تمرد الفقر العنيف في رواية عن قسوة البرجوازية

الاثنين 2014/11/03
موكرجي يحملنا على التعاطف مع مساعي الفقراء في دولة تدّعي الديمقراطية

تستدعي رواية “حيوات الآخرين” عنوان فيلم ألماني عن عميل سري يراقب كاتبا وحبيبته في برلين الشرقية، ومع انقضاء الوقت يلفي نفسه منخرطا أكثر مما يودّ في حياتهما. اختار البريطاني والهندي المولد نيل موكرجي (1970) العنوان نفسه لروايته التي خسرت جائزة المان بوكر هذا العام -ولعلها خسارة الجائزة، لا الرواية- غير أن الرواية، لا تمت بصلة لوزارة أمن الدولة الألمانية إبان الثمانينات من القرن العشرين.

يحكي موكرجي، الدارس في جامعتي أكسفورد وكمبريدج، في إحدى حواراته أنه كان يقرأ رواية الأميركي جيمز سولتر “سنوات مضيئة”، فاستوقفه تساؤلها الأوحد، “كيف بمقدورنا أن نتخيل حال حيواتنا دون إضاءة حيوات الآخرين؟”. فهو يطمح إلى أن تحلل روايته “التعاطف وآفاقه”، كيف يصل الهوة بين الغني والفقير، الشاب والعجوز، التقليد والحداثة. وقد كان له ما أراد بعدما أشاد بها الروائي الأميركي إدموند وايت قائلا: إن كل مشهد من مشاهدها مرسوم “بجلاء خليق بتولستوي وشفقته”.


المأساة والجشع


بمجرد أن تفتح دفة “حيوات الآخرين”، تغوص على الفور في هوية بنغالية غير مألوفة للغربيين، بل ولأغلب الهنود. وفي خضم 505 صفحات ترتطم بفوضى تَنزل على أسرة جوش بكلكتا، أسرة من ثلاثة أجيال تعيش معا معيشة مكتظة أقرب إلى التشاحن تحت السقف ذاته. وعند ذلك تتبدّى كأية أسرة هندية، ولكن مجتمع الستينات يتمزق من حولها، فتتنازعها قوى التاريخ والفروق الاجتماعية وتنال منها.

فازت رواية موكرجي الأولى “حياة منعزلة” (2010) بجائزة فودافون- كروسوورد في الهند، وجائزة نقابة كُتّاب بريطانيا العظمى، ولكن الحق أنها لم تتنبأ بما حوته الرواية الثانية من قدرة على أن يرعبنا بمشاهد لافحة همجية لعهد من الاضطرابات المدوية، مشاهد قد نُفضل حقا أن نحتمي منها ونظل آمنين. يمتعنا كذلك بتفاصيل محنكة سلسة حَرِيّة بالهند دون غيرها، فهو يمطرنا بوابل من الروائح والنكهات والمشاهد والنغمات والألوان والأماكن والأسماء، ولا فسحة بين الشخصية والشخصية، بينها فقط تلاحم دائم.

"حيوات الآخرين" رواية ترسم خارطة طبقية لشرائح هندية متفاوتة الحظوظ، وتغوص في هوية بنغالية غير مألوفة

يشتهر البنغاليون بالهوس للطعام، وهم فخورون بأكلاتهم. يستغل المؤلف الغذاء كمجاز للمكانة الاجتماعية، ويفرق حكيّه بين من يفوز بالطعام ومن يعوزه. وهنا يرسم المؤلف خريطة طبقية مفصلة لشرائح هندية متفاوتة الحظوظ، ولكنه لا يبالغ خشية أن تنقلب الرواية بحثا اجتماعيا، ولن نجد ما هو أكثر بلاغة من بداية الرواية:

«نيتاي داس عامل بالأجرة معدم، ينزلق أطفاله المحرومون إلى هاوية الجوع، تنسدّ الطرق في وجهه عدا طريق اليأس، فالقتل والانتحار.

"كان قد استجدى طيلة الصباح بأكمله فنجانا واحدا من الأرز خارج منزل صاحب الأرض. لم يأكل أطفاله الثلاثة منذ خمسة أيام. كانت وجبتهم الأخيرة حفنة من التبن سرقها من حظيرة أبقار صاحب الأرض وغلاها في مياه صفراء غائمة من البئر. حتى البئر يجفّ".

