تمديد توثيق "زواج الفاتحة" يثير جدلا في البرلمان المغربي

منذ دخول مدونة الأسرة حيّز التنفيذ، يسعى المغرب إلى توثيق الآلاف من عقود “زواج الفاتحة” التي لا يزال العمل بها قائما داخل المجتمع المغربي وخاصة في القرى والأرياف.
الجمعة 2015/06/12
إيقاف توثيق "زواج الفاتحة" يحد من استمرار زواج القاصرات

الرباط - أثار التمديد في الحملة الواسعة التي تم إطلاقها لتوثيق زواج الفاتحة أو ما يعرف بزواج القاصرات أمام المحاكم، جدلا واسعا داخل المجتمع المغربي بين مؤيد ورافض لهذا التمديد.

وجاءت حملة تيسير توثيق الزواج غير المسجل للآلاف من الزيجات التي تقام من خلال تنظيم حفل يضم أهالي الزوجين، ويتم فيه تلاوة الفاتحة وهو ما يطلق عليه زواج الفاتحة لجعل زواجهما معترفا به رسميا، حفاظا على حقوقهم وحقوق أطفالهم، في إطار تطبيق الفصل 16 من مدونة الأسرة المتعلق بثبوت الزوجية.

ورغم تأكيد الحقوقيات على أن هذه الحملة ينبغي أن تستمر حتى القضاء نهائيا على الزيجات غير الموثقة، لأن كل زواج دون عقد رسمي يفضي إلى المس بحقوق الأطفال من نفقة وحضانة وإرث، إلا أنهن لم يخفين تخوّفهن من توظيف هذه الحملة لتبييض تعدد الزوجات أو تشريع زواج القاصرات.

وتجدد الجدل في البرلمان المغربي، على خلفية مناقشة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، لمقترح القانون الذي تقدم به الفريق الحركي في مجلس المستشارين، يهدف إلى تمديد فترة إثبات الزواج لخمس سنوات إضافية.

وصادقت عليه الغرفة الثانية من البرلمان وأحالته على مجلس النواب، على أن “يعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة انتقالية لا تتعدى خمس سنوات”، وذلك لتعديل المادة 16 من مدونة الأسرة.

وأجمعت الآراء على أن الآلاف من الحالات لم يتم تسويتها، إلا أن الاختلاف نشب حول ما إذا كانت خمس سنوات كافية، حيث طالب عدد من النواب بجعل الآجال غير محدودة، لكون هذه الممارسات موجودة في المجتمع، ولا يمكن القضاء عليها في فترة زمنية محددة.

طالب عدد من النواب بجعل الآجال غير محدودة، لكون هذه الممارسات لا يمكن القضاء عليها في فترة زمنية محددة

وفي المقابل حذرت العديد من الأصوات داخل البرلمان من كون فتح الباب أمام تمديد هذه المدة سيدفع إلى التلاعب بالزواج، وخصوصا في مسألة تعدد الزوجات وزواج القاصرات، وطالبوا بربط التمديد بشروط، وتنزيل نوع من العقوبات على الذين قاموا بإثبات الزواج.

وفي هذا السياق أكد وزير العدل والحريات مصطفى الرميد، أن الأصل هو التوافق المجتمعي، وشدد على ضرورة “التوافق حول مدونة الأسرة، وبأن كل ما يمسها يجب أن يحظى بالإجماع”، كما أوضح أن القضاء على ظاهرة زواج القاصرات سيتم بإجراءات تنموية، وعبر محاربة الفقر، وتدعيم تدريس الفتيات.

وأقر أمام أعضاء مجلس المستشارين، بأن الظروف الهشة التي تعيش فيها الفتاة وغياب وعي اجتماعي بمخاطر الظاهرة، من بين العوامل التي تساهم في استمرارها، ورد الوزير في إجابته عن سؤال بخصوص الموضوع “إن الحد من تزويج القاصرات مرتبط بتغيير العقليات والواقع الاجتماعي والاقتصادي”.

