تناسوا حقوق أهلهم وحرضوا على الهاشمي والعلواني والدايني

الخميس 2014/09/11

نتفهم أن تعمد القيادات والأحزاب والمرجعيات الشيعية إلى مناهضة نائب رئيس الجمهورية المستقيل طارق الهاشمي، والنائب الأسير أحمد العلواني، والنائب المطارد محمد الدايني، والاستمرار في ملاحقتهم تنفيذا لأوامر صدرت من قم وطهران، ونفذت في بغداد وهي لم تعد سرا، إنما المعيب والغريب أن يستمر زملاء الثلاثة ورفاقهم بالأمس وخصوصا أسامة النجيفي وصالح المطلك في التحريض عليهم وتأييد الأحكام الظالمة التي أصدرتها محاكم نوري المالكي ضدهم، خصوصا وأن الجميع يدرك، تماما، أن المواقف السياسية لهؤلاء ضد رئيس الحكومة السابق وتصديهم لسياساته الطائفية وإجراءاته القمعية وفضحهم للمشاريع والتدخلات الإيرانية كانت العناوين الأبرز في ملف محاكماتهم والانتقام منهم.

ونعرف مسّبقا أن النجيفي وهو يساوم على موقع نائب رئيس الجمهورية (التشريفاتي) والمطلك وهو يتوسل للبقاء في منصبه المهلهل بلا سلطات ولا صلاحيات، لا همّ لهما غير مصالحهما الشخصية والعائلية، إلا أنهما من فرط أنانيتهما لم يُحسنا ترصين مركزيهما على الأقل في التفاوض مع التحالف الوطني (الشيعي) بشأن المشاركة في حكومة العبادي الجديدة، للحصول على مواقع أكثر وأفضل مما حصلا عليه، خاصة إذا تمسكا لبعض الوقت بورقة (الحقوق) التي أعدت لهما، رغم أنها لا تمثل غير الحد الأدنى من الحقوق المغتصبة والمطالب المشروعة لجمهوريهما اللذين يهرعون للتوسل بهما في موسم الانتخابات، ويديران ظهريهما لهما عقب فوزهما.

ولاحظوا كيف رفض إبراهيم الجعفري منصب نائب رئيس الجمهورية وقبل بتولي وزارة الخارجية، واعتذر عن المنصب ذاته عادل عبد المهدي ووافق على إشغال وزارة النفط، وكيف تنازل باقر صولاغ عن منصب نائب رئيس الوزراء لزميله الصدري بهاء الأعرجي وتسلم وزارة النقل؟

فهؤلاء يعرفون أن منصبي نائبي رئيسي الجمهورية والوزراء (صوريان) لا يحلان ولا يربطان- على حد وصف صولاغ- ويتردد أيضا أن أحمد الجلبي اعتذر عن تولي نيابة العبادي وطالب بوزارة الداخلية التي ربما يحصل عليها لاحقا، بينما نجد النجيفي والمطلك تهافتا على منصبيهما بطريقة مهينة.

وعلى الصعيد الكردي فقد نجح وفد التحالف الكردستاني في إجبار التحالف الشيعي ومرشحه العبادي على الإقرار بمطالب الأكراد والرضوخ لهم، حتى وصل الأمر برئيس الحكومة الجديد إلى الإشادة المبالغ فيها وكيْل المديح والتبجيل لقوات البيشمركة بطريقة استرضائية، ومع هذا استنكف الوزراء الأكراد من حضور مراسيم تعيينهم وجرى التصويت عليهم وهم غائبون، مما أكسبهم زخما أضاف إلى رصيدهم السياسي قوة ليس باستطاعة العبادي إلا الخضوع لها والاستجابة لمفرداتها كاملة، وقد أثبت الأكراد، سواء باستغلال ضعف المركز في بغداد، أو بالإصرار على سقف مطالبهم العالي، أن يضعوا التحالف الشيعي والعبادي في زاوية خانقة، الأمر الذي أجبر رئيس الحكومة المكلف على التعهد لرئيس الوفد الكردي المفاوض هوشيار زيباري بأنه مستعد لتنفيذ كل ما يطلبه عند مباشرته لمهامه رسميا.

