تمسك الجيش الجزائري بفرض رؤيته يقلص حظوظ حل الأزمة

الجيش الجزائري يحاول إقناع الحراك الشعبي بأن مطالبه جزء من مخطط لجهات لم يذكرها تتربص بالبلد.
الخميس 2019/05/09
الشارع في مواجهة الجيش

 الجزائر – أكدت المؤسسة العسكرية على ثبات موقفها من حالة الانسداد السياسي الذي تعيشه البلاد منذ نحو ثلاثة أشهر، الأمر الذي يقلص حظوظ حلحلة الأزمة القائمة في البلاد، قياسا باستقطاب المواقف بين مؤسسات السلطة الانتقالية المدعومة من طرف الجيش والحراك الشعبي المدعوم بدوره من المعارضة السياسية.

ويحاول الجيش الجزائري إقناع الحراك الشعبي بأن مطالبه جزء من مخطط لجهات لم يذكرها تتربص بالبلد.

ووجهت افتتاحية مجلة الجيش (لسان حال المؤسسة العسكرية)، انتقادات صريحة للقوى السياسية وحتى فعاليات الحراك الشعبي الرافضة، على خلفية رفضها الانخراط في دعوات الحوار التي أطلقها الرئيس المؤقت عبدالقادر بن صالح في خطابه الأخير، وذهبت لوصف هؤلاء بمن “باعوا ضمائرهم “، من أجل إطالة عمر الأزمة ورفض الحلول الممكنة.

ويبدو أن المؤسسة العسكرية في الجزائر تريد فرض رؤية سياسية معينة على الطبقة السياسية، وهو ما سيفتح البلاد على تطورات منتظرة في القريب العاجل، بسبب تمسك قيادة الجيش بالمقاربة التي تتبناها منذ الأسابيع الأولى لانطلاق الحراك الشعبي، والدخول في انتقادات لاذعة للذين يخالفونها الرأي. وجاءت كلمة افتتاحية الجيش لتعلن قطيعة بين الحراك الشعبي والمؤسسة العسكرية، بعد أسابيع من عبارات الغزل ومحاولات التماهي، حيث تريد المؤسسة التي تدير البلاد والمؤسسات في الظرف الراهن، فرض رؤيتها على الجميع لحل الأزمة، وإخضاعهم لما تراه مخرجا من المأزق، بينما يتمسك الحراك الشعبي بمطلب رحيل السلطة وتحقيق التغيير الشامل، ورفض جميع أشكال الحوار مع بقايا نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

وقالت المجلة “في وقت تعيش فيه بلادنا أزمة يريد البعض، ممن باعوا ضمائرهم وضربوا بالمصلحة العليا للوطن عرض الحائط، بل ويتآمرون عليه جهارا نهارا، أن تُراوح مكانها ويطول أمدها، برفضهم الحلول المتاحة والممكنة التي من شأنها أن تتيح لبلادنا تجاوز هذه الأزمة، وبالتالي قطع الطريق في وجه المغامرين الذين يسعون لتنفيذ مخطط على جهات عدة، يهدف في نهاية المطاف إلى الإيقاع ببلادنا في أتون الفوضى والاختلال”.

وذكّرت بكلمة قائد الأركان الجنرال أحمد قايد صالح، خلال زيارته للناحية الخامسة بورقلة عندما قال “إننا بصدد تفكيك الألغام التي يعرف الشعب الجزائري من زرعها في كامل مؤسسات الدولة، وأن هذه الأزمة التي كنا في غنى عنها، تم افتعالها بهدف زرع بذور عدم الاستقرار في الجزائر من خلال خلق بيئة مناسبة للفراغ الدستوري، فهؤلاء الذين تسببوا عن قصد في نشوب هذه الأزمة هم أنفسهم من يحاولون اليوم اختراق المسيرات ويلوحون بشعارات مشبوهة”.

وتتوجه الرسالة السياسية التي اضطلعت بها مجلة الجيش، إلى الإخفاق مجددا في تحقيق مبتغاها، كما أخفقت بعض مداخلات قائد أركان الجيش، بسبب اصطدامها مع مطالب وطموح الحراك الشعبي في تحقيق التغيير السياسي ورحيل بقايا السلطة، فضلا عن انحياز العسكر لصالح المؤسسات الانتقالية المرفوضة شعبيا، على حساب المسيرات المليونية التي تخرج للأسبوع الحادي عشر على التوالي.

