تنافس ترامب وشي جين بينغ على القيادة.. كورونا هو الحَكَمُ

الصين تسبق الولايات المتحدة بخطوات في احتواء الوباء وتصدير نجاحها إلى الخارج
الأربعاء 2020/04/29
تعامل ترامب المرتبك مع انتشار كورونا يسهل طريق الصين الصاعدة

من الناحية التاريخية، وفي الأزمات الشديدة، يمكن أن تتغير الأنظمة المحلية والعالمية بشكل جذري. وقبل أن تضرب جائحة كورونا الصين ثم بقية العالم، ظهر تساؤل حول ما إذا كان العصر الإمبراطوري الأميركي قد يتعثر بالفعل، وسط الحروب التي لا تنتهي في هذه الدولة وفي وجود أكبر زعيم متقلب وغريب الطباع في العالم.

عندما تخرج البشرية من أزمة المرض والتشويش والإفقار المدمرة هذه، ناهيك عن انقسام النظام الاقتصادي العالمي الذي أنشأته واشنطن ولكن بدعم متزايد من بكين على كوكب مرهق بسبب الأحداث المناخية، فإن السؤال سيكون: هل دفع التنين الصيني النسر الأميركي ليحتل مرتبة ثانوية؟

ومن أجل تقييم هذا السؤال بموضوعية في هذه اللحظة غير المستقرة، من الضروري أن تدرس بشكل يومي كيفية تعامل القوتين العظميين المعاصرتين مع أزمة كورونا، وطرح السؤال: من أثبت أنه الأفضل في مكافحة أكثر الأمراض فتكا في العصر الحديث؛ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أم الرئيس الصيني شي جين بينغ؟

للأسف يمكننا ملاحظة أنه في حين أن الصين، تحت حكم شي، استطاعت قمع فايروس كورونا حتى وصلت التكلفة البشرية إلى ثلاثة أرواح لكل مليون نسمة، فإن الولايات المتحدة، تحت قيادة ترامب، لا تزال تكافح من أجل التغلب على الفايروس، بعد أن ضحت بالفعل بـ145 لكل مليون أميركي.

اختلاف المسارات

في أعقاب خطاب ترامب في 16 ديسمبر 2019، داعيا إلى عقد صفقة تجارية جزئية مع الصين (بعد حرب تجارية طويلة)، تم توقيع الصفقة الصينية الأميركية. وتحدث جورج جاو، مدير المراكز الصينية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، مع نظيره الأميركي روبرت ريدفيلد، في 3 يناير، لتنبيهه إلى وصول فايروس لم يتم التعرف عليه بعد، ويسبب الالتهاب الرئوي في مدينة ووهان. ثم أطلع ريدفيلد وزير الصحة والخدمات الإنسانية أليكس عازار على هذه المحادثة.

ومنذ ذلك الحين، اختلفت مسارات السياسات التي اتبعتها بكين وواشنطن، مع الوضع في الاعتبار أن الجائزة المحتملة للفائز في مسابقة القاتل لهذا لفايروس هي كأس القيادة العالمية. ومن ثم، تعرّضت لمحاربة لجنة الصحة الوطنية الصينية التي أرسلت فريقا من الخبراء إلى ووهان في 31 ديسمبر، والتي أبلغت منظمة الصحة العالمية أنه تم اكتشاف حالات من الالتهاب الرئوي من نوع غير معروف في تلك المدينة، والمرتبطة بالتعامل البشري مع سوق بيع المأكولات البحرية بالجملة، وبيع الأسماك والحيوانات الأخرى، ميتة وحية. ومع ذلك، واجه العلماء الصينيون تحدّيين منفصلين: عزل العامل المسبّب للمرض من أجل تحديد تسلسل الجينوم، وكذلك تحديد ما إذا كانت هناك إمكانية لانتشار الفايروس من شخص إلى آخر أم لا.

