تناسخ الإخوان في السودان

الخميس 2013/12/12

المراقب للشأن السوداني في الفترة الأخيرة يحس بتناقض شديد بين التصريحات التي تصدر عن المسؤولين الحكوميين الذين يتحدثون عن سودان لا يجد الزائر أثرا له على الأرض، وهو نوع من بيع الأمل الكاذب للشعب السوداني الذي وصل إلى درجات متدنية في مستوى الفقر، وباتت البطالة تزداد يوما بعد يوم.

فالحكومة التي تتحدث أجهزتها الإعلامية عن مشاريع طموحة، مرّت بعدد كبير من الأزمات التي لازمتها خلال عمرها الطويل الممتد منذ يوليو 1989، والتي رأت فيها السياسة السودانية كل أنواع العجب، فأزمة الخليج التي رجّح الكثيرون أن يكون سقوط الحكومة أحد تداعياتها، لم تفلح في ذلك، وفشلت أكثر من محاولة انقلابية عوّل البعض عليها لإسقاط النظام، إضافة لحركة تحرير السودان «الدارفورية» التي دخلت حتى وسط العاصمة، واحتلت جسرا حيويا يربط العاصمة ببعضها (كوبري أم درمان)، وقبلها تداعيات الأوضاع في الأيام الدامسة التي أعقبت رحيل القائد الجنوبي (جون قرنق)، والتي سجّلت مجازر كبيرة، كان الغبن منها أحد أسباب اختيار الجنوبيين للانفصال، وغيرها من الملمات الكثيرة التي ألمت بهذه الحكومة، وخرجت منها جميعا خروج الشعرة من العجين كما يقول المثل.

المهارة الفائقة في تفادي السقوط، لم تقابلها مهارة مماثلة في إدارة البلاد، فالحالة الاقتصادية وصلت أسوأ مستوياتها منذ استقلال البلاد عام 1956، والفساد الاداري بلغ مبلغا غير مسبوق لا على مستوى السودان وحدها، ولكن على مستوى القارة الأفريقية بأجمعها، وانتشرت الحروب في كل ناحية من نواحي القطر الذي لم يتبق منه الكثير بعدما فقد جنوبه الذي تحول إلى دولة مستقلة، وبدأ البترول الذي كان يتباهى باستخراجه في الاضمحلال، وعادت إلى الحياة العديد من الصفوف التي كان النظام الحالي يتباهى دائما بأن القضاء عليها كان أعظم إنجازاته، ولو عاد المراقبون إلى أول خطاب ألقاه العميد البشير وقتها حينما قام بالانقلاب، لخال له أنه أصلح ما يكون للفترة الآنية التي اختلط فيها الحابل بالنابل، وفقدت الحكومة الكثير من مساحات التأييد الداخلية، وكادت أن تسقط في غير ما مرة بفضل فشلها الذريع في إدارة البلاد.

في السنوات الأخيرة، وبعدما بلغ اليأس مبلغه في نفوس المواطنين، وبعدما علت الأصوات التي تنتقد الفساد وتنادي بالتغيير، خاصة بعدما سقطت حكومة مرسي التي كانت تشكّل سندا قويا للحكومة المشابهة في السودان، بدأت الحكومة تتخذ حيلا جديدة للبقاء في حكم البلاد، على الأقل ربع قرن آخر إن لم يكن أكثر، فبدأت تكرار لعبتها التي جرّبتها قبلا ونجحت فيها بامتياز، ففي أيامها الأولى، ظهرت حكومة (الإنقاذ) بانقلاب عسكري على نظام ديمقراطي لم يتبق لحكومته سوى القليل من الوقت لإقامة انتخابات جديدة، ووقتها كان عرّابه ومخططه الأول حسن الترابي في السجن، ولم يعلن النظام وجهه المتأسلم ولا صلته بالترابي، وهو ما مكّنه من خديعة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، الذي كان يعيش خلافات دائمة مع الحكومة الديمقراطية التي تربّع عليها الحزبان الطائفيان، (الأمة والاتحادي)، بقيادة ذات القيادتين الطائفيتين القديمتين المتَوارَثَتَيْن، (الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني)، وهو ما جعل مبارك يرحب مباشرة بالانقلاب، ويبذل جهودا كبيرة لتغطيته بالاعتراف الدولي، قبل أن يخرج الترابي من السجن بعد حين، وتتضح حقيقة موقعه من الانقلاب والحكومة معا. ولسوء حظه اندلعت حرب الخليج في وقت لم يخف فيه الترابي نواياه التوسعية، وقام بتجميع مختلف الرؤوس الإخوانية كعباسي مدني والغنوشي وأسامة بن لادن وغيرهم من زعماء التشدد، ما جعل البلاد قاعدة تحمل منصات إطلاق لمعظم الحركات المتشددة في العالم وعلى رأٍسها القاعدة، وبفضل موقفه المعلن في حرب الخليج، تم تصنيف السودان ضمن الدول الخمس التي شهدت مقاطعة عربية غير معلنة ومقاطعات دولية واضحة، ما زاد الطين بلة.