تتوالى هذه المأساة العائلية بنبرة يحرص من خلالها كاتبها ألا تتسوّل المواساة، ولكنه اختار أن تتوازى في تناقض صارخ مع وفرة تنعم بها عائلة جوش البرجوازية بالرغم من اضمحلال يصيب مواردها المالية. يتولى أغلب عائلة جوش الجشع، يركضون وراء الأملاك والرفاهة، الموسيقى الغربية ومستحضرات التجميل. تخنقهم السلطة الهرمية، تتنافر أصواتهم وغاياتهم، والصراع بينهم هو الروتين المعتاد.


الإرهاب الزراعي


يقف حفيد أسرة جوش مرآة نقدية تعكس نهم أسرته الدائم للمال، ويلقى المفكر الناشئ إهمالا من عائلته فيتمرّد عليها معتقدا أن بوسعه تغيير العالم -ويا لغبائه- ثم تدفعه معتقداته المثالية إلى الانضمام إلى الثوار المتطرفين: «أمي، يخالجني شعور بالإنهاك من فرط الاستهلاك، من فرط الأخذ والانتزاع والاستغلال. يلمّ بي انتفاخ شديد حتى أني عاجز عن أخذ أنفاسي. سوف أرحل ساعيا إلى بعض الهواء، إلى مكان ما يسعني فيه تطهير نفسي، أدفع عني حياة مُنحت لي وأصنع حياة خاصة بي. أشعر أني أعيش في منزل مستعار».

تنفض وقائع هذه الملحمة في نهاية الستينات من القرن العشرين، حقبة ارتجت بالأفكار المثالية والحمى الثورية، تأثرت نخبتها المدينية -أو ميليشياتها في واقع الأمر- بالزعيم الصيني ماو.

الكتاب يغوص في هوية بنغالية غير مألوفة للغربيين

ويستحضر موكرجي موجة الانشقاق طفلا، فيشبهها بالدخول إلى “عالم من الأشباح”، فقد سافر العديد من الطلاب والمفكرين إلى الريف، بهدف تحويل القرويين إلى راديكاليين، ما أسماه السياسيون حينذاك “الإرهاب الزراعي”، إذ نظموا الفلاحين فرقا كي يخوضوا الكفاح المسلح، وما تلا كان موجة من الوحشية وسفك الدماء.

لقد أصابت الروائية الهندية أنيتا ديساي حين وصفت “حيوات الآخرين” بأنها “تصوير مدمِّر لمجتمع مُتفسِّخ، وثورة عنيفة عنفا محتوما ضدّه، على غرار الأدب الهندي المشحون سياسيا ككتابات بريمشاند ومانتو ومالك راج أناند.

إنها ضارية، بلا رحمة، صادقة صدقا موجعا”، وهو ما يتضح في مشاهد العنف الشرسة المتفرقة في ثنايا الرواية: «يتناول المنجل قصير المقبض، يأخذ زوجته من رسغها ناتئ العظم ويجرجرها إلى العراء. وبيد الفلاح المتمرسة، يرسم بمنجله قوسا وينزله على رقبتها. يلاحظ بصقة عند ركنيْ فمها، وعيناها تتسعان رعبا.

لم تنفصل الرأس تمام الانفصال، ربما لم يضرب بقوة كافية، تتدلى من أنسجة -لا تزال متصلة- من الجلد والعضلات والشرايين، وهي تنهار بضربة مكتومة على الأرض. ارتطم بعض الدماء المتفجرة بوجهه وقفصه الصدري الموشك على الاندفاع من غطاء غامق ملطخ بالعرق. يده اليمنى لزجة بالدماء».

ومع تتبعنا لذعر الحفيد الفردي وتاريخ اليسار البنغالي الذي زحزح جيلا، بل ودولة كاملة، إلى شفا الكارثة، ومع رصدنا لمثلث “العمل ورأس المال والإنتاج”، كما يعدنا موكرجي، يحملنا المؤلف على التعاطف مع مساعي الفقراء إلى المساواة في دولة تدّعي الديمقراطية، وقد يحملنا أيضا من غير قصد على احتقار برجوازية معاصرة، تسبغ عليها الثقافة الغربية الكمال. فأصلها برجوازية مختلة تكتنفها الأسرار والصراعات على خلفية من فوران سياسي راح ضحيته الضعيف، والضعيف فقط.

والبادي أنه يصوّب أيضا لوما إلى الإمبراطورية البريطانية حين يقول، “لقد رحل البريطانيون عن بلدنا منذ عشرين عاما، ولكن أفعالهم سوف تظل إلى الأبد”. ولكن الحفيد يعي في النهاية أن هناك فجوة ضخمة بين أن تكون ناشطا بدافع مثالية آتية من الكتب والحوارات وانفعال الشباب، وأن تكون ناشطا لأنك “عانيت سلبا رمته الحياة في وجهك”.

15