تمرير الكتب

السبت 2014/12/27

منذ ثلاث سنوات، تسبب مقتل شاب في فتنة عارمة ألهبت المدن الأنكليزية، فأحرقت خلالها المحلات بعد نهب محتوياتها، ولم تسلم سوى المكتبات، بل إن مكتبة كرويدون بإحدى ضواحي لندن لم يمسسها سوء، في شارع تعرّض كل ما فيه للحرق والتحطيم.

ورأى المحللون وقتها في ذلك دلالة على تدني الكتاب إلى بضاعة غير ذات قيمة، لا تغري الشباب بالاستيلاء عليها ولو كانت الفرصة مواتية. والحق أن عزوف الشباب عن القراءة لا يخص أنكلترا وحدها، بل هو ظاهرة عامة أوجدتها المستحدثات الإلكترونية التي صارت تزاحم الكتاب، وتستحوذ على اهتمام هواته.

وقد تشكلت لجان وجمعيات وعقدت ندوات في أماكن من العالم للنظر في سبل التصدي لظاهرة العزوف تلك. وأطرف ما توصل إليه المهتمون آلية انطلقت من مدينة فلورنسا، وتعرف بـ”ليدجيري بير دووي Leggere per due” أو القراءة لشخصين، ويتولى أنصارها وضع كتاب من الأدب العالمي في مكان ما من شوارع المدينة، وعليه العبارات التالية: “خذ هذا الكتاب، واترك مكانه كتابا آخر. ساعدنا على تمريره إلى راغب في القراءة “. وقد عمت هذه المبادرة كامل المدن الإيطالية، ووصلت إلى باريس حيث يتناوب أصدقاء الكتاب على تمرير عناوين كثيرة بوضعها مجانا أمام الناس.

والكتاب ليس وحده ضحية المخترعات والشركات العملاقة التي تقف خلفها، بل المكتبات أيضا، فقد أصاب عددا منها كساد اضطرّها إلى التفريط فيها لتحل محلها متاجر ومقاه ومطاعم، حيث أغلقت كل المكتبات أبوابها وانقلبت إلى محلات تجارية. ما حدا بالسكان إلى التواصل عبر الفيسبوك لبعث “مكتبة للجميع”، واستطاع سبعمئة عضو منهم أن يساهموا بأموالهم الخاصة في بعث مكتبة سموها “إيوتشيستو IoCiSto” أي أنا هنا. هذه المكتبة، التي فتحت أبوابها في شهر أكتوبر الماضي بتسيير متطوعين، تعرض في رفوفها كتبا جديدة وأخرى مستعملة، كما تنظم في فضائها لقاءات وندوات، وتستعدّ لبعث دار للنشر. ولسائل أن يسأل عن سبل استفادتنا من هاتين التجربتين؟

إذا كانت التجربة الثانية رهينة تفرغ ورصد أموال، فإن التجربة الأولى قد تصطدم بعقلية تنفر من القراءة والترغيب فيها، ويقينا أن أول ما يتبادر إلى ذهن من يعثر على كتب في الأماكن العامة هو تصريفها لباعة الكتب القديمة وحتى للباعة الجوالة. وقد استباحها كتاب بمصنفات أهديت إليهم، فما البال بعامة الناس.


كاتب تونسي مقيم بباريس

17