ومن جانبها قالت فوزية الأبيض، البرلمانية عن الفريق الدستوري المعارض، إن استمرار وتوسيع زواج الفاتحة على نطاق كبير، يخالف روح الفقرة الأولى من مدونة الأسرة التي اعتبرت أن أصل إثبات العلاقة الزوجية هو عقد الزواج المكتوب للقضاء على هذه الظاهرة. وأكدت الأبيض أن “زواج الفاتحة” يتزايد اليوم في المدن الكبرى في صفوف فئة من الطلبة، وعند الأرامل اللواتي يخشين فقدان معاش الزوج السابق”.

وبيّنت أنه يتم تطبيق هذه المادة كآلية لشرعنة “الزواج العرفي” والتحايل على القانون والسقوط في تزويج القاصر وفي تعدد الزوجات.

مصطفى الرميد: القضاء على ظاهرة زواج القاصرات يتم بإجراءات تنموية وعبر محاربة الفقر

كما طالب العديد من البرلمانيين بضرورة التريث والبحث عن صياغة تضبط التحايل، قبل قرار التمديد لخمس سنوات أخرى، ممّا أدى إلى تأجيل المصادقة على مقترح القانون.

واعتبرت آمنة ماء العنين، البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، “أن الظاهرة سلبية في مجملها ولا بد من حلول لمعالجتها”، وأكدت قائلة “بقدر ما يجب أن يكون الزواج شرعيا، يجب أن يكون قانونيا من خلال التوثيق حفظا لحقوق الطرفين، الأزواج والأبناء”.

كما أوضحت أن “ظاهرة زواج الفاتحة لا يمكن معالجتها بنص قانوني، ولا يمكن المعاقبة عليها لكونها ظاهرة معقدة”، وأشارت إلى أن الحل يكمن في تنويع الإجراءات للقضاء عليها، عبر إقناع المغاربة بخطورتها”.

وقالت ماء العنين إن “التمديد سيعالج وضعية عدد من الأسر والأطفال، ومع ذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار أنها ظاهرة معقدة تتطلب التوافق بين كل الفرقاء لإيجاد حل لها”. يذكر أن قضاء الأسرة سجل ارتفاع عدد طلبات إثبات الزواج من 6918 حكما سنة 2004 إلى 23 ألفا و57 سنة 2013.

وفي المقابل طالبت المنظمات النسائية غير الحكومية بإلغاء فصول من “مدونة الأسرة”، لإيقاف توثيق “زواج الفاتحة”، وذلك من أجل إغلاق الباب أمام استمرار زواج القاصرات، حيث تستند المنظمات النسائية إلى إحصائيات حكومية تكشف استمرار ظاهرة زواج القاصرات في المغرب، من خلال “استغلال هذا الاستثناء” في مدونة الأسرة.

وأشار “تحالف ربيع الكرامة” النسائي، إلى غياب “الأسباب القاهرة” التي استعملها البرلمان للمطالبة بتمديد عمليات توثيق الزواج. وشبهت المحامية في هيئة البيضاء وعضو “تحالف ربيع الكرامة” خديجة الروكاني، “زواج الفاتحة”، بأنه لا يختلف في شيء عن عقود زواج أتباع تنظيم داعش. وأكدت أن تطبيق مقتضيات مدونة الأسرة بشكل سليم لا يحمي فقط حقوق المرأة المغربية، بل سيكون أيضا ترجمة لإصلاح منظومة العدالة وتفعيلا للدستور ووفاء من المغرب بالتزاماته الدولية.

يشار إلى أن دراسة حديثة أنجزتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، كشفت أن زواج القاصرات شهد ارتفاعا كبيرا بلغ 91 بالمئة في ظرف تسع سنوات، مسجلا في 2013 لوحدها أكثر من 35 ألف عقد زواج.

21