تناقضات أوروبا: الديمقراطية يمكنها أيضا إنتاج التطرف والإستبداد

أعادت أحداث بروكسيل الأخيرة مسألة تنامي الإرهاب في أوروبا والعالم إلى الواجهة، بعد أحداث باريس التي خيّل للجميع أنها الضربة التي من المفترض أنها هيّأت أوروبا جيدا لدحر هذا الخطر. لكن يبدو أن شبكات الإرهاب وخاصة التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية قد أعدت العدة كما ينبغي ووضعت الأمن الأوروبي، رغم التعاون والتنسيق بين دول أوروبا، في حرج كبير وقدمته للعالم في صورة العاجز عن فك شيفرة هذه المجموعات التي باتت قادرة على تنفيذ عمليات قوية وفي مراكز حساسة.
السبت 2016/04/02
دفاع متأخر عن قيم مهتزة

أثبتت الأحداث الإرهابية الأخيرة أنه ليس هناك من بلد في العالم بمنأى عن الراديكالية والإرهاب، حيث تتجدد ظاهرة التنظيمات الجهادية بشكل متواتر وفي ثوب جديد من حيث ظروف النشأة، والاستراتيجية، والأهداف. وهي لئن تضخمت بشكل مثير في العديد من بؤر التوتر (سوريا، العراق، ليبيا، مالي، أفغانستان، باكستان)، فإن الهجمات الأخيرة أثبتت أن استراتيجية تعدد الملاذات التي ينتهجها تنظيم داعش، تطرح تحليل الدوائر المسكوت عنها في هجمات باريس وبروكسل على المستوى الأوروبي.

كما تحتم الالتفات إلى مسألة ضعف التنسيق الأمني وتهيئة الظروف والشروط التي أوصلت وضع الهجرة إلى ما هو عليه، خاصة أن الذين قاموا بها هم من مواليد أوروبية، ويحملون جنسيات أوروبية، ومعرفتهم بأمور الدين الإسلامي ضعيفة، ومجرّدون كليا من ثقافات بلدان آبائهم الأصلية. حيث تم الزج بهم في أتون الفكر المتطرف، كما أنه لا يمكن مقارنة معارفهم الدينية الضعيفة بما يعرفونه عن عالم السرقة، والتهريب، والسطو المسلح، وحيازة المخدرات.

صناعة التطرف

تؤكد السمات الأولية لشباب ضواحي بروكسل الذين التحقوا بصفوف التيارات الجهادية أن غالبيتهم من جنس الذكور وتربطهم علاقات صداقة أو أخوة أو روابط عائلية كما هو حال المغربي البلجيكي محمد عبريني وصديق عبدالسلام، فالاثنان من حي مولنبيك يوحدهما ضعف الممارسة الدينية إن لم تكن منعدمة تماما، وترعرعا في ثقافة تقوم على طغيان الفردية، أو الجنوح إلى المستوى الفني ممثلا في موسيقى “الهيب هوب” في حالة الأخوين كواشي، أو تبني نماذج أبطال منشقين كنموذج سينمائي محبذ.

وتبيّن من خلال دراسة وضعيتهم الاقتصادية أن جهودهم كانت منصبة على تكوين اقتصادي عصامي وخارج القنوات التقليدية، يتدبرون على قضاء حاجياتهم، ويعيشون حياة بوهيمية لا تتناسب مع مداخيلهم المادية الحقيقية. ويتجلى ذلك من خلال عدم كسب رهان إثبات الذات وفشل الاندماج الاجتماعي (فشل دراسي، بطالة)، مما يجعلهم على الدوام يعيشون على هامش المجتمع، وأصبح العالم في نظرهم مجرد مرآة لهيمنة سياسية ودينية يجب مقاومته لأنها موجهة ضد المسلمين.

وعلى المستوى السياسي، يختزل الجهاد الأوروبي السياسة في جدلية الهيمنة العالمية، لكن دون ترجمتها لفلسفة سياسية تدفع إلى النضال في جمعية أو حزب سياسي. فهم منذ ظهور القاعدة في ثوبها العنيف وجدوا أنفسهم في أحضان حركات عنيفة، ومتمردة تقدم معنى أحاديا وخطيا للتاريخ، وفي قطيعة تامة مع سوق الأفكار الأيديولوجية السائدة حاليا. أما على مستوى الانتماء الجماعي، فيتقاطع انتماؤهم الإجرامي المعروف بوقوف أعضائه على حواف الضياع والهلاك مع التطرف الإسلامي، وهم في قطيعة دائمة مع الشرطة والأجهزة الأمنية، حيث يتضح من التحقيقات الجارية أنهم جميعهم مسجلون كانتحاريين وعلى قوائم الراغبين في الاستشهاد في أوروبا.

