"تمرد" الفلسطينية: لا لحكم الإسلاميين في غزة

الأربعاء 2013/10/30
امرأة غزاوية تجلس مع طفلها في انتظار طويل لفتح معبر رفح الحدودي مع مصر

غزة ـ اعتقد قادة حماس أن الوضع السائد في غزة لن يتأثر رغم سقوط حلفائهم عن الحكم في مصر بعد عزل مرسي، ولم يخمن أحد يوما أن تواجه الحركة تهديدا لوجودها من مجموعات شبابية نجحت في جذب الاهتمام إليها كونها تتحدى حكام غزة الإسلاميين واستطاعت مد رياح التغيير السياسي لتحوم حول القطاع الذي تحكم حماس سيطرتها عليه منذ سبع سنوات.

ويرى إبراهيم غالي في دراسة صادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، بالقاهرة، أن غزة مقبلة على اختبار سياسي صعب، إذ تجري الاستعدادات من قبل حركة «تمرد» ضد ما قالت إنه «الظلم على غزة» للتجهيز لحشد شعبي ضخم من أجل إسقاط حكم الحركة في القطاع، وبالمقابل تستعد حماس وأجهزتها الأمنية للتصدّي لذلك الهجوم. تلك الحركة التي تأخذ حماس تحركاتها على محمل الجد، لا سيما بعد أن أيقنت الأخيرة أن كافة الاحتمالات تبقى واردة بعد نجاح «تمرد» المصرية في إسقاط حكم جماعة الإخوان المسلمين حتى وإن اختلفت المسببات والعوامل الموضوعية بين حالة القطاع وحالة مصر في مناحٍ عديدة، ومدى استطاعة «تمرد» الفلسطينية محاكاة نظيرتها المصرية والتمكن من إسقاط حكم حماس في قطاع غزة.


مؤتمر عالمي


مخاوف حماس من انتشار صيت «تمرد» لن يستطيع قادتها إخفاءها بعد أن سعى عدد من مسؤوليها في الفترة الماضية إلى تقزيم هذه المبادرة والاستخفاف بقدرتها على إحداث أي تغيير يذكر، بل تعاظمت مع إعلان الحركة عن بدأ التجهيزات لفعاليات المؤتمر العالمي لتدشين حملة تمرد لإسقاط حكم حماس في غزة في محافظة الدقهلية في مصر خلال الأيام المقبلة.

جاء المؤتمر العالمي لتمرد جاء بالتنسيق بين الأحزاب والقوى السياسية ونشطاء المجتمع المدني بالدقهلية وباقي المحافظات المصرية. ويقول مراقبون إن التعاون بين النشطاء في مصر مع الحركة لإسقاط حماس جاء بعد ثبوت تورطها في الأحداث التي سبقت الإطاحة بنظام الرئيس السابق حسني مبارك في مصر لصالح الإخوان المسلمين، وما تلاها من تجاوزات أيضا بعد عزل مرسي، وتدخلها في الشأن المصري من خلال تصريحات قادتها المتعاطفة مع انهيار «الجماعة» في مصر مما زاد في حدة توتر العلاقات بينهما.


انطلاق "تمرد"