وينقل عن أعضاء في الوفد الكردي المفاوض أن زيباري عمد في ثاني جلسة تفاوض مع العبادي، بعد أن لمس من الأخير بعض التردد في تلبية المطالبات الكردية المقدمة إليه، إلى الاختلاء به في فترة الاستراحة مضيفا مطلبا جديدا إلى المطالب الكردية بدا وكأنه خارج السياق، تمثل في رفض التحالف الكردستاني تولي نوري المالكي لأي منصب سيادي- أي نائب رئيس الجمهورية- الأمر الذي أفزعَ العبادي الذي كان ينتظر لحظة مغادرة رئيس الحكومة السابق لموقعه على أحر من الجمر.

ويقال أن العبادي اتصل بالجعفري هاتفيا يستنجد به لمواجهة هذه الورطة الجديدة، مما جعل الأخير يسرع إلى نجدته ويناشد زيباري تجاوز هذه المسألة ويهمس في أذنه (ما صدقنا نخلص منه) إشارة إلى المالكي.

وكان واضحا أن زيباري وهو يطرح هذه المسألة الجانبية كان يعرف تماما أنها حساسة قصد من وراء إثارتها، إشغال العبادي وممارسة ضغوط نفسية وسياسية عليه، والمحصلة أن رئيس الحكومة الجديد التزم بتنفيذ جميع المطالب الكردية في غضون 90 يوما من مباشرته مهامه.

أما اللجنة السنية التفاوضية الأولى التي رأسها سليم الجبوري، فإن الجانب الشيعي ومن الاجتماع الأول اكتشف أن أعضاءها (خردة) جاء كل واحد منهم وفي ذهنه أن يكون وزيرا، ووافق الجبوري مضطرا على القبول بتشكيل وفد جديد للتفاوض مع التحالف الوطني ضمه مع أسامة النجيفي وصالح المطلك وجمال الكربولي بدعوى معالجة الخلل في تشكيلة الوفد التفاوضي السني.

وهنا وظف النجيفي والمطلك إعلان اسميهما في الوفد ولعبا لعبتهما المفضلة، حيث اجتمعا مع العبادي والجعفري بمعزل عن الكربولي والجبوري وحسما المناصب والمغانم لصالحهما، ورميا بورقة (الحقوق) في سلة المهملات، بعد أن ضمنا موقعي نائبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، ولأتباعهما بقية الوزارات المخصصة لـ“المكون السني” كما يسمونه!

وينقل عن نواب في اتحاد القوى الوطنية، وهو الإطار النيابي الذي جمع النواب السنة العرب، أنهم طلبوا من وفدهم المفاوض تقليد الوفد الكردي في تلويحاته باستبعاد المالكي من نيابة رئاسة الجمهورية بطريقة مغايرة تتمثل في القبول به وعدم الاعتراض عليه في منصبه الجديد، شرط ترشيح طارق الهاشمي بموازاته، وهو ما يحرج الجانب الشيعي والمالكي معا، ويضطرهما إلى الموافقة على ورقة (الحقوق) كما حصل للورقة الكردية، غير أن الذي حصل أن النجيفي والمطلك رغم أنهما أوحيا لعدد من النواب بوجاهة هذا الطرح وضرورة إثارته، إلا أنهما خلال اجتماعهما مع العبادي والجعفري استخدماه لتخويف الاثنين، وألحا عليهما حسم منصبي نائبي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة (السنيين) بسرعة، قبل أن يتطور ترشيح الهاشمي ويصبح قضية خلافية تأخذ أبعادا مؤذية للطرفين.

في هذا الإطار أيضا طلب عدد من النواب السنة إثارة موضوع النائب الأسير أحمد العلواني المعتقل منذ قرابة تسعة شهور خلافا للقانون، خلال التفاوض مع الجانب الشيعي خصوصا وأن براءته من التهم التي ألصقها المالكي به ظهرت في ثلاث جلسات محاكمة وما زال محبوسا في مقر لواء بغداد بالمنطقة الخضراء، وكان أول المعترضين على إضافة هذه النقطة إلى ورقة (الحقوق) هو صالح المطلك الذي ينسب إليه أنه قال إدعاءً وليس صدقا (خلونا بالقضايا الكبيرة) والمحصلة أنه وصاحبه النجيفي لم يبحثا القضايا الكبيرة ولا الصغيرة، وإنما اهتما بنفسيهما ومنصبيهما، وربما طلب الاثنان من العبادي استمرار حبس العلواني!

