تمدد الإرهاب نتيجة لتزاوج الفكر الأصولي مع التقنية الحديثة

الأربعاء 2015/03/25
دولة الخلافة لا تعترف بالكيانات السياسية، فملة السواد والشر عندها واحدة

دبي- استلهام الماضي بالنسبة إلى الحركات الجهادية يمكنها من سلطة تأثير تستمد منها مرجعيتها، فهذا الفكر الأصولي فكر استرجاعي ممانع وارتدادي. هذا الماضي حسب حركات مثل داعش لا يساءل ولا يقبل الاختلاف أو التّأويل أو الاجتهاد ما يجعل مسألة تجديد الخطاب الديني من أولى أساسيات التصدي لهذا الفكر الرجعي.

النص المكتوب على راية “داعش” هو الشعار الأكبر والمركزي من ناحية الاعتقاد في الإسلام، وهو الإقرار والاعتراف بربوبية الله وفردانيته، وأن السياق الموصّل لهذا الاعتقاد يكون عبر الإقرار بالدين الإسلامي متمثلا في الاعتراف برسالة النبي الكريم محمد (عليه الصلاة والسلام). فـ”الراية الداعشية” هي استحضار للمطلق، مطلق الاعتقاد بوحدانية الله، ومطلق السياق التكويني له والمتمثل بالتجسّد الزمني الأول له في الإسلام كتجسّد للدين.

ينهض الفكر الأصولي بشكل عام على أساس عمليتي: الارتداد والتصلب، فهو فكر إرجاعي نحو المركز، والعلاقة مع المركز علاقة مع الجوهر الثابت في هيمنته على الفضاء، فهو فكر يتسم بالصلابة والممانعة والارتداد، ويحذر من كل مساءلة جوهرانية، من شأنها أن تخلخل قواعد المركز.

اختيار "دابق" كاسم للمجلة جاء مشحونا، وكاستعارة لواقعة تاريخية تتمثل في معركة "مرج دابق" التي انتصر فيها العثمانيون على المماليك عام 1516

وبالمقابل، فإن التقني يتسم بصفتين نقيضتين، هما: المرونة والامتداد، هو حالة سائلة تتسرب بهدوء، وتملأ التشققات في جسد الوعي، فيصبح دماء تُكسب هذا الجسد الحياة، وقد تتحول إلى حالة غازية يصعب القبض عليها وموضعتها بالثبات، لأن الجوهر الذي يخصها صفته الانفلات، والرحيل والابتعاد.

يبدو أن اختيار “دابق” كاسم للمجلة جاء مشحونا، وكاستعارة لواقعة تاريخية تتمثل في معركة “مرج دابق” التي انتصر فيها العثمانيون على المماليك عام 1516، ليعيدوا إحياء الخلافة بعد أن قضى عليها الغزو المغولي عام 1258، وتحولت بعد ذلك إلى مجرد استعارة اسمية من دون مفاعيل سلطان وهيمنة. فالتسمية تبدو كأنها استعارة مزدوجة: فمن ناحية، إحياء ما انقطع من فعالية الخلافة العباسية التي تميل إليها داعش، من جهة شرعية الانتساب للرسول وقريش، ومن ناحية أخرى إحياء لقوة العثمانيين الذين توسعوا كثيرا في البر الأوروبي حتى وصلوا حدود فينا. وكأن التاريخ سيعيد صياغة نفسه على أساس هذه الاستعارة على يد داعش.

وقد مثل الكلام المكتوب على لوحة غلاف المجلة إشارة إلى عودة الخلافة على أيدي داعش في المنطقة، بتقارير تؤكد ذلك في الشام والعراق التي كانت طريقا وسبيلا تمثل بتناص تاريخي وديني مع الهجرة النبوية، فالهجرة الداعشية هي طريق الخلافة والاستخلاف الذي وعد الله به، ليكون الناس على ملة إبراهيم عليه السلام، (ملة) الخلافة الجديدة.

وتبدو فعالية التناص الديني والتاريخي بأنه يمنح الوقائع المتناصة سلطة تأثيرية قوية تزخر بقيم ومعانٍ خالصة؛ توفر برهنة على مشروعية الفكرة المستجدة في الاستلهام للماضي، ويشي بهموم منتج التناص (داعش) وغاياته، حيث يكون المتناص به مصدرا يكسب المتناص إليه برهانا ودليلا على كبرياء الفكرة لعودة الأمة بعد انكسارها. وكل ذلك يشتغل بلا وعي المتلقين المنفعلين، وفق تداعيات متحررة من النقد الواعي.

لم تكن تصاميم غلاف مجلة “دابق” اعتباطية، بل خضعت لتقنيات إنتاج قامت على أساس تعظيم الفكرة المنتقاة كفكرة مركزية أساسها التعظيم، ويمكن ملاحظة ذلك بجلاء في كل تصاميم أغلفة المجلة؛ فقد عظّم غلاف العدد الأول العبارة “عودة الخلافة” لتكون المشهد الذي يمكن قراءته ورؤيته في الوقت ذاته على غلاف العدد، وهو إبراز للفكرة على حساب الجغرافيا-الخارطة.

التنظيم يجمع بين صلابة الفكرة المتمثلة في الاعتقاد وسيولة الأداة، حيث تكون الثانية في خدمة الأول

وجاء غلاف العدد الثاني معظّما لصورة السفينة التي تشق أمواج البحر لتعلن انتصارها عليها، وقد ساند التعظيم التصويري للسفينة الذي جاء من أسفل إلى أعلى ليظهر كلا من ضخامتها والحكاية المستقرة في المخيال الجمعي بوعي الناس من أن السفينة انتصرت على الطوفان.

وبالنظر إلى العدد الرابع، نرى أن الصورة التي تم اختيارها لكنيسة القديس بطرس في الفاتيكان، وهي صورة تبدو فيها (جرسية) الكنيسة منتصبة كأعلى شيء في المكان، ليستفاد من هذا التعظيم حين يستبدل أعلى المعظّم -الصليب- براية داعش، وبذا تشترك كل منبّهات العظمة في الصورة لإنتاج تعظيم للنصر الذي سيغير وجه المكان. يضاف إليه وضع الراية الداعشية بحجم كبير وخفاق أعلى الجرسية في كنيسة القديس بطرس، وإزالة الصليب تعظيم للنصر والكبرياء المتحلم. وتبقى الكلمة الجامعة لكل ذلك “الجهاد”.

بناء على ما تقدم من قراءة لسيمياء الأعداد المذكورة من مجلة داعش، يمكن الخلوص إلى أن التنظيم يجمع بين صلابة الفكرة المتمثلة في الاعتقاد وسيولة الأداة، حيث تكون الثانية في خدمة الأول، من دون أن تتحول الفكرة كاعتقاد إلى حالة من السيولة، بينما مثل نفاذها إلكترونيا حالة سيولية تنفذ من المسارب التي يتيحها عالم الإنترنت. فقد وفر لها الفضاء الإلكتروني القدرة على تقديم نفسها من خلال الخطابات والتسجيلات والصور والمجلات والمنشورات.

خلاصة من بحث جمال أبو الرَّب ‘داعش ومنصاتها الإعلامية من التأسيس إلى التواصل’، ضمن الكتاب 99 (مارس 2015) منصات الميديا الجدية والعنف المقدس” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13