بدأت حملة «تمرد ضد الظلم على غزة» تقريبا مع الإعلان عن حملة «تمرد المصرية» بشكل علني في أواخر أبريل الماضي، ثم أخذت الحملة «الفلسطينية» الشبابية تكتسب زخما كبيرا بعد نجاح «تمرد مصر» في إسقاط حكم الرئيس السابق محمد مرسي في 3 يوليو الماضي، حتى انطلقت بشكل رسمي في 8 سبتمبر الفائت مع انعقاد أول اجتماعات لتنسيقيات «تمرد» الفلسطينية في دول الشتات العربية والأجنبية وداخل قطاع غزة والضفة الغربية والقدس تحت شعار «معًا لوحدة فلسطين»، ولتعلن على مواقع التواصل الاجتماعي دعوتها الجماهير الفلسطينية إلى النزول إلى الشوارع في 11 نوفمبر المقبل، في ذكرى رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، من أجل تحقيق ثلاثة أهداف هي: إنهاء الانقسام الفلسطيني، وإسقاط حكومة حماس في غزة، وتشكيل حكومة تسيير أعمال واحدة في الضفة والقطاع. ويمكن القول بدايةً إن حملة «تمرد» غزة تعد بمثابة جرس إنذار شديد إلى حركة حماس التي ظنت أن خصوصية الوضع والواقع الفلسطينيين سوف يمنعان إلى حد كبير انتقال موجة «الربيع العربي» الثانية التي بدأت تشهد خسوف تيار الإسلام السياسي من مصر إلى بعض الدول العربية الأخرى، وهو الأمر الذي بدأت حركة حماس تحتاط له منذ سقوط جماعة الإخوان في مصر، لأن ثمة عدة مقومات راهنة ربما تقود إلى تصاعد قوة حركة تمرد التي يمكن أن تمارس دورًا فاعلا على الأرض، بغض النظر عن النتائج والتداعيات التي يصعب توقعها.


فشل حماس


اعتبر غالي، أن حركة حماس قدمت نموذجا «إسلاميا» أقرب إلى الفشل في قطاع غزة، فلئن كانت الحركة والقطاع يواجهان حصارًا مستمرًا منذ استيلاء حماس على السلطة في غزة، إلا أنها فشلت في إدارة الحكم لصالح كافة أهل القطاع الذي استطاعت التحكم في مفاصله التعليمية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، ومارست أنواعا مختلفة من الاستبداد والتسلط لم تطل التيارات «المدنية» فقط، لكنها أصابت كذلك تيارات «إسلامية» غير إخوانية.

وبالمثل فقد فشلت الحركة في إدراك حقيقة ما يجري في مصر من تطورات، فنظرًا إلى أن قياداتها يعدون من أكثر الوجوه مشاركةً في التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، فإنها اتخذت موقفًا أيديولوجيًا صرفًا من الحكم الانتقالي المصري دون مراعاة للأبعاد الواقعية والنفعية، وهو ما يؤثر على الحركة بالسلب من جانب ويجعلها في قلب دائرة أحداث «الربيع العربي» من جانب آخر.

ومنذ السيطرة الحمساوية عليه، شهد قطاع غزة للمرة الأولى في شهر يناير الماضي، خروج تجمعات جماهيرية حاشدة خلال ذكرى الاحتفال بالذكرى الـ 46 لتأسيس حركة فتح، إذ تراوحت أرقام من خرجوا للاحتفال داخل القطاع حينذاك- وفقًا لتقديرات حركة فتح- أكثر من نصف مليون على أقل تقدير، ولم يقل حجم الحشد الشعبي في تلك المناسبة عن ربع مليون غزاوي، وهو مؤشر يحمل في طياته استياء غالبية الغزاويين من حركة حماس وطريقة إدارتها للقطاع وللقضية الفلسطينية، وبالتالي فثمة احتمال بخروج هذا العدد أيضًا ضد حركة حماس في 11 نوفمبر المقبل، لأن مجرد خروج هذه الحشود في قطاع غزة للاحتفال بحركة فتح هو رسالة كبرى وصادمة إلى حركة حماس.


شباب مع الثورة


إضافة إلى ما سبق فإن التركيبة العمرية لسكان قطاع غزة، والتي تتميز بغلبة الطابع الشبابي بما يعنيه من التأثر بالأوضاع العربية والإقليمية، قد تساهم في تسهيل الحشد الجماهيري ضد حركة حماس، حيث تشير نتائج استطلاع للرأي أجراه معهد العالم العربي للبحوث والتنمية «أوراد» الذي شمل عينة من الشباب الفلسطيني ضمن الفئة العمرية 18-30 سنة، في الفترة ما بين 27 و29 يوليو الماضي، ونشرت نتائجه في سبتمبر الفائت، إلى أن 45بالمئة من شباب غزة يتوقعون حدوث ثورة ضد حكومة غزة، وذلك مقابل 35بالمئة في استطلاع مماثل أجري في شهر يناير عام 2012، بينما انخفضت توقعات شباب الضفة بحدوث ثورة ضد حكومة الضفة من 34بالمئة في استطلاع 2012 إلى 26 بالمئة في الاستطلاع الحالي.