الصين دعت المسؤولين والخبراء من أكثر من 100 دولة إلى مؤتمر عبر الفيديو حول فايروس كورونا المستجد

وفي 3 يناير، خصصت لجنة الصحة الوطنية الصينية جميع الاختبارات في ما يتعلق بالمرض الغامض، وبعد يومين، وبالاشتراك مع خبراء في الأمراض المعدية التي تسببها فايروسات تنتقل من الحيوانات إلى البشر، أكملت تسلسل جينوم الفايروس. واستطاعت دول العالم الوصول لتسلسل الجينوم في 7 يناير. وفي يومي 10 و11 يناير، أصدرت منظمة الصحة العالمية إشعارات إرشادية لجميع الدول الأعضاء حول جمع عينات من أي مرضى قد تظهر عليهم أعراض المرض، مع سرد إجراءات احترازية صارمة لتجنب خطر انتقال العدوى من شخص لآخر.

وفي 14 يناير، قدّمت ماريا فان كيرخوف، مديرة وحدة الأمراض الناشئة بمنظمة الصحة العالمية، رسالة مختلطة حول الوضع. حيث قالت للصحافيين إنه لم يكن هناك حتى الآن سوى أنواع محدودة من العدوى البشرية بين أفراد الأسرة في الصين. ومع ذلك، أضافت أنه لا ينبغي اعتبار إمكانية انتقال الفايروس من شخص لآخر على أنها “مفاجئة” بالنظر إلى تشابه الفايروس الجديد مع فايروسات سابقة مثل سارس وميرس (متلازمة الشرق الأوسط التنفسية).

ومع ذلك، نقلت وكالة رويترز ووكالة أنباء الصين (شينخوا) عنها قولها إنه لم يكن هناك سوى مستوى محدود لانتقال عدوى فايروس كورونا المستجد من شخص لآخر حتى الآن، بشكل رئيسي بين مجموعات صغيرة من أفراد الأسرة، وأنه “من الواضح جدا الآن أن العدوى وانتقال المرض من شخص لآخر كان محدودا للغاية”.

وفي 16 يناير، طوّر علماء في المركز الألماني لأبحاث العدوى في برلين اختبارا معمليا جديدا للكشف عن فايروس كورونا. وأتاح هذا إمكانية تشخيص الحالات المشتبه فيها بسرعة. ونشرتها منظمة الصحة العالمية كدليل للكشف التشخيصي.

تم اعتماد هذا الاختبار من قبل قادة العديد من الدول، باستثناء ترامب الذي طالب بإجراء اختبار أنتجه علماء أميركيون. وفي 29 فبراير، سمحت إدارة الغذاء والدواء للمختبرات والمستشفيات بإجراء اختبارات كوفيد – 19 الخاصة بها لتسريع العملية. جاء ذلك بعد أربعة أسابيع من بدء منظمة الصحة العالمية توزيع اختبارها الفعّال على الصعيد العالمي.

من أثبت أنه أفضل في مكافحة أكثر الأمراض فتكا في العصر الحديث؛ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أم الرئيس الصيني شي جين بينغ؟
من أثبت أنه أفضل في مكافحة أكثر الأمراض فتكا في العصر الحديث؛ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أم الرئيس الصيني شي جين بينغ؟

وفي 19 يناير، أكدت لجنة الصحة الوطنية الصينية انتقال فايروس كورونا من شخص لآخر. وفي ذلك اليوم، أكدت بشكل علني الحالات الأولى لانتقال العدوى من شخص لآخر. وبرئاسة وزير في الحكومة، صنفت لجنة الصحة الوطنية الصينية الفايروس كمرض معد من الفئة (ب) بموجب قانون عام 1989 للوقاية من الأمراض المعدية ومكافحتها.

يسمح هذا القانون برفع مستوى المرض المعدي إلى الفئة (أ) بقرار من مجلس الوزراء. وبموجب هذا التصنيف، يُصرّح للمؤسسات الطبية بمعالجة المرضى المعزولين في أماكن محددة واتخاذ التدابير الوقائية اللازمة لاكتشاف عمليات اتصالاهم بالأشخاص الآخرين والتعامل معهم.

