تململ شعبي في العراق بسبب تواصل أزمة الكهرباء

مخاوف حكومة رئيس الوزراء الحالي من احتجاجات الصيف مضاعفة قياسا بسابقتها نظرا لكونها ضعيفة وغير مدعومة حزبيا.
السبت 2019/06/15
الغضب الشعبي والرد الحكومي

البصرة (العراق) - تبخّرت وعود الحكومة العراقية بتحسين الخدمات وحلّ أزمة الكهرباء التي عادت للبروز مع أول ارتفاع لدرجات الحرارة حيث أظهرت الانقطاعات المتكرّرة للطاقة، خصوصا في مناطق جنوب البلاد، تواصل النقص في الإنتاج، وعجز المعدّات الهرمة والخطوط المهترئة عن نقل الكميات المتوفّرة منها.

ومع بروز تلك الأزمة استعاد الشارع العراقي تحفّزه للتظاهر والاحتجاج الذي أصبح من المعتاد أن ينطلق كلّ صيف بالتعبير عن الغضب من سوء الخدمات والمطالبة بتحسينها، ليتّسع مداه ويشمل سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية على وجه العموم، وصولا إلى رفع شعارات مناوئة للعملية السياسية برمّتها وللنظام القائم بالاستناد إليها وللحكومة المشرفة على إدارة شؤون البلاد.

ويقول متابعون للشأن العراقي إنّ مخاوف حكومة رئيس الوزراء الحالي عادل عبدالمهدي من احتجاجات الصيف مضاعفة قياسا بسابقتها حكومة حيدر العبادي، نظرا لكون الحكومة الحالية غير مدعومة حزبيا وهي وليدة توافقات بين فرقاء متنافرين في الأصل، إضافة إلى كونها مستهدفة بقوّة من قبل القوى الغاضبة من عدم حصولها على حصص مجزية من مناصبها الوزارية والإدارية.

ومع بروز حالة الاحتقان في شوارع مدن الجنوب، برز مجدّدا الحديث عن نهاية “المهلة” الممنوحة لعبدالمهدي من قبل بعض داعميه لإثبات كفاءة حكومته وقدرتها على تحسين الأوضاع في البلد.

وعادت أوساط عراقية تتحدّث عن إمكانية سحب التيار الصدري بقيادة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، وتيار الحكمة بزعامة عمّار الحكيم لدعمهما لحكومة عادل عبدالمهدي.

واشتغلت الحكومة العراقية طيلة الأشهر التي سبقت فصل الصيف بشكل مكثّف على ملفّ الكهرباء أملا في صيف هادئ خال من الاحتجاجات الشعبية، وقدّمت وعودا بأن لا تقلّ مدّة التزويد بالكهرباء عن عشرين ساعة في اليوم وبقدرة كافية لتشغيل مختلف الأجهزة بما في ذلك أجهزة التكييف والتبريد، لكنّ سكّان العديد من مناطق جنوب العراق فوجئوا بتكرار الانقطاعات وقصر مدّة التزويد إلى ما بين 4 و12 ساعة فقط في اليوم، فضلا عن انخفاض قوّة التيار (فارق الجهد) إلى 100 فولت فيما الأجهزة المستخدمة تتطلب 220 فولت.

وتتسبّب رداءة خدمة التزويد بالكهرباء بمعاناة كبيرة لسكان العراق الذي كثيرا ما تتجاوز فيه درجات الحرارة صيفا نصف درجة الغليان، وتؤثّر بشكل مباشر على نشاطهم الاقتصادي وأعمالهم التجارية وترفع كلفتها بفعل اللجوء إلى استخدام المولّدات لتبريد المحلات وحفظ السلع. كما تؤثّر على خدمات أخرى مثل خدمة الصحّة.

وخلال الأيام الماضية تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي أخبارا موثقة بالصور وأشرطة الفيديو عن انقطاع الكهرباء عن مستشفيات بالبصرة وتوقّف أجهزة التكييف غير المرتبطة بالمولّدات الاحتياطية.

شبكة إنتاج ونقل الكهرباء في العراق لم تشهد منذ سنة 2003 أي تطوّر يذكر ما اضطرّ حكومات بغداد للاستيراد من الخارج

وفي محافظة النجف ارتفعت شكاوى السكان مجدّدا من انقطاعات الكهرباء ورداءة نوعيتها واختلاف نسبة التزويد من منطقة لأخرى، الأمر الذي اضطر حكومة عادل عبدالمهدي للبحث عن حلول ظرفية لتهدئة الشارع، حيث أعلن النائب الأول للمحافظ هاشم الكرعاوي عن موافقة رئيس الوزراء على تزويد المحافظة بمحطات كهرباء متنقلة.

وفيما عبّر نواب عن رغبتهم في استجواب وزير الكهرباء لؤي الخطيب غير مستبعدين المطالبة بإقالته، بدأ سكان محافظة المثنّى يطلقون الدعوات للتظاهر ضدّ تردّي خدمة التزيد بالكهرباء. أمّا في محافظة البصرة التي تحوّلت إلى مركز للاحتجاجات التي بلغت السنة الماضية مدى غير مسبوق وسقط خلالها قتلى وجرحى، فقد بادر سكّان ناحية السيبة بجنوب المحافظة إلى الخروج إلى الشارع احتجاجا على تردي خدمة التزويد بالكهرباء وقاموا بوضع الحواجز على طريق الفاو وقطعها لساعات. وروّج نشطاء بالبصرة دعوة لما سمّوها “ثورة الشباب” قالوا إنّها ستنطلق في العشرين من يونيو الجاري.

كذلك شهدت محافظة ميسان بجنوب العراق خلال الأيام الماضية احتجاجات متقطّعة بسبب انقطاع التيار الكهربائي طالب فيها المحتجّون برفع عدد ساعات تزويد المحافظة بالكهرباء.

وتظلّ أزمة الكهرباء في العراق حاملة لمفارقة صادمة وعنوانا للفساد والهدر وسوء إدارة الموارد، إذ ليس من المعقول بإجماع المراقبين أن يعاني بلد بمثل هذا الثراء بالنفط من أزمة الطاقة.

ولم تشهد شبكة إنتاج ونقل الكهرباء في العراق منذ سنة 2003 أي تطوّر يذكر ما اضطرّ حكومات بغداد للاستيراد من الخارج، وتحديدا من إيران، سواء للكهرباء أو للغاز المستعمل في توليدها رغم أن العراق يهدر كميّات ضخمة من الغاز المصاحب لاستخراج النفط وذلك بحرقه بدل معالجته واستخدامه.

ولا يستثني عراقيون ربط أزمة الكهرباء المستفحلة بأسباب سياسية، تتمثّل في حرص الأحزاب الشيعية الحاكمة والشخصيات النافذة المرتبطة بإيران على إبقاء العراق في حالة تبعية لطهران في هذا المجال الحيوي والحسّاس وهو الوضع الذي لا تستطيع حكومة عادل عبدالمهدي الضعيفة تغييره، وقد واجهت الإشكالية بحدّة غير مسبوقة عندما فرضت الولايات المتحدّة عقوبات شديدة على إيران طالت قطاع النفط وطالبت مختلف الدول بما فيها العراق بتطبيقها والالتزام بها، الأمر الذي تسبّب بورطة للحكومة العراقية غير القادرة على إيجاد مصادر بديلة بشكل سريع للغاز والكهرباء الإيرانيين.

3