تمييع الثقافة

الخميس 2013/11/07

يتوجّه البعض إلى المثقّفين باللوم والتقريع على دورهم المحدود في الثورة، ويحاولون تحميلهم الكثير من المسؤولية إزاء ما جرى ويجري. وتكون المحاسبة والمساءلة بنوع من الاستجواب لتقديم كشف حساب واقعيّ لمعاينة مدى انخراط المثقّف في قضيّة شعبه أو مواكبته لها أو تهرّبه من الاستحقاق. كما لا يعدم من قبل آخرين تضخيم دوره وتوصيفه بصفات ليست فيه، ومطالبته بالقيام ببطولات وخوارق يعجز عنها.

حين إمعان النظر في شؤون المثقّفين يمكن الوقوف على أحوالهم وإدراك الدور المحدود الذي يمكنهم تأديته في ظلّ الظروف الراهنة والسابقة، وهذا الدور على محدوديّته يظلّ النور الذي يستضاء به، ولا يقلّ تأثير الكلمة عن تأثير الرصاصة إن لم يكن أكثر، ففي مرحلة الطغيان والاستبداد حافظ بعض المثقّفين على الثقافة كقيمة عظمى، ودفعوا ضريبة مواقفهم السجن والعذاب والتضييق والتقييد، ولم يقبلوا التنازل عن مبادئهم تحت وطأة الحصار والطغيان، وقد حاول المستبدّ رسم صورة المرتزق للمثقّف وإظهاره بمظهر المستجدي على أبوابه طمعاً في بعض الفتات، وذلك لتشويه القيمة التي يمثّلها، وبالتالي تمييعها انطلاقاً من تقزيم المجسّد الواقعيّ لها.

يجهد المستبدّ في تصدير صورة المثقّف على أنّها الصورة التابعة لصورته، والكلمة المؤيّدة لكلمته، والصوت الذي يتشدّق بالزعيق والصياح ليهتف بحياته أو يحامي عن موبقاته، وذلك مقابل منحه بعض الرضى أو مكتسبات صغيرة، بحيث يفعّل الجانب الانتهازيّ على حساب القضيّة والمبدأ والموقف والرهان الأكبر المتمثّل في المحاماة عن الإنسان ضدّ ما يتعرّض له من استلاب وإجرام وقهر. وقد قبل قسم ممّن يصنّفون أنفسهم في خانة المثقّفين الرضوخ للطاعة وتمّ ترويضهم بحيث تواطؤوا على معادلة الصراخ في الكتابة والتهافت لجني ثمار الكتابة في واقع التدليس والمداهنة.

تمييع الثقافة كقيمة وتسطيحها، وتبسيط أدوار المثقّفين وسلبهم الثقة التي يفترض أن يحوزوا عليها بالتراكم والتقادم، أنتج حالة مشوّهة من الثقافة في ظلّ عقود الاستبداد، وتمّ ترويجها على أنّها الحالة العامّة، بحيث يظهر المثقّف عبثيّاً بعيداً عن قضايا أهله وناسه، منكبّاً على ترجمة غرائزه وتلبيتها وإشباعها بموجب اتّفاقية غضّ النظر الذي من شأنه إبقاؤه قيد التردّد والجبن والخوف والخذلان، وكأيّ مواطن آخر «مداناً وتحت الطلب».

الثقافة في ظلّ القهر تتحدّى قيود الجلّاد وتلعن إيغاله في إيذاء الناس، ولا ترضخ لأيّ معادلة استسلاميّة، كما لا ترضى بتسليم أدواتها التي يكون الانتصار للقيم في صدارتها، مع موجبات التحدّي من وعي ومسؤوليّة ومكابرة على الجراح، لأنّه موكول من حيث يدري ولا يدري بالمحافظة على القيم الجماليّة التي يجاهد المستبدّ على تتفيهها وتسفيهها وإبرازها كإكسسوارات لا غير.

سلاح المثقّف النور والتنوير، الكلمة التي كانت شرارة البدء تظلّ مدماك الواقع وجسر الأمان إلى الغد. ولا يقتصر دور المثقّف على التوعية والتهيئة للتغيير بقدر ما يتعلّق الأمر بضرورة التزامه بميثاق شرف ذاتيّ وهو الانتصار للإنسان ومجابهة الإجرام وتحدّيه، كي لا تقع في مستنقع التسطيح وفخّ التبسيط والتمييع الذي يُدفع إليه من قبل المستبدّ، وكي لا يجد نفسه معزولاً يكتب للفراغ، وينثر الهباء وسط بحيرات الدم وهو يتغزّل بزقزقة العصافير في غيطان يلوّث الكيميائيّ هواءها وسماءها وماءها، ويودي بأطفالها وبنيها اللذين يرسمون خريطة عار المستبدّ ويلعنون صمت العالم وخذلانه.

14