابل هؤلاء ثمة حمقى يتلذذون بالتلصص على حيوات النجوم المتاجرين بوجودهم ممن يبيعون أرواحهم وخصوصيتهم للاستعراض السطحي التافه كبرنامج كاردشيان.

***

يتوجب على هؤلاء التواقين إلى الشهرة أن يخضعوا لشروط الشركات التي تستخدمهم كأدوات ترويج وإعلان وأن يكونوا على درجة من الكمال المظهري حسب المعايير المعتمدة في عالم النجوم المكرس للتفاهة، فمن أسنان مغلفة بالبورسلين الناصع وشفاه ونهود مدججة بالسليكون وخصلات شعر مشبوكة تطيل وتكثف الشعر وغيرها من وسائل التعديل الصناعية للرجال والنساء، تتيح للمعدلين صناعيا أن يحظوا بالنجومية المشتهاة، ويقدم منتجو برامج الشو عروضا مجانية ترعاها شركات تجارية كبرى كتذاكر لرحلات سياحية ومنتجعات ويتنافس على الفوز بها ملايين المشاهدين المهووسين بالمظاهر ورشاقة الأجسام ومراعاة السائد من موضات الثياب والشعر وحالما يتحقق لهؤلاء “الكمال” المظهري المنشود -وهو كمال زائف ومؤقت- ويبلغون أقصى درجات التحول المظهري يحظون لبرهة قصيرة بالرضا والزهو تحت الأضواء متوهمين أنهم حققوا ذواتهم بتغيير جلودهم وأزيائهم، حتى يعودوا إلى بيوتهم ويواجهوا حقيقتهم في عالمهم الواقعي المحكوم بعوامل اقتصادية وعائلية ومجتمعية فتنفجر بالونات الشهرة والتضليل المبرمج ولا يعود هؤلاء قادرين على المضي في حياة طبيعية كما كانوا قبل إجراء التعديلات المظهرية، وتتلبسهم أهواء الشهرة الضاربة وتقض مضاجعهم محولة إياهم إلى فرائس للهوس المرضي او الإدمان ويبذلون ما بوسعهم لمواصلة تكييف أجسادهم ومظاهرهم حسب المقاييس المقننة من قبل مدراء التسويق والإعلان ويغدو الحفاظ على المظهر المعدل قضيتهم وهدفهم الأسمى يبددون من أجله الوقت والجهد والمال ويفضي هذا الخلل إلى تدمير حياة البعض ممن لا يعودون يتقبلون واقعهم بمواصفاته الإنسانية والثقافية ويعانون من رفض متبادل في بيئتهم.

كاتبة من العراق مقيمة في عمان

15