في حالة تقويض داعش في العراق وسوريا عسكريا، فإن الجيل الجديد من التنظيمات الجهادية مازال يتوسع

ويتضح أيضا من بياناتهم أن أعمارهم تتراوح بين 18 سنة و28 سنة، وهو ما يشي بضعف تكوينهم التعليمي ما عدا حالات نادرة، كما تظهر بشكل مؤكد المشاركة النسائية المحدودة إلى حد الآن، خاصة أنه في 10 سبتمبر 2015 بدأ قصر العدالة في بروكسل ينظر في قضية مرفوعة ضد أربعة أشخاص، منهم امرأة تبلغ من العمر 21 سنة ورضيعها البالغ 14 شهرا، حاولوا الالتحاق بالتنظيمات الجهادية في سوريا.

وثمة حاجة للإقرار بأن أغلب مناصري تنظيم الدولة الإسلامية هم من فئة الشباب، وهي صفة تجمع بين أغلب المقاتلين الذين تغريهم الامتيازات المالية وتقديم غواية المخاطرة بوسائل دعائية محترفة، فيما يحكم منظروهم الذين هم في أغلب الأحيان يكونون في سن متقدمة ويتمتعون بـ”تجربة عسكرية وعقدية كبيرة”، السيطرة على مفاصل المراتب العليا التي ليست لها علاقة بالاحتكاكات الميدانية، فهذه يتم تزويدها بالشباب من بلدان إسلامية وغير إسلامية وخاصة من معتنقي الإسلام.

وعلى المستوى السوسيواقتصادي ينتمي الجهاديون إلى أوساط اجتماعية مهمشة، غير أن التنوع الاجتماعي لهذه الفئات يظل بدوره قويا، وهناك فئات متزايدة تنتمي إلى أوساط اجتماعية من الطبقة المتوسطة، مما يفرض عدم سقوطها في تبني الأطروحة الاقتصادية التي تضع التهميش والفقر في صدارة التفسيرات الجاهزة.

هوية ثقافية ضعيفة

تشير السير الذاتية لكتيبة داعش في بلجيكا والمكونة من عبدالحميد أباعود (من مواليد عام 1987) إحدى الشخصيات المهمة في التنظيم، والتي ظهرت في مجلة دابق بتاريخ فبراير 2015، وشكيب أكروح، ونجيم العشراوي، والشقيقان خالد وإبراهيم البكراوي، والأخوان صلاح وإبراهيم عبدالسلام، وجلال عطار (المولود في إيطاليا والمقيم في بلجيكا)، ومحمد عبريني (في حالة فرار)، وعبدالرحمن أمرود، وجمال الدين عوالي، ورباح، وأبوبكر، ونبيل، وبالقياد، الجهادي الجزائري الذي قتلته السلطات البلجيكية وغيرهم، أنهم ولدوا في أوروبا، وأن أغلبهم يحمل الجنسية البلجيكية، مما يطرح سؤالا محيرا حول كيفية تحول بلجيكا إلى خزان لتصدير المتطرفين وحاضنة للفكر الجهادي، ونقطة للتنسيق بين الخلايا الموزعة على طول فرنسا وبلجيكا وهولندا.

وشرع تنظيم داعش في إنشاء فروع متعددة تقوم في تطورها على شبكة الإنترنت والمنتديات الجهادية، حيث الأوراق مختلطة بين محاربة العدو القريب والعدو البعيد، بين العقائدي والمذهبي. كما أن تجنيد المقاتلين وحشدهم انتقل من الواقعي إلى الافتراضي، وهو ما منح التنظيمات التقليدية المركزية وسائل جديدة أصبحت تمتلكها، بشريا وجغرافيا وتقنيا، وهي وسائل تبدو أكثر فعالية.

العالم الافتراضي دليل الجيل الإرهابي الأوروبي الجديد

ولعل العنوان الأبرز لهذه السير الذاتية أن أعضاءها ينحدرون من خلفيات اجتماعية واقتصادية متنوعة ويتمتعون بقدرات تقنية عالية في مجال الاتصالات، كما أنهم يعتمدون على خلايا نائمة، ولهم قيادات تمدهم بمعلومات لوجيستية تتقن انتقاء الأماكن الحساسة والرمزية، وذات خبرة كبيرة في القتال في عدة جبهات سابقة، ومن جنسيات مختلفة، وجهتها في نموذج إرهابي يعتمد على التنكيل والقسوة والترانزيت الجهادي.

