تمدد أم انكماش فرنسي

الاثنين 2015/01/12

هذا التساؤل أصبح مطروحا على نطاق واسع، عقب العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا في عقر دارها، خلال الأيام الماضية، فالقوة والاحترافية اللتان جرت بهما العمليات، كانتا تحملان رسالة مهمة، لتلقين باريس درسا قاسيا، بموجبه يمكن ردعها عن المزيد من التدخل في بلدان عربية وأفريقية.

طبعا العمليات المتتابعة كانت مليئة بالعبر، ويمكن التوقف عند عدد كبير من القضايا التي فجرتها، لكن ما يهمنا في هذا المقام موقف فرنسا، وهل تواصل تدخلاتها، أم تتعظ بما حصل في أراضيها، وتتوقف عن التورط في أزمات جديدة؟ خاصة أن هناك شواهد متعددة، تجعل من كفة التدخل أو الإحجام، تبدو متساوية إلى حد كبير.

إذا كانت هناك تقديرات سياسية وأمنية معتبرة، تدعم كفة الإحجام، بناء على التأثيرات السلبية التي خلفها حادث جريدة “شارلي إيبدو” وتوابعه، فإن الحسابات المقابلة، ترجّح في نظري حتمية التدخل لمواجهة الجماعات الإرهابية على أراضيها الفسيحة، وعدم الاستسلام للضربة القاصمة، التي تعرضت لها فرنسا.

الحاصل، أن فرنسا بدت خلال العامين الماضيين، كأنها رأس حربة غربي في مجال مكافحة الإرهاب، حيث تدخلت بكثافة في مالي، وبدرجات أقل في كل من النيجر ودولة أفريقيا الوسطى، ناهيك عن مشاركتها في اتفاقيات تعاون إقليمية وثنائية في شمال وجنوب الصحراء الأفريقية، ثم قيامها بالتفاعل مع التحالف الذي وضعت نواته الولايات المتحدة لمكافحة إرهاب تنظيمي “داعش” و“النصرة” في كل من العراق وسوريا. ومن خلال التطورات على المستويات السابقة، أضحى انخراط القوات الفرنسية في أماكن عدة، بمثابة إستراتيجية غرضها قطع رأس الإرهابيين، قبل أن تتحرك أقدامهم باتجاه أوروبا.

بصرف النظر عن مدى ما تحقق من هذه الإستراتيجية، فرنسيا وإقليميا ودوليا، الواضح أن باريس مصمّمة على استكمال حلقات التدخل في بؤر أخرى، وكانت الدولة المرشحة، أو التي سوف يصيبها الدور الفرنسي هي ليبيا، وظهرت إشارات، مباشرة وغير مباشرة، تؤكد ذلك، سواء من خلال تصريحات لوزير الدفاع، أو عبر قنوات سياسية، أوحت لكثيرين برغبة باريس في أن يكون الدور القادم على ليبيا.

في كل التدخلات، كانت فرنسا تتسلح بغطاء دولي وآخر إقليمي، بمعنى أنها دعيت رسميا من الجهات المنوط بها منح تصاريح التدخل (مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي)، حتى تضفي على تدخل قواتها قدرا من الشرعية، ولتتجنب مناوشات بعض القوى لجأت دائما إلى وضع قوات رمزية من دول مختلفة، ليبدو التدخل ذا صبغة عالمية، وهي لعبة سبق أن مارستها الولايات المتحدة في حربها على العراق، عام 1991 وعام 2003، لكن لم تخلُ تدخلات فرنسا من منغصات مستترة، من دول وجماعات، في النهاية فشلت في أن تثنيها أو تردعها عن مواصلة مشوارها.

عندما لاح في الأفق شبح التدخل الفرنسي في ليبيا، أصبح الموقف أشد وطأة، للدول والجماعات ذاتها، التي كانت تناوئ باريس في مالي، سرا وعلانية، لأنها سوف تكون على مقربة من أفنيتها الخلفية، الأمر الذي يضعها في موقف غاية في الحرج، فلا هي تستطيع منعها، ولا هي تستطيع أن أيضا الدخول معها في مواجهة مفتوحة، لذلك وجدت هذه الدوائر ضالّتها في العمليات الأخيرة التي ضربت في العمق الفرنسي، على أمل أن تتوقف باريس عن السير في اتجاه المزيد من التدخلات الخارجية.

يمكن الاستناد إلى جملة من الاعتبارات تعزز خيار عدم التوقف عن الاستمرار في النهج، الذي ظهرت معالمه بجلاء في كثير من التحركات الفرنسية، بل قد تجعل أحداث شارلي إيبدو والمطعم اليهودي ومتجر المجوهرات، التمدد الخارجي أولوية في المفكرة الفرنسية.

لعل دعوة الرئيس فرانسوا هولاند، إلى التظاهر تنديدا بالإرهاب، من أهم الإشارات الدالة على مواصل الطريق الفرنسي، وربما تكون هذه المرة الأولى، التي يلجأ فيها رئيس غربي إلى الوسيلة نفسها التي استخدمها الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي، عندما كان وزيرا للدفاع، لمكافحة إرهاب المتشددين الإسلاميين، حيث دعا المواطنين إلى تفويضه بمواجهة هؤلاء والخروج للتظاهر يوم 26 يوليو 2013، ولأن هولاند ليس بحاجة إلى تصريح لمواجهة الإرهاب في الداخل، فقد يكون إذن أراد امتلاك تفويض للاستمرار في مواجهته بالخارج، وتحجيم معارضي التمدد في فضاءات وعرة ومجهولة.

من جهة ثانية، تغيير الإستراتيجية الفرنسية في هذه الأجواء، يعني الرضوخ لابتزاز الإرهابيين، والانكفاء على التدخل سيفهم على أن توجهات هولاند السابقة كانت خطأ، وهو ما يكلفه خسائر سياسية كبيرة، وربما أمنية، لأن الاستسلام قد يغري بالمزيد من العدوان على الأراضي الفرنسية، ويظهر الرئيس والحكومة والجهاز الأمني برمته، جيشا وشرطة وأجهزة استخبارات، أنهم غير قادرين على حماية خيارهم الإستراتيجي.

يمكن القول أن ما جرى سوف يسرّع بتدخل جديد في ليبيا أو غيرها، لاسيما أن الحماس الفرنسي لم يفتر، بل ازداد سخونة، ويجد دعما من قوى عالمية، تسعى إلى استثمار الحالة التي تبدو عليها باريس، من طمع في القيام بدور أكثر فاعلية على الساحة الدولية، واستعادة جزء من نفوذها المفقود في أفريقيا، وهذا الاستثمار أو التوظيف، يحمل بين طياته هدفا مزدوجا، إما لكسر شوكة فرنسا، من خلال توريطها في صحراء شاسعة وقاحلة، وحافلة بالمطبات، أو القيام نيابة عنها (القوى) باستلام توكيل مكافحة الإرهاب، وتحمل تكاليفه الباهظة بمفردها.

في كل الأحوال، من المرجح أن يكون ما حدث، عبارة عن 11 سبتمبر فرنسي، وتعيد باريس إنتاج التداعيات التي أسفرت عنها أحداث 11 سبتمبر الأميركي، حيث خاضت الولايات المتحدة سلسلة طويلة من الحروب المسلحة في كل من أفغانستان والعراق، وقصفت طائراتها اليمن والصومال والسودان.


كاتب مصري

8