تميم على سرّ أبيه

الأحد 2017/06/11
ظروف متغيرة قد تتطلب وجها آخر للحكم

الدوحة - توفرت لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الظروف المثلى لكي يمارس الحكم ضمن قواعد إيجابية تنقل البلاد من حقبة التوتر، التي حشر بها والده قطر، إلى حقبة الانفتاح والتواصل مع العالم أجمع. توفرت للأمير الشاب أن يستفيد من الموقع الذي تحتله بلاده في قطاع السياسة والاقتصاد والإعلام، مغتنما فرصة التداول على السلطة التي قررها الأمير السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.

أوحى الأمر آنذاك للقطريين والخليجيين والعرب والعالم، أن المسألة ليست تبديلا للوجوه بين والد ونجله، بل إنها فاتحة لتبدل في خيارات وسياسات لطالما أثارت كثيراً من الشبهات حول الأجندات الملتبسة التي تخفيها الدولة الصغير، وحول الأدوار “الوقحة” التي تلعبها مقارنة بحجم هذه الدولة وتاريخ قيامها.

لم يكن تميم إلا ظلّ أبيه. عرفه القطريون حين انتقل من مرتبة ابن الأمير إلى وليّ عهده عام 2003. تمرّس الأمير الصغير في أصول الحكم داخل كواليس الوالد، وراح يسعى لرسم طريقه في ظلال حكم مثير للجدل منذ الانقلاب الذي حمل الوالد، الشيخ حمد بن خليفة، أميرا للدولة عام 1995.

وإذا ما ران حكم الوالد فلسفة حاقدة على الجوار وعقيدة تعتبر ضرر الآخرين قاعدة لاستقرار الحكم، فإن وليّ العهد الشاب تربّى على تلك الأصول والقواعد التي لم يستطع تجاوزها والخروج عن مسلّماتها. بيد أن وليّ العهد حين صار أميرا (25 يونيو 2013)، لم يمتلك مواهب فذة تجعله قادرا على اجتراح أسلوب حوكمة ناضج، فلم يملك التمرد على نصوص أبيه ولم يظهر أيّ رغبة في التخلص من الأمراض السلوكية التي حكمت خيارات “الأمير الوالد”.

تفاؤل وخيبات

تميم من مواليد 3 يونيو 1980، حصل على الشهادة الثانوية من مدرسة شيربورن بالمملكة المتحدة عام 1997، وتخرج في أكاديمية “ساندهيرست” العسكرية الملكية في بريطانيا، وتولى 13 منصباً قبل أن “يتنازل” له أخوه الشيخ جاسم بن حمد عن ولاية العهد في 5 أغسطس 2003.

أبرز تلك المناصب التي تولاها تميم؛ كان تكليفه كرئيس للمجلس الأعلى للتعليم، ونائب للقائد العام للقوات المسلحة القطرية، ونائب لرئيس مجلس العائلة الحاكمة، ونائب لرئيس المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار. قيل أيضا إن الدبلوماسي البريطاني ستيفن داي الذي كان سفيرا في بلدان عدة، كما كان أحد مسؤولي الاستخبارات البريطانية في اليمن الجنوبي قبل استقلاله في العام 1967، كان ممّن أشرفوا على تعليم ولي العهد وتربيته.

الأمير الشاب متزوّج لمرتين وله ستة أطفال. ففي العام 2005 تزوج من الشيخة جواهر بنت حمد بن سحيم آل ثاني، وأنجبا الشيخة المياسة، الشيخ حمد، الشيخة عائشة. وفي عام 2009 تزوج من العنود مانع الهاجري، وأنجبا الشيخة نائلة.

العشاء السري

يروح البعض إلى تشبيه مثال تميم بن حمد في قطر بمثال “بشار بن حافظ الأسد” في سوريا. حين أطل الشابان على الدوحة كما دمشق، تفاءل القطريون كما السوريون ببدء عهد جديد يطوي صفحات سوداء من تاريخ البلدين. لم ينتظر الشعبان طويلا لاكتشاف أن “هذا الشبل من ذاك الأسد”، وأن التربية السياسية لـ”وليي العهد” إذا جاز التعبير، لا تتجاوز ألف باء السياسة التي مارسها الآباء.

ويذكر دبلوماسيون عرب كيف أطلّ الشيخ تميم على الزعماء العرب محاضرا في الأصول والمبادئ والخيارات التي يجب على العالم العربي انتهاجها، تماما كما فعل بشار الأسد في أول إطلالة له على قمّة العرب بعد تبوّئه حكم سوريا بعد وفاة والده.

تميم، وأيا تكن حكايته مع الحكم، يبقى أمير البلاد الذي يمثل سياسة قطر. وحين حاول في عام 2014 التملص من تعهدات وضعها العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وطلب العودة إلى الدوحة قبل أن يقرر الأمر، واجهه الملك الراحل بالسؤال: هل أنت الأمير أم لا؟

لم يكن وصول الشيخ تميم إلى الحكم سلسا كما يتم تصوير الأمر. فقد تبوّأ الرجل “عرش” بلاده في ظروف مفاجئة أثارت استغراب المجتمع الدولي برمته.