والأطروحات الجهادية الأوروبية الجديدة تقوم على عولمة حركيتها وفعاليتها في سياق الاستجابة لأطروحة أيديولوجية مركزية تدعو إلى إعادة تأسيس “الخلافة” كبديل عن الوطن والمجتمع، وهي قادرة في نظر منتسبيها على ضمان أمنهم وكرامتهم واستعادة العصر الذهبي. أما على المستوى التنظيمي، فهي تقوم على توسيع “حركة الجهاد العالمي” كرد على سياسة “الحرب على الإرهاب العالمي”.

وكان لمكاسب داعش على الأرض والحصول على مصادر تمويل ضخمة وتوفير أجور للمقاتلين ومصاريف التنقل وتمويل العمليات، أثر كبير في توسيع شبكة علاقاتها وتوفير المقاتلين وتيسير تنقلهم، إضافة إلى خلق فروع داعمة للدولة الإسلامية، على غرار تنظيم “لواء أحرار السنة في لبنان”، وتنظيم “مجلس شورى أنصار الشريعة في الأردن”، وجماعة “أنصار الإسلام” في غزة، وتنظيم “أنصار بيت المقدس” المصري و”أنصار الشريعة في ليبيا”، والذين يجعلون خطر التنظيم الأم يتجاوز الحدود.

وتطور”الجهاد الإقليمي” بسرعة إلى “جهاد عالمي” يقرع أبواب بلدان أوروبا، ويدفع بكل قوة إلى خلق “أمة افتراضية” قادرة على القيام بعمليات ضخمة في ظل التدهور الأمني للعديد من دول المنطقة، عبر خلق حرب متعددة الجبهات.

بحيث إذا كان هذا التوزيع الجغرافي الواسع يعتبر ضعفا بالنسبة إلى المصدر وتشتيتا لمركزيته، إلا أنه في ذات الوقت شكل عنصر اجتذاب وشرعية ومباهاة بالنسبة إلى المقاتلين الأجانب الذين لم تعد تستهويهم النزعة الفردية في العالم الغربي.
وفي ظل غياب مشروع جماعي يلتقي حوله الشباب الثائر على سياسات وممارسات الدول الغربية في ظل حالة الفراغ والبطالة التي طالته، بحيث لم يتم استيعابهم اجتماعيا ونفسيا واقتصاديا، فظلوا على الهامش، وأضحوا وقودا قابلا للاشتعال في أي وقت ممكن.
الحركات الجهادية استطاعت عبر “الإرهاب الإلكتروني” نشر رؤية للعقيدة الإسلامية مفعمة بالتطرف، وتطلق على نفسها “الفرقة الناجية”
كما أنه اتضح أن السياسات التي ينتهجها العالم الغربي سواء من خلال غزو الولايات المتحدة الأميركية لأفغانستان في أكتوبر 2001 والاجتياح الأميركي للعراق في العام 2003، أو عبر دعم الطوائف غير المسلمة في نيجيريا وكشمير والفلبين وتايلاند ومالي، كلها عوامل ساهمت في تأجيج الدوافع الانتقامية لدى هذه الفئة من المتشددين.

كما أن جميع هذه العوامل تصب في صالح الارتباط الفكري والتنظيمي لهذه الفئات الشبابية بالحركات الجهادية، وهي عامل مهم في خلق حالة من التعاطف بينها وبين هؤلاء الشباب، وزيادة قدرة هذه الجماعات على تجنيد عناصر من قلب أحياء أوروبا بالذات التي تعاني التهميش. حيث استطاعت هذه الحركات عبر “الإرهاب الإلكتروني” نشر رؤية للعقيدة الإسلامية مفعمة بالتطرف، وتطلق على نفسها “الفرقة الناجية” التي تدافع عن الإسلام، وأن الخلاص لا يتم إلا بحمل السلاح والمواجهة.

وجدير بالإشارة أنه حتى في حالة تقويض تنظيم داعش ودحره نهائيا من العراق وسوريا عسكريا، فإن خارطة الجيل الجديد من تنظيمات العنف الجهادية مازالت في توسع وتستهوي الكثيرين ما لم تتم مواجهة التنظيم فكريا ومعالجة جذور الأزمة من المنبت.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون.

6