وفي يوم 20 يناير، بعد رئاسة اجتماع لمجلس الوزراء، تحدّث رئيس مجلس الدولة لي كه تشيانغ، لأول مرة عن ضرورة السيطرة على وباء فايروس كورونا، مطالبا جميع وحدات الحزب الشيوعي والحكومة بمعالجة الوضع.

وأثناء تأييده لدعوة لي، شدّد الرئيس شي جين بينغ على “أهمية إعلام الجمهور لحماية الاستقرار الاجتماعي”. ونشرت إحدى لجان الحزب الشيوعي رفيعة المستوى منشورا على موقع التواصل الاجتماعي في الصين “وي تشات” تحذيرا مفاده أن “كل من قام بتعمد تأخير أو إخفاء التقارير من أجل مصلحتهم الخاصة، سيلحقه عار التاريخ إلى الأبد”.

حدثت هذه الوقائع عشية عطلة رأس السنة الصينية الجديدة، وهو الوقت الذي يعود فيه مئات الملايين من الناس إلى منازلهم للاحتفال. وفي 22 يناير، قبل ثلاثة أيام من العام الجديد، علّقت السلطات جميع خطوط السكك الحديدية والجوية خارج ووهان.

وفي اليوم التالي، فرضت الحكومة المركزية حظرا كاملا على تلك المدينة التي يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة والمراكز الحضرية الكبيرة الأخرى في مقاطعة هوبي. تم منع السكان من مغادرة منازلهم، في حين تم تسليم المواد الغذائية والإمدادات الأخرى من قبل لجان الحي. واتبعت العديد من مدن الصين الأخرى نفس نهج مدينة ووهان متخذة إجراءات مماثلة، مثل فرض الحظر الكامل على المجتمعات. خضع ما يصل إلى 760 مليون شخص لقيود السفر، في حين تم تخفيض الاقتصاد من 40 إلى 50 في المئة من طاقته العادية.

خطة عازار الأميركية

الوباء يفتك بالولايات المتحدة
الوباء يفتك بالولايات المتحدة

خلال اجتماع مع المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في بكين يوم 29 يناير، أكد له الرئيس شي أنه أشرف شخصيا على الاستجابة لتفشي الفايروس وكيفية اتخاذ إجراءات الوقاية والسيطرة عليه.

وفي 30 يناير، مع انتشار فايروس كورونا إلى 17 دولة من بينها الولايات المتحدة، أعلنت منظمة الصحة العالمية المرض “كحالة طوارئ صحية عالمية”. وفي 11 فبراير، أطلقت على المرض الذي يتسبب فيه فايروس كورونا، والذي يمكنه أن يتطور إلى التهاب رئوي يسبب الوفاة، اسم كوفيد – 19.

وفي الوقت نفسه، وفي يوم 29 يناير في الولايات المتحدة، قدم ترامب رسميا فريق عمل بقيادة وزير الصحة والخدمات الإنسانية أليكس عازار لمراقبة انتشار فايروس كورونا واحتوائه والتخفيف من انتشاره مع إبقاء الأميركيين على اطلاع بالأمر.

وشارك عازار روبرت ريدفيلد من مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها بالفعل في حماية الأميركيين من الفايروس القاتل. وفي 7 يناير، أنشأ ريدفيلد “نظام كوفيد – 19” لإدارة الحوادث التابع لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، وفي يوم 21 يناير، قام بتنشيط هيكل الاستجابة للطوارئ. وفي ذلك اليوم بالذات، تم الإبلاغ عن أول حالة فايروس كورونا مؤكدة مختبريا في أولمبيا، واشنطن. وغرد ترامب معلقا على هذا الخبر بقوله “إنه شخص واحد قادم من الصين وسنسيطر عليه. سيكون كل شيء على ما يرام”.

ومن داخل البيت الأبيض، وجه بيتر نافارو مستشار التجارة الوطنية لترامب مذكرة تحذيرية إلى مجلس الأمن القومي يفيد بأن “نقص الحماية الحالي يزيد من خطر تطور فايروس كورونا إلى جائحة، مما يعرض حياة الملايين من الأميركيين للخطر”. وقدّر أن مثل هذا الوباء يمكن أن يقتل نصف مليون شخص وأن يُحدث ضربة قوية للاقتصاد تقدر بنحو 5.7 تريليون دولار.

