تناغم الكنيسة والسلطة في مصر ينعش الإسلاميين ويحبط الأقباط

توظيف ديانة دون غيرها في خدمة مآرب السلطة، من شأنه أن يهدد قيم التعايش والتسامح، وهذا ما يخشى من حصوله في مصر التي يحاول الإسلاميون فيها أن يستثمروا التقارب الحاصل بين الدولة والأقباط للعب دور الضحية المتآمر عليها، وهو ما يتربص بالوحدة الوطنية في ظل سياسة الفواتير وحسابات الربح والخسارة.
الخميس 2016/09/29
تقارب يوظفه الإسلاميون لغاياتهم

القاهرة - نتيجة لأحداث المنيا وبني سويف الطائفية الأخيرة في جنوب مصر، خرجت دعوات في الولايات المتحدة، لتنظيم وقفة احتجاجية أمام البيت الأبيض، للتنديد بما يوصف بـ"العنف الطائفي" وإصرار الحكومة على اللجوء إلى الجلسات العرفية، بدلا من إعمال القوانين، قبل زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى نيويورك الأسبوع الماضي.

وأكد البابا تواضروس الثاني بابا الأقباط الأرثوذكس، علي ضرورة تسوية المشكلات في الداخل، وتم إرسال اثنين من الأساقفة، قبيل زيارة الرئيس المصري، لإقناع المحتجين بالتراجع.

تخوفت قيادة الكنيسة من أن تتسبب تلك الوقفات في تعطيل إصدار قانون بناء الكنائس (الذي صدر بالفعل منذ أسبوعين)، فضلا عن الحرص على ألا يُنسب حصول الأقباط على حقوقهم إلى ضغوط خارجية.

واحتدم الجدل أيضا حول تنظيم وقفات ترحيب بالرئيس هناك، وعبر الكثيرون عن استيائهم من توظيف مؤسسة الكنيسة في السياسة.

وفي هذا السياق، وصف المفكر القبطي ماجد موريس، منع الوقفة الاحتجاجية بالمبادرة الوطنية، لأن نقل مشكلات الأقباط إلى الساحة الدولية ليس من الوطنية في شيء، كما أنه لا ينسجم مع تراث الكنيسة التاريخي.

وتحفظ علي حشد مجموعات من الأقباط لاستقبال الرئيس بنيويورك، نافيا أن تكون الأسباب متعلقة بالأقباط وحدهم، وشرح موريس لـ”العرب” خطورة فرضية أن الأقباط يساقون كالقطيع وفق أهواء القيادة، لأن ذلك يقلل من مفهوم المواطنة.

وحذر من انعكاسات أخطر على المصلحة الوطنية، بتحويل الخلافات السياسية إلى فرز طائفي، ومن ثم بدلا من أن يتوزع تقييم المواقف بين مؤيد ومعارض، سيتوزع بين مسلم وقبطي.

تحويل الخلافات السياسية إلى فرز طائفي، بدلا من أن يتوزع تقييم المواقف بين مؤيد ومعارض، سيتوزع بين مسلم وقبطي

وتجد الحركة الإسلامية في التناغم بين الكنيسة والسلطة ملاذا للخروج من مأزقها، ومتنفسا للإبقاء على زخمها الجماهيري، بإشاعة مناخ طائفي، وتصوير الأحداث منذ بدايتها كصراع ديني، تقف فيه السلطة مع الأقباط في جانب والإسلاميين في جانب آخر.

هكذا صار اللعب على توظيف مواقف الكنيسة الأمر الغالب على خطاب الإسلاميين، بغية تحسين أوضاعهم، فضلا عن الرغبة في التغطية على فشلهم السياسي، بالهروب إلى روايات الصراع الديني، الذي أوصله عاصم عبدالماجد، أحد قيادات الجماعة الإسلامية الهاربة خارج مصر، إلى الذروة، فيما سمّاه “تحالف قيادات العسكر مع الكنيسة”، وكأنه يُخيّر المصريين بين نموذج الأندلس، حيث التنصير أو القتل بعد التعذيب البشع، والنموذج السوري.

وخلص عبدالماجد إلى النتيجة التي يريدها، وهي ضرورة الحشد خلف الإسلاميين، لمواجهة أعداء دينيين في صراع عقائدي، وفي السياق نفسه – لكن بلهجة أقل حدة- رفض حزب البناء والتنمية، الذراع السياسية للجماعة الإسلامية، قانون بناء الكنائس، معتبرا إياه “مجاملة للأقباط وتسديدا لفاتورة مواقف سياسية”.

وقال الصحافي والأكاديمي اللبناني غسان بودياب، إن هواجس الكثير من الأقباط في مصر، تتمثل في أن الرئيس السيسي يأخذ منهم أكثر مما يعطيهم، ويضعهم في مواجهة مع الإخوان والسلفيين. وأكد بودياب لـ”العرب” أنه لا يوجد رأي قبطي موحد، ولا يمكن تصنيف الأقباط على أنهم كلهم مؤيدون للسيسي، ولا يمكن أيضا تصنيفهم كمعارضين له، لكن للكنيسة حساباتها، وكذلك للرئاسة المصرية حساباتها.

وأشار بودياب إلى أن ولاء الأقباط السياسي للسلطة الحاكمة في مصر مشروط بمنسوب الحرية الدينية التي تعطى لهم، وبمقدار ما يتم من تخفيف التضييق على بناء الكنائس وترميمها، وكذلك في شغل الوظائف العامة.

ووصف د. محمد فتحي يونس، خبير الإعلام، عودة الأقباط لنيل المكاسب تحت مظلة الكنيسة، بأنها خطوة إلى الخلف، على إثر عاملين رئيسيين؛ الأول الطابع الطائفي لجماعة الإخوان خلال فترة حكمها، والثاني، رغبة المنتمين إلى الإسلام السياسي في الانتقام، واعتبار المسيحيين شريكا أساسيا ككتلة واحدة في إزاحة مرسي.

ولم يقلل في تصريحات لـ"العرب" من مسؤولية النظام، الذي ينظر إلى المسيحيين كسوق انتخابية مضمونة يخاطبها من خلال الكنيسة، ومن ثم فإن على الكنيسة أن تؤدي دورها في الحشد لنيل الوعود.

ولفت يونس إلى أن وصف الوضع الراهن أقل من طموحات المواطنة الكاملة، وحلم إبعاد الكنيسة والمؤسسات الدينية عن شؤون السياسة، بعد خطوة مغايرة باتجاه المواطنة وحقوقها لاحت في الأفق أثناء ثورة 25 يناير 2011، التي شارك قطاع من المسيحيين فيها، على غير رغبة قيادة الكنيسة.

نستنتج من ذلك عدم إمكانية عزل الأقباط عن النسيج العام وعن المجتمع، فالمواقف السياسية متباينة، والمصالح الاقتصادية متضاربة بين غني وفقير، وهذا يحتم ضرورة كسر التأميم السياسي المزدوج للأقباط من قبل السلطة الحاكمة والكنيسة، وضرورة فتح المجال للأقباط للعمل السياسي عبر الكيانات المدنية والأحزاب السياسية.

13