تمسك بالسرية المصرفية استعدادا لمؤتمر "استثمر من أجل تونس"

الجمعة 2014/08/29
تونس في سباق مع الزمن لاستعادة ثقة السياح والمستثمرين

تونس – تنهمك تونس هذه الأيام في الاستعداد لعقد مؤتمر دولي في 8 سبتمبر، تحت عنوان “استثمر من أجل تونس″. ويتوقع محللون أن يكون المؤتمر نقطة تحول كبرى بعد تزايد التشجيع الدولي لبوادر خروج تونس من المرحلة الانتقالية وهي تستعد لإجراء الانتخابات في أكتوبر المقبل خاصة بعد تراجع نفوذ حركة النهضة الإسلامية.

جدد المجلس التأسيسي (البرلمان التونسي) رفضه إلغاء السرية المصرفية، الذي سعت إليه حكومة مهدي جمعة، مثلما حصل عام 2012 حين تراجعت حكومة حركة النهضة برئاسة علي العريض عن محاولة مماثلة تحت ضغط أعضاء المجلس التأسيسي أيضا.

مؤيدو المحافظة على السرية المصرفية يؤكدون أنها تساهم في جذب الاستثمارات، وأن إلغاءها وكشف حسابات المودعين، يمكن أن يؤديا إلى هروب الاستثمارات والودائع المصرفية.

وشهدت تونس منذ بداية عام 2011 هجرة واسعة للاستثمارات، وهي تسعى حالياً ليس فقط للحد من هذه الموجة، بل لجذب استثمارات جديدة هي بأمس الحاجة إليها، وهي تستعد لعقد مؤتمر دولي في الثامن من سبتمبر، تحت عنوان “استثمر من أجل تونس″.

ويتوقع محللون أن يكون المؤتمر نقطة تحول كبرى بعد تزايد التشجيع الدولي لبوادر خروج تونس من المرحلة الانتقالية وهي تستعد لإجراء الانتخابات في أكتوبر المقبل خاصة بعد تراجع نفوذ حركة النهضة الإسلامية.

ويأتي إصرار البرلمان على المحافظة على السرية المصرفية، في ظل اتجاه عالمي في الدول المتقدمة لكشف الأسرار المصرفية. وقد بلغ ذلك الاتجاه ذروته حين أرغم معقل السرية المصرفية في سويسرا، على كشف أسراره تحت ضغوط أميركية لتعقب مواطنيها المتهربين من الضرائب.

وكانت الحكومة التونسية تسعى من خلال إلغاء السرية المصرفية إلى تحصيل الضرائب من التونسيين المتهربين منها، لزيادة الإيرادات ودعم خزينة الدولة وخفض العجز المالي للموازنة.

حكومة مهدي جمعة حاولت جاهدة إلغاء السرية المصرفية لمكافحة التهرب الضريبي

ويخشى المعارضون الذين أفشلوا مساعي الحكومة من هروب المزيد من الاستثمارات من تونس وعزوف أصحاب رؤوس الأموال عن التعامل مع المصارف لادخار أموالهم، خوفا من انكشاف حساباتهم وبياناتهم الشخصية ومعرفة ثرواتهم الحقيقية التي تخضع للضرائب.

وتسعى الحكومة التونسية لخفض نسبة العجز المالي من نحو 6.9 بالمئة في نهاية العام الماضي إلى 5.8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية العام الحالي.

وتحذر من أن عدم إجراء أي إصلاحات مالية وضريبيه، سيؤدي إلى ارتفاع النسبة إلى 9.6 بالمئة، الأمر الذي يسبب مخاطر تهدد نمو الاقتصاد التونسي، الذي لم يتجاوز نسبة 2.6 بالمئة في العام الماضي.

وبدأت الحكومة التونسية بعد مصادقة البرلمان على الموازنة التكميلية في 7 أغسطس الجاري، تطبيق إجراءات ضريبيه جديدة، يتوقع أن توفر لخزينة الدولة نحو 207 مليون دولار للعام الحالي، إضافة إلى إجراءات صارمة تهدف لإرساء العدالة الضريبية وتوجيه الدعم إلى مستحقيه والترشيد في النفقات وتعليق التوظيف في القطاع العام.


هروب الاستثمار


وتعرضت تونس لموجة هروب شملت الاستثمارات الأجنبية والعربية وحتى التونسية منذ ثورة يناير 2011.

ويؤكد الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة أن 300 مؤسسة أجنبية غادرت البلاد وأدت إلى خسارة 40 ألف فرصة عمل. وتخلت شركة فرنسية لصناعة مكونات الطائرات مؤخرا عن إقامة مشروع في تونس، بسبب الاضطرابات والتحركات النقابية التي واجهتها الشركة.

وتوجهت شركات أخرى إلى بلدان منافسة مثل المغرب وبلدان شرق أوروبا، بسبب سوء مناخ الاستثمار الذي جعل حتى المستثمرين التونسيين مترددين في إنشاء مشاريع جديدة، فضلا عن عدم تشجيع المستثمرين الأجانب على الاستثمار.