وبعد ذلك بيومين، وردا على هذه التطورات، كان كل ما فعله ترامب هو حظر وصول المواطنين غير الأميركيين الذين سافروا مؤخرا إلى الصين. ومنذ ذلك الحين، ظل يصف هذا الإجراء الذي اتخذه على أنه إجراء استباقي.

وانهارت خطة عازار لمراقبة انتشار الفايروس في خمس مدن بتكلفة تصل إلى 100 مليون دولار، في 21 فبراير، عندما قالت نانسي ميسونير، مديرة المركز الوطني للتحصين وأمراض الجهاز التنفسي بمركز السيطرة على الأمراض، للصحافيين إن مشاكل مجموعات اختبار فايروس كورونا مازالت تحتاج إلى حلول.

ترامب يكافح لمجابهة الوباء
ترامب يكافح لمجابهة الوباء

وفي ظل غياب مجموعات اختبار الفايروس، بدا عدد الحالات في الولايات المتحدة صغيرا. وغرّد ترامب يوم 24 فبراير معلقا على هذا قائلا إن “فايروس كورونا لا يزال تحت السيطرة إلى حد كبير في الولايات المتحدة. تبذل كل من مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، ومنظمة الصحة العالمية جهودا متضافرة لاحتواء الأزمة. بدأت سوق الأسهم تبدو جيدة للغاية بالنسبة لي!”

لكن ترامب تجاهل تماما تحذير نافارو في اليوم السابق من أن “هناك احتمال أن يصيب فايروس كورونا ما يصل إلى 100 مليون أميركي، مع خسارة في الأرواح تصل إلى 1-2 مليون شخص”.

وبدلا من ذلك، في 25 فبراير، في مؤتمر صحافي في نيودلهي خلال رحلته إلى الهند، ادعى الرئيس بشكل متهوّر أن لقاح فايروس كوفيد – 19 سيكون متاحا قريبا. وقال بثقة “لقد أعدوا الدراسات لإنتاج هذا اللقاح، ونحن قريبون جدا منه”.

وفي اليوم نفسه، في نشرة إعلامية من مركز السيطرة على الأمراض في واشنطن، وصفت نانسي ميسونير الوضع بهذه الطريقة “في نهاية الأمر، نتوقع أن نرى المزيد من انتشار العدوى في هذه الدولة، وقد يكون ذلك له تبعات شديدة مثل تعطّل الحياة اليومية، وهو الأمر الذي يجب على الناس أن يفكروا بشأنه الآن”.

أدى هذا التصريح إلى انخفاض مذهل بلغ 1.031 نقطة في مؤشر “داو جونز الصناعي”، مما أثار غضب ترامب، الذي حثّ بدوره لاري كودلو على الفور، وهو مدير المجلس الاقتصادي الوطني، على الظهور على شاشات التلفزيون واستعراض الثقة. وبناء على ذلك، قال كودلو لشبكة سي.أن.بي.سي “نحن نحتوي الأمر. لن أقول هنا بشكل محكم، لكنه قريب جدا من محكم”.

ولدى عودته إلى واشنطن في 26 فبراير، استبدل ترامب عازار كرئيس لفرقة عمل فايروس كورونا بنائب الرئيس مايك بنس، وكلّفه بنشر رسائل إيجابية من أجل عودة استقرار سوق الأسهم المتوتر. وفي اليوم التالي، حذّر الرئيس من أن وسائل الإعلام تفعل كل ما في وسعها “لجعل الأمر يبدو أكثر خطورة وأنها تنشر الذعر في الأسواق”.