وتظهر نتائج الاستطلاع كذلك أن تأييد شباب غزة لاندلاع ثورة في غزة قد ارتفع من 37 بالمئة في استطلاع 2012 إلى 48 بالمئة في الاستطلاع الحالي، وهو ما يشير بشكل أو بآخر إلى حجم التأييد الضمني أو الفعلي الذي قد تحظى به حملة «تمرد غزة» بين أوساط الشباب في قطاع غزة، بل ويشير كذلك إلى أن ثمة كتلة حرجة من الشباب قد تشعل التمرد ضد حماس إذا ما اتخذت قرار النزول إلى الشوارع في 11 نوفمبر القادم.


الموت البطيء


وفيما يخص الأوضاع الإنسانية والاجتماعية داخل قطاع غزة فهي تزداد سوءا، ووفقًا لتقرير أصدره المرصد الأورومتوسطي مطلع الشهر الفائت، حمل عنوان «الموت البطيء»، يعاني 57 بالمئة من سكان غزة، البالغ عددهم 1.6 مليون نسمة، من انعدام الأمن الغذائي وفق أرقام الأمم المتحدة المعلنة، وقد يرتفع هذا الرقم إلى 65بالمئة في حالة استمرار الإجراءات المصرية في سيناء وعلى الحدود مع غزة.

كما بلغت نسبة البطالة في نهاية أغسطس الماضي 35.5بالمئة وسوف ترتفع إلى 43 بالمئة مع نهاية العام الجاري، هذا علاوة على وجود أزمة كهرباء حادة داخل القطاع، وانخفاض مخزونات الدواء الأساسية إلى مستويات قياسية، والتضرر الحادث في قطاع البناء والإنشاءات، والخسائر الاقتصادية الكبيرة التي يتحملها سكان غزة بسبب سياسات حماس.


تباينات متعددة


برأي المتتبعين للشأن الفلسطيني فإن ما يزعج حماس هو أن حركة «تمرد» استطاعت أن تكشف عن كثير من قضايا الشارع الملحة، وأن مطالبها تلبي بالدرجة الأولى مطالب سكان غزة والتي تعرفها حماس من خلال التقارير الأمنية لأجهزتها، وأهمها إنهاء حالة الانقسام التي بات الشارع الفلسطيني أكثر إدراكا بأن حماس هي الطرف المعطل لها، والأوضاع المعيشية والاقتصادية السيئة التي سببت غليانا كبيرا وسخطا على سياسة حماس.

رغم أن هذه المعوقات لا تمنع من احتمال خروج كتلة جماهيرية كبيرة من الشباب الغزاوي للتعبير عن رفض حكم حركة حماس، والذي يعني أن حجم الحشد الشعبي وطريقة تعاطي حماس معه في 11 نوفمبر سيبقيان هما العاملان الظرفيان الحاكمان لطبيعة تطور الأمور منذ هذا التاريخ، وهو ما يمكن معه توقع أنه حتى لو لم تستطع تمرد الفلسطينية إسقاط حكم حماس، فإنها سوف تجبرها على اتخاذ خطوات اضطرارية لتحقيق بعض الأهداف التي سيكون أقلها موافقة الحركة على إدارة القطاع بصيغة مشتركة مع الفصائل الفلسطينية الأخرى وتخفيف شروط الحركة لتحقيق المصالحة الفلسطينية التي باتت أكثر إلحاحا مع تراجع القضية الفلسطينية كأولوية على أجندة القوى العربية الرئيسية منذ ثورات «الربيع العربي».

7