تناغم مفاجئ بين النهضة ونداء تونس يدفع برسائل مُلتبسة

حركة النهضة الإسلامية تصر على اجترار مقاربتها المتعلقة بمصير رئيس الحكومة يوسف الشاهد.
الجمعة 2018/08/31
اقترب موعد الرحيل

تونس - في موقف جديد يتماهى فيه الخيط الفاصل بين الابتزاز والمساومة، تصر حركة النهضة الإسلامية على اجترار مقاربتها المتعلقة بمصير رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وسط مشهد لا يزال ضبابيا وشديد التعقيد في الحسابات السياسية التي أظهرتها التطورات المتلاحقة.

واعتبرت حركة النهضة في هذا الموقف الجديد الذي جاء في بيان صدر في أعقاب اجتماع لمكتبها التنفيذي برئاسة راشد الغنوشي، أن “تونس تحتاج إلى حكومة سياسية مُستقرة ومُحايدة مُنصرفة كليا إلى الإنقاذ السريع والإصلاحات الواردة في وثيقة قرطاج 2 دون تردد”.

وعلى عكس موقفها الذي عبّرت عنه قبل نحو أربعة أيام في البيان الذي وزعته في أعقاب اجتماعات الدورة الـ21 لمجلس الشورى، الذي ربطت فيه بوضوح استمرار دعمها ليوسف الشاهد مقابل التزامه بعدم الترشح للانتخابات، تحاشت حركة النهضة في موقفها الجديد ذلك الربط.

لكنها أكدت في المقابل “تمسكها بخيار التوافق واعتباره الإطار الأمثل للحوار حول كافة القضايا الوطنية”، وتأييدها “كل دعوة إلى الحوار الوطني للبحث عن حلول معقولة سياسيا ومقبولة دستوريا في كنف الاحترام الكامل للمؤسسات”. وأبلغت مصادر مُقربة من حركة النهضة “العرب”، أن هذا الموقف الجديد الذي بدا مُلتبسا وغامضا، فرضه راشد الغنوشي خلال اجتماع المكتب التنفيذي الذي تخللته سجالات حادة بين مؤيدي بقاء يوسف الشاهد في منصبه، والمُطالبين برحيله، وبين المُتمسكين بالتوافق مع حركة نداء تونس، والداعين إلى إنهائه.

وقالت إن اجتماع المكتب التنفيذي بعد نحو ثلاثة أيام من اجتماع مجلس الشورى، أملته جملة من المُتغيرات التي جاءت على وقع سلسلة من التحركات السياسية داخل تونس وخارجها، وخاصة منها الاجتماعات التي تم رصدها في العاصمة الفرنسية بين عدد من الفاعلين السياسيين التونسيين (أمناء عامون لعدد من الأحزاب) وشخصيات فاعلة ومؤثرة في تونس وفرنسا.

وأشارت إلى أن تلك الاجتماعات التي ترافقت مع زيارة المدير التنفيذي لحركة نداء تونس، حافظ قائد السبسي إلى الولايات المتحدة، دقت ناقوس الخطر لدى حركة النهضة، ودفعت راشد الغنوشي إلى توجيه هذه الرسالة المُلتبسة في بيان المكتب التنفيذي، وعبر صهره رفيق عبدالسلام الذي اجتمع مع عدد من قادة نداء تونس لتوضيح الرسالة.

وأكدت المصادر أن الغنوشي لم يتردد خلال اجتماع المكتب التنفيذي لحركته، في التحذير من تداعيات تلك المُتغيرات، ومن مخاطر الاستمرار في دعم الشاهد، قائلا بشكل مباشر إن “الشاهد أصبح يُشكل خطرا جديا على حركة النهضة ومشروعها، ولا بد من رحيله اليوم وليس غدا”.

ومع ذلك، أثار موقف النهضة انتباه المراقبين الذين رأوا فيه مُقدمة لتطورات جديدة، لا سيما أنه ترافق مع تناغم مفاجئ في الخطاب السياسي والإعلامي مع نداء تونس حول المسائل الجدلية، وخاصة منها مسألة بقاء أو رحيل الحكومة الحالية، ومصير التوافق بين الحركتين الذي دخل منذ مدة في دائرة الشكوك بشأن نتائجه، وأهمية استمراره.‏

وبرز هذا التناغم الذي اقترب كثيرا من التماهي، في مُفردات بياني المكتب التنفيذي لحركة النهضة، وحركة نداء تونس التي سبق لها أن دعت في بيان الرئيس الباجي قائد السبسي إلى استئناف مشاورات قرطاج 2، التي تم تعليقها في نهاية شهر مايو الماضي بسبب رفض النهضة النقطة 64 التي تتعلق برحيل الشاهد.

واعتبرت حركة نداء تونس في بيانها أن الحكومة الحالية “تحولت إلى عنوان أزمة سياسية أفقدتها صفتها كحكومة وحدة وطنية”. وأكدت تمسكها بالتوافق مع حركة النهضة، وذلك خلافا لمواقفها السابقة التي اعتبرت فيها أن التوافق انتهى، ولا مجال لترميم أركانه التي تصدعت بسبب الخلافات المُتعددة التي أنتجت مساحة كبيرة من الاختلاف في المقاربات التي لم يعد بالإمكان جسرها.

وانتقل هذا التناغم على مستوى البيانات، إلى تصريحات قادة النهضة، حيث لم يتردد لطفي زيتون المُقرب من راشد الغنوشي في دعوة يوسف الشاهد إلى “التحلي بالمسؤولية ووضع مصلحة البلاد فوق كل الاعتبارات، والاستقالة”.

وذهب في تصريحات إعلامية إلى حد القول إن “التوافق بين النهضة والنداء يتعلق بمسائل وطنية كبرى أكبر من كل الحكومات”، ما يعني أن حركة النهضة ليست على استعداد للتضحية بتوافقها مع نداء تونس.

ويبدو أن تركيز لطفي زيتون على التوافق هو مفتاح فهم هذا التطور الجديد في موقف حركة النهضة التي ما زالت تشعر بأنها بحاجة إلى غطاء سياسي داخلي لمواجهة الضغوط الداخلية والخارجية التي تلاحقها على خلفية ارتباطاتها بتنظيمات الإسلام السياسي.

وعبّر عن هذا الموقف بوضوح محمد الطرودي، النائب بمجلس نواب الشعب عن حركة مشروع تونس، الذي لم يتردد في القول تعليقا على ما تضمنه بيان المكتب التنفيذي لحركة النهضة الإسلامية من إشارات إلى التخلي عن يوسف الشاهد، وتأكيدا على أهمية التوافق، إن التوافق بالنسبة لحركة النهضة هو “ابتزاز وغنائم”.

وشدد على أن حركة النهضة “دخلت في هذا التوافق لمصلحتها الخاصة ولتحقيق مكاسب سياسية، ولتبرز للرأي العام الوطني والدولي تأييدها للاستقرار السياسي في البلاد”.

4