تمرين بصري على خيانة النحات لنص الشاعر

الفنان العراقي وليد رشيد قبيسي يقدم خلاصة مغامرته التشكيلية التي خاضها مع كلمات الشاعر اللبناني شربل داغر في معرضه "تمرين النظر" في بيروت.
الجمعة 2020/03/13
تشكيل بصري بلغة النحت

علاقة التشكيل بالشعر لها علامات فارقة في الثقافة العربية، لكن هذه العلاقة لم تكن دائما متوازنة، فغالبا ما ينتصر أحد الفنين على الآخر في التجارب التي خاضها فنانون تشكيليون غامروا مع نصوص الشعراء العرب.

تحت عنوان “تمرين النظر”، قدم الفنان العراقي وليد رشيد قبيسي في صالة أجيال البيروتية خلاصة مغامرته التشكيلية التي خاضها مع كلمات الشاعر والأكاديمي اللبناني شربل داغر، وقد اختار من أشعاره ما بنى عليه نصه الفني.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الشاعر داغر لبناني الجنسية، من مواليد 1950 وهو أستاذ في جامعة البلمند ويحمل شهادتي دكتوراه في الآداب العربية الحديثة وفي فلسفة الفن وله ما يزيد عن ستين كتابا باللغتين العربية والفرنسية.

إعرابا لشكل

في المعرض 23 قطعة فنية ثلاثية الأبعاد أراد منها الفنان أن تكون ترجمة مفتوحة وتأويلية لكلمات الشاعر المختارة من مجموعته الشعرية “إعرابا لشكل” غير أنها جائت في معظمها خيانة للنصوص المبني عليها وهروبا من مناخها الذي تطغى عليه التصدعات المشهدية والشعرية على السواء.

للوهلة الأولى قد يحلو لزائر المعرض ولمتصفح الكتيب المرافق للمعرض، والذي يضم أشعار شربل داغر، أن يقول في نفسه “ربما كان من الأنسب أن يختار الفنان عنوان ‘تمرين على خيانة النص’ بدلا من العنوان الذي وضعه ليصبح من ناحية مدخلا إلى إبصار النوافذ التي فتحها الفنان في نصوص الشاعر، ومن ناحية أخرى دعوة إلى التهدج في المطبات الشعرية التي لغم فيها الشاعر شربل داغر نصوصه”.

غير أن زائر المعرض، ما يلبث أن يحيد عن هذه الفكرة. فهذه ليست التجربة الأولى ولا الأخيرة التي يتلاقى فيها مبدعان من عالمين متجاورين أو متداخلين كالشعر والفن البصري، ولكنها حتما تجربة فريدة تشي بالتشنج العاطفي الذي يكاد يشبه غزلا يتسابق فيه الطرف الأول للاستحواذ على قلب الآخر والعكس صحيح.

الصلة التي تجمع بين الفنان والشاعر هي "تمرين النظر" على القراءة مزدوجة الأبعاد تحت شعار "للقلب منطق لا يفهمه العقل"

المشاهد يقف أمام العملين كوسيط خير يقارب ما بين الاثنين المتباعدين والمتحابين حتى ينسى ما هو القوّام على الآخر، الشعر أم العمل الفني. تنتهي محاولاته إلى الركون، ربما، إلى حقيقة واحدة وهي أن الصلة شبه الوحيدة التي تجمع بين الاثنين هي فعلا “تمرين النظر” على القراءة مزدوجة الأبعاد تحت شعار “للقلب منطق لا يفهمه العقل”.

أول ما يدخل الزائر إلى المعرض يرى في الأعمال، المنتشرة في الصالة بأسلوب فني متناغم، وكأنها تمائم وأحجيات تطغى عليها الألوان الترابية الغالية على قلب الفنان المولع بالنحت وقولبة الطين والتشكيل بالسيراميك والمواد الدخيلة المختلفة. أحجية يرصد بها الفنان أحواله الفكرية والشعرية التي لها صداها في شعر الشاعر، على الأقل في مخيلته وكيانه كفنان متمرس ومبدع.

غير أن الزائر لا يلبث أن يرى فيها بيوتا منفتحة على أشكال كتب مختلفة الأحجام والتصميم. يهندس الفنان بيوته شبه المسطحة كصفحات من كتاب، يسرد دواخل المنازل الورقية المقواة بتقنية نحات ماهر. منازل من المستحيل أن يعرف المتلقي من أين تبدأ وأين تنتهي، تماما كما في شعر شربل داغر.

غير أن الاختلاف بين النصين الفنيين يكمن في أن شعر الشاعر، أو على الأقل المقاطع التي بنى عليها الفنان نصه، متقطعة وأفقية إذا صح التعبير. ينتقل فيها القارئ من ومضة إلى ومضة دون العثور على مداخل إلى أحشاء الأفكار التي أخرجتها إلى علن الكلمات المنصوصة.

جدران ونوافذ

نص الشاعر شذرات. ولجها الفنان فقلبها رأسا على عقب دون أن ينتج عن هذا شلل في جماليتها وقابليتها أن تحاكي المتلقي بما يريد أن يرى فيها بعيدا أو تماشيا مع ما أراده الشاعر.

أما نص الفنان فما يكاد المتلقي يعبره، أو يتملاه بنظره حتى يستوقفه كي ينفذ إلى دواخله المفضية إلى أروقة شبيهة بـ”جدرانه” الخارجية ليحل معنى مُلح وهو أن الخارج هو الداخل والعكس صحيح.

وما يكثف من فكرة أن هذه الصفحات هي جدران لمنازل هو أن المشاهد يعثر في مشاهداته على نوافذ مفضية ومطلة على صفحات خلفية تتلامح الظلال فيها، وتبرز فيها الزوايا العتمة، كما يعثر على منزلقات تنطلق من بنيان المنازل/ الكتب الداخلية كجسور أو طرقات منسحلة إلى الخارج حيث يقبع المشاهد متفرجا.

أما ماهية ما يقدمه الفنان في منازله شبه المسطحة التي لا تنسيك ولا للحظة أنها عمل فنان/نحات، فترفض أن تظهر وكأنها آثار لمنازل درامية مهجورة، بل هي أماكن نسيت ذكرياتها ككل منفصل عنها لأنها أصبحت جزءا أساسيا من تكوينها. لم يعد هناك فرق ما بين ماهية المنازل/المدونات وما تحمله من مُشاهدات وتجارب. ربما هنا تحديدا يحصل لقاء النصين من خلال كونهما تجسيدا فلسفيا لتجارب وجدانية ومعيشية متلاحقة ومتداخلة بتواتر يُغيَّب الفاصل ما بينها. النصان الفنيان جاءا كحصيلة تجارب ذهنية عارية عن الانفعالات المؤرقة والمقلقة.

17