والأمر نفسه ينطبق على النائب الملاحق، ظلما وعدوانا، محمد الدايني الذي برأته ثلاث لجان تحقيق برلمانية أوروبية ودولية وعراقية، من التهم التي نسبها إليه نوري المالكي الذي لم يكتف بكيل التهم الباطلة إليه وإنما منع مجلس القضاء الأعلى من إصدار قرار براءته، فقد رفض أقطاب الوفد السني إدراج قضية الدايني في المفاوضات مع الجانب الشيعي، والحجة أنها قضية فردية، بينما نلاحظ في المقابل كيف حصل التيار الصدري على تعهد مكتوب من العبادي بإطلاق سراح مئات المعتقلين والمحكومين المحسوبين عليه.

وشخصيا كنت أُشفق على مساع لبعض الإخوان والأصدقاء الذين تحمسوا وساهموا في إغناء ورقة الحقوق (السنية) وحرصوا على تضمينها قضايا عادلة مثل إطلاق سراح المعتقلات والمعتقلين، والتوازن الوطني، ووقف الحرب على المناطق والمحافظات السنية، وإعادة المهجرين والنازحين إلى بيوتهم ومدنهم، وكنت أقول لهم؛ ليس المهم طرح هذه الموضوعات في ورقة من السهل أن يجامل الطرف الآخر بشأنها ويلمح بقبولها، إنما المهم أن يقتنع المفاوضون السـنة بمشروعيتها ويصرّون على بحثها ومناقشتها بلا خوف. والنتيجة كما تبين لاحقا، أن العبادي تفاهم مع النجيفي والمطلك على تأجيل بحث هذه القضايا إلى ما بعد تشكيل الحكومة، وهذا يعني في المفهوم العراقي (موت يا.. إلى أن يجيء الربيع) والربيع كما هو واضح في مثل هذه الحالة لن يأتي أبداً.

وفي الحسابات السياسية، لا بد من الاعتراف بأن “حلف” أسامة النجيفي وصالح المطلك نجح في هزيمة “تحالف” سليم الجبوري، هذا التحالف الذي خيل لأعضائه أن ورقة الحقوق التي بذلوا جهدا ووقتا كبيرين في صياغتها، سترغم النجيفي والمطلك على الالتزام بها كأساس في المفاوضات مع التحالف الشيعي، دون أن ينتبه الجبوري إلى أن (الحُمّى) في أكثر الأحيان تأتي من الرّجْلين (مثنى رجل ورجل) بكسر الجيم في الثانية وتعني الساق، ولم تعد (الحركة التصحيحية) التي شهدها اتحاد القوى في الأيام الأخيرة مجدية، لأنها انطلقت كرد فعل ركزت على أحد أعضاء الحلف (سلمان الجميلي) وتجنبت المساس بقطبيه الفاعلين النجيفي والمطلك، إضافة إلى أنها جاءت متأخرة وبعد فوات الأوان، ويتحمل فشلها بلا شك، الجبوري، المتردد دائما، وكانت النتيجة أن الجميلي انتزع وزارة التخطيط بالمسكنة والشغل الدفن، مما شكل صدمة لسليم الجبوري.

وللتذكير فإن عددا من النواب الموصوفين بـ(ســنة المالكي) مثل أحمد عبدالجبوري وابن عمه قتيبة الجبوري، تمكنا من أداء دورهما الباطنيين ونجحا في خداع النجيفي والمطلك من جهة، وتضليل الجبوري من الجهة الثانية، وحصل الاثنان على حقيبتي وزارة المحافظات ووزارة البيئة من تحت الطاولة، في حين ما تزال تصريحاتهما (الوطنية) جدا، عبر قناة (الشرقية) ترن في الآذان!


كاتب سياسي عراقي

9