وفي الصين، قام الرئيس الصيني، يوم 10 فبراير، بزيارة مستشفى في بكين حيث أجرى مكالمة عبر الفيديو مع العاملين بمجال الصحة والطب في ووهان. واحتلت أخبار تغطية هذه المكالمة وكذلك درجة حرارة الرئيس الصيني الصفحة الأولى من الصحيفة الرسمية، “بيبولز ديلي”. وبحلول ذلك الوقت، تمت إقالة قادة الحزب الشيوعي في ووهان ومقاطعة هوبي بسبب استجابتهم الضعيفة للفايروس.

وفي ووهان، تم إنشاء 60 ألف سرير مستشفى إضافي لمرضى كوفيد – 19 في غضون شهر عن طريق تحويل 16 قاعة عرض وصالة رياضة إلى مستشفيات ميدانية، كما تم إنشاء مستشفيين جديدين أيضا. وفي 23 فبراير، أجرى شي اتصالا عبر الهاتف مع 170 ألف مسؤول محلي، واصفا الوباء بأنه أصعب حالة طوارئ صحية ظهرت منذ تأسيس الجمهورية الشعبية. وأشار إلى أن الوضع ظل قاتما ومعقدا، في حين تم إغلاق مقاطعة هوبي وأجزاء كبيرة من بقية البلاد (وكذلك الاقتصاد).

الصين تبحث عن موطئ قدم من بوابة المساعدات
الصين تبحث عن موطئ قدم من بوابة المساعدات

تم إعطاء الأولوية القصوى لإنتاج معدات الحماية الشخصية. وبحسب بيان صحافي رسمي يوم 6 مارس، قفز إنتاج البدلات الواقية من أقل من 20 ألف قطعة يوميا إلى 500 ألف قطعة يوميا. كما ارتفع إنتاج أقنعة إن 95 ثمانية أضعاف إلى 1.6 مليون وبلغ إجمالي إنتاج الأقنعة العادية 100 مليون.

وخلال رحلته إلى ووهان بعد أربعة أيام، أشاد شي بالعاملين في المجال الطبي والجنود والمسؤولين والمتطوعين والعاملين في المجتمع المحلي ورجال الأمن الذين يحاربون الوباء، وكذلك المرضى والسكان في المدينة المغلقة. وبحلول ذلك الوقت تسبب الوباء في وفاة 3 آلاف مريض. ومع ذلك، في 9 مارس، انخفضت الحالات الجديدة اليومية في ووهان بالفعل إلى 19 حالة مقارنة بآلاف الحالات في الشهر السابق. تم إغلاق جميع المستشفيات المؤقتة. ومع ذلك، حذّر شي من أن أعمال الوقاية والسيطرة تتطلب يقظة دائمة.

وعندما أبلغت 114 دولة عن حالات إصابة بفايروس كورونا لمنظمة الصحة العالمية في 11 مارس، أعلنت المنظمة المرض كجائحة عالمية.

وبحلول منتصف مارس، أرسلت الحكومة الصينية ومؤسسة جاك ما، وهي جزء من مجموعة شركات علي بابا العملاقة، الأطباء والإمدادات الطبية إلى بلجيكا وكمبوديا وفرنسا وإيران والعراق وإيطاليا والفلبين وصربيا وإسبانيا و الولايات المتحدة. وأعلنت المؤسسة أنها ستشحن “حوالي 20 ألف مجموعة اختبار و100 ألف قناع وجه، وألف بدلة واقية ودروع وجه” إلى كل دولة في أفريقيا. وأضافت أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد “سيتولى إدارة هذه اللوجيستيات وتوزيع الإمدادات إلى الدول الأفريقية الأخرى”.

ومن بين 89 دولة تلقت بحلول 26 مارس مساعدة من الصين لمكافحة الوباء، كانت 28 دولة في آسيا، و16 في أوروبا، و26 في أفريقيا، و9 في الأميركيتين، و10 في جنوب المحيط الهادئ. وشملت هذه الإمدادات الطبية بشكل رئيسي مجموعات الاختبار والأقنعة والبدلات الواقية ومقياس درجات الحرارة وأجهزة تهوية.