واستغرب حينها نشطاء في الحراك الشعبي وقادة سياسيون في أحزاب المعارضة، التصريحات التي وردت على لسان قائد أركان الجيش، لما وصفت الحراك الشعبي بالمؤامرة المفتعلة لإثارة الفوضى في البلاد، ونسبها إلى مخطط يديره خصوم له في بعض المؤسسات، لكن دون أن يجهر بذلك، قبل أن يتضح أن قايد صالح، قد أطاح بخصومه لما زج بكل من سعيد بوتفليقة، والجنرالين محمد مدين (توفيق)، وعثمان طرطاق (بشير)، في السجن العسكري المؤقت بالبليدة.

 اصطدام مع مطالب وطموح الحراك الشعبي في تحقيق التغيير السياسي ورحيل بقايا السلطة
 اصطدام مع مطالب وطموح الحراك الشعبي في تحقيق التغيير السياسي ورحيل بقايا السلطة

وبعد المسيرة الطلابية التي شهدتها العاصمة ووهران وعنابة، الثلاثاء، رغم الرهان على تراجع قوة الحراك الشعبي بسبب شهر رمضان، دخل ناشطون ميدانيون في حملة تعبئة على شبكات التواصل الاجتماعي، من أجل تنظيم المليونية الثانية عشرة الجمعة، للتأكيد على استمرار المطالب المرفوعة، والرد على رسائل المؤسسة العسكرية عبر لسان حالها.

وشكلت مفردات افتتاحية المجلة تحولا لافتا في خطاب المؤسسة العسكرية المتذبذب، ينطوي على انحياز العسكر المكشوف لصالح المؤسسات الانتقالية على حساب الحراك الشعبي.

وبات موقف الجيش ثابتا في الآونة الأخيرة من  مسألة الحوار السياسي وموعد الانتخابات الرئاسية المقررة في الرابع من يوليو القادم، وهو ما يعني أن مسيرة الغد ستكون نقطة انتهاء حالة التناغم بين الجيش والحراك، في ظل حالة الشعور بالخذلان التي يحس بها الشارع الجزائري.

وذكرت الافتتاحية “لم يعد خافيا على أحد أن عرابي هذا المخطط الخبيث ومن ولّاهم ومن يسير في فلكهم، ظلوا يتسنحون أدنى فرصة خلال سنوات خلت للشروع في تنفيذه، باستعمال وسائل وطرق مختلفة، فبعد أن كشفهم الشعب الجزائري ولفظهم بشدة وبشكل قاطع، اتخذوا من قنوات معينة في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وسيلة لتنفيذ أجندات مشبوهة، عبر شن حملات ممنهجة ومغرضة بهدف تغليط الرأي العام وبث هرطقات وأكاذيب ومغالطات في محاولة يائسة وخبيثة لاستهداف العلاقة الوجدانية القوية بين الشعب وجيشه وضرب اللحمة والثقة الكامنة بينهما”.

وأضافت “لا غرابة أن الأبواق ذاتها التي طالبت الجيش بالتدخل في الشأن السياسي خلال عشريات سابقة، هي نفسها التي تحاول اليوم عبثا أن تدفعه لذلك في هذه المرحلة، من خلال طرق شتى، أبرزها ممارسة الضغط عبر (رسائل مفتوحة)، و(نقاشات)، و(آراء)، تنشر على صفحات بعض الصحف للذهاب لفترة انتقالية على مقاسهم يعبثون فيها مثلما شاؤوا ويمررون مشاريعهم وأجندات عرابيهم الذين يكنون الحقد والضغينة للجزائر وشعبها”.

وهو تلميح واضح لما بات يعرف بـ”بقايا جهاز الاستخبارات المنحل”، وأنصاره في الطبقة السياسية والإعلامية والمجتمع المدني، الذين كان لهم دور بارز خلال تسعينات القرن الماضي في تحريض العسكر على وقف المسار الانتخابي، ويحاولون تكرار التجربة بالزج بالمؤسسة في الشأن السياسي، وتوظيف الحراك الشعبي لتحقيق أغراضهم الضيقة.

4