وتشير بيانات الوكالة التونسية للنهوض بالصناعة والتجديد الحكومية، إلى تراجع الاستثمار في المناطق الداخلية من تونس بنسبة بلغت 50 بالمئة خلال النصف الأول من العام الحالي، لتصل إلى نحو 425 مليون دولار، مقارنة بنحو 850 مليون دولار في النصف الأول من عام 2013.

5.8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي نسبة العجز الذي تستهدفه الحكومة بنهاية العام الحالي لكنها تخشى ارتفاعه في ظل تعثر الإصلاحات

ولم تتجاوز الاستثمارات في منطقة سيدي بوزيد، مهد الثورة التونسية، على سبيل المثال، نحو 30 مليون دولار خلال النصف الأول من العام الحالي، مقارنة بنحو 328 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2013.

ويرى خبراء الاقتصاد أن هذه الأرقام تشير إلى أن مناخ الاستثمار في تونس لا يوفر في الوقت الحالي العوامل التي تشجع رجال الأعمال على إنشاء المشاريع لا سيما في المناطق الداخلية الفقيرة التي هي في حاجة ماسة إلى مشاريع التنمية وفرص العمل.

وتؤكد بيانات الوكالة التونسية لانعاش الاستثمارات الأجنبية أن تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى تونس تراجع في العام الماضي بأكثر من 28 بالمئة، وتركز الانخفاض في تراجع الاستثمارات في قطاع الخدمات بنسبة تصل إلى 90 بالمئة، في حين تراجعت في قطاع الصناعات التحويلية بنسبة 10 بالمئة.


أصدقاء تونس


وتظهر بيانات البنك المركزي التونسي، أن حجم الموارد المالية التي تمكنت البلاد من جمعها من المصادر الخارجية خلال النصف الأول من العام الحالي، بلغت نحو 1.42 مليار دولار.

وتمثل تلك المبالغ نحو 720 مليون دولار من صندوق النقد الدولي، و250 مليون دولار من البنك الدولي و250 مليون دولار من الجزائر، إضافة إلى 200 مليون دولار حصلت عليها من تركيا.

الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أطلق مؤتمر «استثمر من أجل تونس» ويسعى للترويج له

وتتطلع تونس إلى الحصول على مبلغ 660 مليون دولار جديدة من صندوق النقد الدولي كدفعة جديدة من القرض الائتماني الذي تعهد به الصندوق والبالغ نحو 1.7 مليار دولار، لكن الحصول عليه مرهون بتنفيذ توصياته بشأن إصلاح منظومة الدعم والتخلص التدريجي من أعباء صندوق التعويض.

وعلى الرغم من أن تونس قد رفعت مؤخرا أسعار المحروقات للتخفيف من كلفة الدعم، فإن هذا الملف يعد من أعقد الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات، خصوصا أن الصندوق بات الممول الأكبر للاقتصاد التونسي في ظل تنامي المخاطر وإحجام بقية الممولين عن منح تونس قروضا مالية جديدة.

ويشير مراقبون إلى التأثير السلبي لهجرة الليبيين بسبب الاضطرابات الأمنية، حيث لجأ نحو مليوني شخص إلى تونس منذ عام 2011، وساهم ذلك في مضاعفة فاتورة الدعم الحكومي 6 مرات منذ ذلك الحين.

ومن المتوقع أن تصل فاتورة الدعم الحكومي خلال العام الحالي إلى نحو 4 مليار دولار، تمثل نحو 20 بالمئة من ميزانية الدولة، مقارنة بنحو 600 مليون دولار فقط في عام 2010.


"استثمر في تونس"


في ظل هذه الأجواء تستعد البلاد لعقد مؤتمر في الثامن من سبتمبر المقبل في العاصمة تونس تحت عنوان “استثمر من أجل تونس″ بدلا من عنوان “مؤتمر أصدقاء تونس″، وذلك بعد مشاورات مكثفة حصلت بين الحكومتين التونسية والفرنسية.

ويهدف تغيير عنوان المؤتمر، إلى ألا يقتصر على جهود من الدول الصديقة لجمع المساعدات والهبات، بل العمل على جذب الاستثمار الأجنبي وتقوية علاقات تونس السياسية والاقتصادية مع شركائها التقليديين وخصوصا الدول الأوروبية بقيادة فرنسا، والدول العربية وخاصة دول الخليج.

ويأتي تنظيم المؤتمر بموجب مبادرة أطلقها الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند عند استقباله رئيس الحكومة التونسية مهدي جمعة خلال زيارته لباريس في يونيو الماضي. وتبرز أهمية هذا المؤتمر من خلال الاستجابة الواسعة للدعوة التي وجهت إلى قادة نحو 55 دولة في مختلف أنحاء العالم، وفي مقدمتهم قادة بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وبلدان الخليج العربي والمغرب العربي، وبلدان من شرق آسيا.

كما سيشارك في المؤتمر رؤساء المؤسسات المالية العالمية وبينها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ومؤسسات التمويل وصناديق التنمية العربية.

وتتطلع تونس إلى استجابة واسعة في المساهمة في تمويل سلسلة مشاريع استثمارية ستطرحها الحكومة التونسية في مجالات البنية التحتية والزراعة والنقل والصناعة وغيرها.

11