كما دعت الصين المسؤولين والخبراء من أكثر من 100 دولة إلى مؤتمر عبر الفيديو حول فايروس كورونا، في حين أجرى الرئيس شي 26 محادثة هاتفية مع 22 زعيما أجنبيا، بما في ذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، والعاهل الإسباني الملك فيليب السادس، ورئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، ودونالد ترامب.

وفي يوم 13 مارس، أعلن ترامب حالة طوارئ وطنية، وتعهد بتسريع عمليات اختبار فايروس كورونا، الذي أطلق بشأنه في وقت سابق سلسلة من الادعاءات الكاذبة والأكاذيب الصريحة حول سرعة انتشاره. وفي زيارة له إلى مقر مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أتلانتا، جورجيا، في 6 مارس، تفاخر بقدرته الطبيعية على فهم موضوع علم الأوبئة.

وفي 13 مارس، أعلن أنه يتم تطوير موقع ويب لغوغل لمساعدة الأشخاص في العثور على أماكن لإجراء اختبارات فايروس كورونا، وهو أمر اتضح أن مسؤولي غوغل لا يعرفون شيئا عنه. وفي اليوم التالي، استدعى ترامب المديرين التنفيذيين من شركات وولمارت وتارغيت وسي.في.أس ووول غرينز، ولاب كورب وكويست دياغنوزتيكس، وروشدياغنوزتيكس، وأصر على أنهم سيساعدون في تسريع الاختبار لوقف الفايروس سريع الانتشار.

لكن لم يحدث الكثير مما كان متوقعا، وبدأت الدولة في فرض عمليات الحظر. أغلقت المدارس العامة، وتأجّلت البطولات الرياضية أو أُلغيت. وبدأ الناس في العمل من منازلهم بأعداد كبيرة. وفقد ملايين آخرون وظائفهم. واختفت إمدادات المطهرات والمناديل المعقمة وورق التواليت من أرفف المتاجر. وبعد شهر، لم يتحقق سوى القليل من وعود الرئيس، بينما انتشر المرض بشكل كبير وبدأت الوفيات في الارتفاع.

وباء يفرض توازنات عالمية جديدة
وباء يفرض توازنات عالمية جديدة

وردا على سؤال حول النقص في مجموعات ومواقع الاختبار، التي تركت الولايات المتحدة متخلفة كثيرا عن كوريا الجنوبية ودول أخرى في التعامل مع الفايروس الذي لا يزال ينتشر، لم يكن ترامب أكثر وضوحا. وقال ترامب “أنا لا أتحمل المسؤولية على الإطلاق”. ومع ذلك، ومن منطلق مبدئه “اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى”، وحتى يوم 6 مارس، رفض ترامب عرضا من مؤسسة جاك ما الصينية لإرسال 500 ألف مجموعة اختبار ومليون قناع إلى الولايات المتحدة ليتم توزيعها من قبل مركز السيطرة على الأمراض.

ومن خلال الانصياع لنصائح منظمة الصحة العالمية التي كانت تنادي دائما بعمل الاختبارات، تمكّنت كوريا الجنوبية من تجنب عمليات الإغلاق التي تنفذها الصين والعديد من دول أوروبا الغربية وبعض المدن الأميركية. وفي مكالمة هاتفية يائسة إلى الرئيس مون جاي إن في 24 مارس، توسل إليه ترامب بتسريع إرسال معدات الاختبار إلى الولايات المتحدة. وردا على ذلك، وافق جيونغ أون كيونغ، مدير مركز السيطرة على الأمراض الكوري الجنوبي، على ذلك ولكن على مستوى لن يقلل من قدرة بلاده على القيام بعمل الاختبارات.

وبعد وقت قصير من وصول ألف من أجهزة التهوية الصينية إلى مطار جون إف كينيدي الدولي في 4 أبريل، مما دفع الحاكم أندرو كومو إلى الشعور بالارتياح والامتنان، كتب ترامب في تغريدة “أميركا قوية!”.

ومع ذلك، بدا تفاخره هذا بلا قيمة، نظرا للأخبار القاتمة التي تفيد بأن مؤشر داو جونز قد انخفض في الفترة ما بين 12 فبراير و 11 مارس بمقدار حوالي 8000 نقطة من ذروته التاريخية، حيث تضاعفت البطالة الوطنية ثلاث مرات من أدنى مستوى 3.5 في المئة.