سلّم الأمير الوالد السلطة إلى ولده. تضاربت الأنباء حول أسباب هذا القرار وحيثياته. منهم من أثار مسألة مرض الشيخ حمد، ومنهم من أثار مسألة ضغوط دولية كبرى، ومن منهم من تحدث عن صراع داخل الأسرة الحاكمة. لكن المعلومات في ما بعد كشفت أن المسألة عائلية تتعلق باجتماع ضمّ الأب والوالدة وأبنائها وبناتها.

داخل تلك القصة أحاديث ومداولات، لكن اختصارها، وهي طويلة، يتلخص في دخان أبيض خرج من اجتماع العائلة الصغيرة، حين سألت والدة تميم، الشيخة موزة بنت ناصر المسند زوجها الأمير حمد: هل تريد لابنك أن يحكم؟

كان جوابه: نعم.

لكن لماذا العجلة في السؤال وما الذي كان يقلق الشيخة الوالدة. كانت وجهة النظر التي أثيرت أن انتقال الحكم إلى وليّ العهد، تميم، لن يكون ممكنا إلّا إذا تنازل الشيخ حمد عن موقع الأمير وهو لا يزال حيّا. والحجة في ذلك أن مسألة حلول تميم مكانه ستكون صعبة في حال غيابه لسبب أو لآخر، خصوصا أنّه يعيش بكلية واحدة مزروعة.

انعقد ذلك “العشاء السري” في عام 2013. ومن بين الأحاديث التي دارت في ذلك اللقاء، أن الشيخ حمد بن جاسم، رئيس الوزراء ووزير الخارجية آنذاك، لن يكون خصما سهلا يمكن التغلب عليه في حال غياب الشيخ حمد بن خليفة. فالرجل معروف بطموحاته ويمتلك ثروة كبيرة ويسيطر على السياسة والاقتصاد في البلد، بما يمكّنه من تحقيق أحلامه العليا.

تكشف المعلومات أن حمد اقتنع بالتنازل عن الحكم وتسليم موقع الأمير إلى تميم. ساهم في تطوير قناعات حمد الحظوة التي تملكها موزة لديه وتذكيرها لزوجها بسلسلة الانقلابات التي جرت داخل أسرة آل ثاني، بما في ذلك انقلاب والد حمد على ابن عمه، وانقلابه هو شخصيا على والده في العام 1995 بمشاركة حمد بن جاسم.

وتقول المعلومات إن أحد الأبناء الذين حضروا ذلك الاجتماع الشهير ذكّر والده بأن حمد بن جاسم يصر على أن يُسمّى حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني من منطلق أن جدّه جبر كان شخصية مهمّة مؤهلة لأن تكون في موقع الأمير، أي أنّ الفرع الذي ينتمي إليه في العائلة يحقّ له أن يصبح أحد أفراده أميرا وليس فرعا هامشيا كما يدّعي كثيرون في قطر وفي دول الخليج.

انتهى الاجتماع إلى قرار بتنازل حمد وتسليم الحكم إلى تميم. أرضى حمد زوجته موزة، وعمل حمد على استرضاء حمد بن جاسم، وذلك بأن حوّل له من احتياط الدولة القطرية مبلغ مئة مليار ريال، أي ما يساوي ثلاثين مليار دولار كتعويض “نهاية خدمة”. واشترط عليه في مقابل ذلك عدم التدخل في شؤون الدولة والبقاء دوما إلى جانبه وترك تميم يحكم كما يحلو له.

التربية السياسية لـ"وليي العهد" لا تتجاوز ألف باء السياسة التي مارسها الآباء

أكثر من مرشد

أطل تميم على الحكم ليكتشف بعد فترة أن كلّ الملفات الخارجية والمالية وكل ملفات الاستثمارات في يد شخص واحد هو حمد بن جاسم، وأن كلّ المفاتيح الأساسية في الدولة، بما في ذلك وزير المال في يد “أبو جبر”.

أنهى حمد بن خليفة خدمات حمد بن جاسم، لكن هذا الأخير لم ينه تلك الخدمات، وعاد متبرعا بدور “المرشد” لتميم والمجموعة المحيطة به، وقيل إن هذا الأمر تم بموافقة الأمير الوالد.

كان صعبا استنتاج حدود تدخل الشيخ حمد في حكم ولده الشيخ تميم، وكان من الصعب تصديق حكاية تخلّي الأمير الوالد نهائيا عن حكم صنع “مجده”. لكن حدثا بعينه كشف حدود المحرّمات التي من غير المسموح للأمير الجديد العبث بها. فعندما حاول الأمير الجديد المسّ بموازنة قناة “الجزيرة” بحجة أنها ضخمة جدا، وصرف مئات الموظّفين، أفهمه والده أن هذا ممنوع.