الاختلاف مع حسن الترابي جاء في فترة لاحقة بعد ذلك، وهو ما ساهم في إعادة ضخ الدماء في عروق العلاقات العربية السودانية، رغم أن بعض المراقبين لازالوا يتشككون في حقيقة الخلاف بين الطرفين، فحتى هذه اللحظات لم تختلف الأيديولوجية ولا اللسان، ولم يختلف شيء بين المؤتمرين الوطني والشعبي، والحزب الأخير (المؤتمر الشعبي) هو الحزب الذي سمحت الحكومة المختلفة وقتها مع الترابي بتسجيله، في وقت لم يكن من السهل على مخالف لتلك الحكومة أن يعيش بالبلاد، ناهيك عن أن يقوم بتسجيل رسمي لحزب سياسي معارض.

ذات التاريخ أعاد نفسه في الفترة الأخيرة، حينما ثارت الجماهير في أكثر من مكان على رفع الدعم عن المحروقات، والذي تعاملت فيه الحكومة بعنف شديد، وقامت باستخدام ما وصفته معظم وكالات الأنباء بالقوة المفرطة، والتي سبقها انقلاب عسكري قام به رئيس المخابرات السابق، وأبرز قادة الجيش المنتمين للحزب الحاكم، حيث تم وضع رئيس المخابرات السابق في السجن لفترة، ومن ثم بعد ذلك تم إطلاق سراحه، وإطلاق شائعات مشاركته مرة أخرى في الحياة السياسية، ما عدّه المراقبون تلميعا للرجل، خاصة وأنها المرة الأولى التي يبقى فيها قائد انقلاب فاشل على قيد الحياة منذ أن تولت الإنقاذ الحكم، بل ويخرج في مساحة مباشرة لأكثر من ساعة في إحدى قنواتها التلفزيونية شبه الرسمية.

وبعدما بلغت الأزمة الاقتصادية ذروتها، وأصبح صوت الشعب يتعالى بنقده الصريح للفساد، والعجز عن إيجاد حلول للخروج من الأزمة، واستغلالا للعنف اللامسبوق الذي واجهت به الحكومة المتظاهرين، قدّم الرجل الإسلامي البارز في الحزب الحاكم، غازي صلاح الدين، مساعد رئيس الجمهورية، والذي أمسك طويلا مع أمين حسن عمر ملفات دارفور وسلامها، قدّم مع مجموعة من متنفذي الحزب الحاكم مذكرة احتجاج على تعامل الحكومة مع المحتجين، وهي مذكرة وجدت صدى إعلاميا كبيرا انتهى بفصله من الحزب، وتكوينه حزبا جديدا حمل مسمى «الاصلاح والتجديد»، وطرح نفسه بديلا بجانب البديل السابق المتمثل في مدير الاستخبارات السابق ومجموعته، كما أُشيع أيضا احتمال وقوع انقلاب عسكري تصحيحي من الإسلاميين الساخطين على بعضهم.

التحركات المحمومة في السياسة الحكومية في البلاد، والتي انتهت الأسبوع الماضي بإعفاء الكثير من الوزراء تمهيدا لاستبدالهم بحكومة جديدة، لم يتم تكليف أحد بتشكيلها، فحكومات الانقاذ، التي تم ترميمها بين الحين والآخر، دائما يعلن الرئيس عن تشكيلها، وبالتأكيد يتم ذلك عبر أروقة حزبية وقنوات هرمية كما هو معهود في معظم الأنظمة مشابهة الانتماء، هدفت لاستنساخ الحزب في مجموعة من الخيارات البديلة، حتى إذا ما أفلحت جهود المعارضة، أو احتجاجات الجمهور في إسقاط الحكومة، فإن الخيار سيكون حكومة بأسماء جديدة، وفكر واحد متّصل. فكل الخيارات البديلة التي تمت محاصرة مستقبل البلاد بها لم تخرج عن عباءة الاتجاه الواحد، ما جعل الأمر أشبه بساقية جحا التي تأخذ الماء من البحر لتعيده إليه، فهل سينجح المخطط حال صحته؟

صحفي سوداني

8