ولمواجهة هذا، في 9 أبريل، أطلق بنك الاحتياطي الفيدرالي مشروع إقراض الأعمال وبرامج أخرى بقيمة 2.3 تريليون دولار كمحاولة لاستعادة استقرار اقتصاد سريع الانهيار. وقد ضخ بالفعل 500 مليار دولار في النظام المالي في مارس، مع خطط تقدر بقيمة 1.5 تريليون دولار أخرى قادمة.

وبحلول 27 مارس، وبعد أن اكتسبت الولايات المتحدة المرتبة العالمية الأولى من حيث عدد حالات الإصابة بفايروس كورونا، وقع الرئيس أيضا على قانون المخصصات التكميلية للتأهب والاستجابة لفايروس كورونا بنحو 2.2 مليار دولار، الذي تم تمريره بالإجماع تقريبا من قبل الكونغرس، لتسريع المساعدة الفيدرالية للعمال والشركات. وشمل القانون دفع 1200 دولار لمعظم دافعي الضرائب، وتعزيز إعانات البطالة وإطلاق برنامج إقراض بقيمة 500 مليار دولار للشركات الكبيرة والمدن والولايات وإنشاء صندوق بقيمة 367 مليار دولار للشركات الصغيرة.

وعلى الرغم من كل هذا، من المتوقع أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنسبة 10.8 في المئة على الأقل في الربع الثاني من عام 2020. وكان انكماش الناتج المحلي الإجمالي الصيني بنسبة 6.8 في المئة في الربع الأول من العام يعد انخفاضا تاريخيا. ومع ذلك انخفض معدل البطالة في المناطق الحضرية في مارس 2020 بنسبة 0.3 في المئة عن الشهر السابق.

ميزان القوى

Thumbnail

السؤال الذي يفكر فيه العديد من خبراء الجغرافيا السياسية الآن هو: هل حوّلت ردود الأفعال تجاه فايروس كورونا ميزان القوى بين الصين والولايات المتحدة بطريقة ما في عالم ما بعد فايروس كورونا؟

أثبتت مشاهدة فوضى مؤتمرات ترامب الصحافية اليومية وفشل إدارته في إيقاف الفايروس أن الأشخاص العقلانيين يمكنهم التخطيط لأي شيء – باستثناء رئيس أميركي غير عقلاني، بسبب إدارته السيئة للوضع، بعد أن أصيب 746 ألف أميركي بالفايروس، وتوفي حوالي 40 ألفا بحلول منتصف أبريل. بالمقارنة مع الصين، التي أصيب فيها حوالي 83 ألفا بالفايروس، وتوفي حوالي 4600 شخص.

واستشهدت ناتالي توسي، مستشارة رئيس الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، مؤخرا بأحداث تاريخية مماثلة لوضعها في الاعتبار، مثل أزمة السويس عام 1956 – وهو تحالف بريطانيا الفاشل مع فرنسا وإسرائيل للإطاحة عسكريا بالنظام القومي للرئيس المصري جمال عبدالناصر. وفي هذه الحقبة الزمنية، كانت هذه الحادثة مؤشرا لتراجع القوة الإمبراطورية البريطانية. وفي السياق الحالي، شبّهت توسي جائحة كورونا بأنها قد تكون “أزمة السويس” بالنسبة للولايات المتحدة.

بالإضافة إلى ذلك يهدد الرئيس ترامب، متجاهلا تحذيرات العلماء وخبراء الصحة العامة، بتمديد الفترة الزمنية للفايروس من خلال “إعادة فتح” البلاد في وقت قريب جدا. ومن خلال قيامه بذلك، سيعمل فقط على تسريع عجلة الزمن نحو اليوم الذي يتم فيه تسليم كأس القيادة العالمية، الذي تسلمته الولايات المتحدة منذ عام 1946، إلى جمهورية الصين الشعبية.

7