نفذت إرادة حمد، وكفت يد تميم عن تقليص عدد موظفي قناة الجزيرة كما كان يخطّط. ومع ازدياد العبء المالي على الدولة بفعل العمل على إنشاء ملاعب لبطولة العالم في كرة القدم لسنة 2022، صار على تميم الاستعانة بأشخاص محسوبين على حمد بن جاسم بغية إيجاد الأموال اللازمة لتمويل الدولة القطرية ومؤسساتها وسياستها الخارجية التي قيل إن تميم كان يريد تغيير طبيعتها وجعلها أقل عدوانية.

شبحان يحكمان

تشارك الحمدان، بن خليفة وبن جاسم، في الانقلاب على خليفة بن حمد، جد تميم، عام 1995. وكان الجد قد وصل أيضا إلى الحكم بالانقلاب على ابن عمه في 22 فبراير 1972.

وما يزال الحمدان متواطئين بشكل أو بآخر للسطو على حكم تميم. يرأس الأمير ورئيس وزرائه السابق حاليا مجلسا أعلى يدير السياسة الخارجية والإعلامية لقطر. ويتمتع الرجلان خارج قطر بحصانة دبلوماسية بصفتهما مدرجين على لائحة ديبلوماسيي السفارة القطرية في لندن.

تتحدث التقارير عن أن “مجلس الحمدين” هذا يعارض أي تقارب مع السعودية ويرفض أن تكون قطر تحت جناحها، كما يكنّ عداء شديدا للقيادة الإماراتية، لأن قيادات الإمارات تعتبر من أصحاب العقول المنفتحة التي ترفض الدخول في مؤامرات على السعودية، كما أنّهم ليسوا ضعفاء أمام الإغراءات. إضافة إلى ذلك، من بين الأسباب التي تجعل حمد بن خليفة وحمد بن جاسم يكرهان قيادة الإمارات هو اعتراضها مرارا على ما تبثه “الجزيرة”، خصوصا عندما كانت تبث أشرطة لأسامة بن لادن وتتفاخر بأنّها سبق صحافي.

لم يكن تميم إلا ظلّ أبيه

وتقول مصادر قطرية مطلعة إنه بين عامي 2013 و2017 تسلّل حمد بن جاسم إلى مواقع كثيرة كان فقدها، واستعاد نفوذه القويّ داخل السلطة، وعبرت المقابلتان اللتان أجراهما مؤخرا مع الـ”فايننشال تايمز″ والـ”بي بي سي” عن رغبته في القول للعالم “أنا لا زلت موجودا وفاعلا”. تضيف هذه المصادر أن حمد بن جاسم تسلل من نافذة إخفاق تميم في ملفات عديدة بسبب عدم توفر الكوادر المؤهلة حوله، وعدم سيطرته على الأموال التي تسمح له بممارسة السلطة في قطر بشكل حقيقي.

لكن أيّا تكن حكاية تميم مع الحكم فهو أمير البلاد الذي يمثل سياسة قطر. وحين حاول في عام 2014 التملّص من تعهدات وضعها العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وطلب العودة إلى الدوحة قبل أن يقرر الأمر، واجهه الملك الراحل بالسؤال: هل أنت الأمير أم لا؟

أيا تكن مبررات تميم فإنه واصل السير على خطى والده في إيذاء جيرانه الخليجيين قبل بقية الجيران العرب. استمر تميم في دعم وتمويل جماعة الإخوان المسلمين رغم وضعها على لوائح الإرهاب الخليجية، واستمر في توفير منبر إعلامي لهم عبر قناة الجزيرة ومأوى لقياداتهم في ربوع بلاده، واستمر في تبني خطابهم العدائي ضد مصر.

واصل تميم العبث، على منوال العبث الذي مارسه والده. نشطت قطر في عهده في زرع ألغام الخراب والفرقة والفتنة داخل كل الميادين الملتهبة في سوريا واليمن وليبيا. أطلت الفتنة القطرية على التحولات في المغرب وتونس، ولم يبق للإسلام السياسي من متنفس يؤمن لها خططها الإرهابية إلا تحت الرعاية القطرية. وحين توحد الخليجيون وراء موقف واحد ضد إيران، أبقت قطر تواصلها مع طهران، عبر القنوات الخلفية تارة وعبر الجهر بتلك العلاقة تارة أخرى. وحين توحد العالم أجمع في الرياض وراء موقف واحد متشدد ضد إيران، أرسل تميم وزير خارجيته إلى العراق متبرّئا، ورد على غضب أشقائه الخليجيين بالاتصال بالرئيس الإيراني حسن روحاني.

تميم على سرّ أبيه. وإذا ما رفض الخليجيون سياسات الأب فإنهم لن يقبلوا بنفس تلك السياسات التي يمارسها الابن. وإذا ما تعوّد الحكم في قطر على تغيير الوجوه كلما تطلبت الظروف ذلك، فربما كان تغير الظروف التي أفضت إلى مأزق قطر الراهن يتطلب للحكم وجها آخر.

8