تناقضات حماس مع مصر

الاثنين 2015/07/06

كلما بدت الأمور تسير نحو الأفضل بين حركة حماس ومصر، إلا وقامت الحركة بتصرفات تؤكد صعوبة تحسين العلاقات، فقد حدث شرخ خبير، بسبب الإصرار على التدخل في شؤون مصر، ظهرت تجلياته عقب اندلاع ثورة 25 يناير 2011، وما تلاها من تطورات سياسية وأمنية دقيقة، عززت الشكوك في حماس ونواياها السلبية تجاه مصر.

عندما غلّبت القاهرة مصالح الأمن القومي، وأخذت خطوة مهمة تجاه طي الصفحة القاتمة، واستأنفت عدة جهات رسمية في مصر على حكم اعتبار حماس تنظيما إرهابيا، تصور كثيرون أن لحظة تصفية الأجواء حانت، ووقت تجاوز الأخطاء قد حل، لكن جاءت أحداث الأربعاء الماضي، التي قام فيها تنظيم “ولاية سيناء” بهجمات إرهابية عنيفة ضد مراكز للجيش والشرطة في شمال سيناء، ليعيد المخاوف من الدور السلبي الذي تقوم به الحركة، حيث أشارت معلومات من جهات مختلفة، إلى أن حماس كانت ضالعة في هذا الهجوم، من خلال تقديم دعم بشري ولوجستي لتنظيم داعش في سيناء، وصل إلى درجة نقل عناصر إرهابية لعلاجها في مستشفيات غزة.

مع أن حماس نفت بعض الروايات المصرية والإسرائيلية حيال الاتهامات التي وجهت لها، غير أن أحداث الأربعاء الدامي تركت جرحا سياسيا لن يندمل بسهولة، وخلفت وراءها أكواما من الهواجس، باعدت المسافات مرة أخرى بين الطرفين، لأن القاعدة التي بني عليها التحسن الجديد في العلاقات بين القاهرة وحماس، هو نفسه الذي تحول إلى منغّص، فبعد الحديث عن تفاهمات مشتركة للتعامل مع التنظيمات المتطرفة في كل من غزة وسيناء، جرى الترويج بأن حماس منغمسة في علاقات مشبوهة معها، وكأنها تتحدث بلسانيْن.

لسان معلن يشكو من مخاطر انتشار المتشددين ويبدي استعدادا للتعاون لبترهم، ويؤكد أن الحركة في خصومة ضارية معهم. وآخر غير معلن يمدد خيوط التواصل، وسواء كانت هذه الخيوط لدرء رياح الخطر عن حكم حماس في غزة وتصديرها إلى مصر، أو محاولة ابتزاز القاهرة لتليين بعض مواقفها المتشددة، ففي الحالتين هناك قلق مضاعف في نوايا حماس، التي رسخت قناعات سابقة عند قطاع كبير من المصريين، أن ولاءها لجماعة الإخوان المسلمين يسبق ولاءها الوطني للقضية الفلسطينية، لأن الأخير يحتم عدم الدخول في عداء مع مصر.

بالتالي ما حدث في سيناء الأسبوع الماضي، لن يعيد فقط التوتر إلى المربع الأول بين حماس ومصر، لكن مرجح أن تترتب عليه خطوات عملية، أهمها توسيع المنطقة العازلة بين رفح المصرية والفلسطينية، من ألف متر إلى 2800 متر، وهي المسافة التي بلغها أكبر نفق تم اكتشافه حتى الآن، وزيادة التشديد في عملية فتح معبر رفح، الذي شهد سيولة نادرة خلال الأسابيع الماضية.

الحاصل أن حماس لعبت على وتر بعض التعقيدات الإقليمية للضغط على مصر لتليين موقفها، فتارة تغازل إيران، وتلوّح بورقة تطوير العلاقات معها، في محاولة للإيحاء باستبدال طهران بالقاهرة، وتارة أخرى تفتح قنوات مباشرة مع إسرائيل، في رسالة تشي بتراجع دور الوسيط المصري، والأخطر أنها يمكن أن تقبل تفاهمات قاسية معها، منها ما يرى إمكانية الاتفاق معها على تقنين فصل غزة عن الضفة، الذي يحظى برضا قوى دولية، حيث يقود في النهاية إلى إنشاء دويلة إسلامية على مشارف مصر.

إذا كان سيناريو استمرار حكم الإخوان في مصر لقي فشلا ذريعا، فإنه من الممكن إحياؤه بصورة مغايرة، عبر معادلة حماس الجديدة في غزة، الأمر الذي يقود في حصيلته إلى تغيير نوعي في تكتيكات التعامل المصري مع ما يجري في قطاع غزة، لقطع الطريق على السيناريو الكارثي، الذي لا يصفي نهائيا القضية الفلسطينية، لكن يخلق المزيد من التوترات لمصر ودول أخرى مثل الأردن، لأن اكتماله يحوّل غزة إلى بؤرة رسمية لتجمع إسلاميين متشددين، من نوعية داعش والقاعدة وأخواتهما.

في ظل استعراض القوى (الفاشل) الذي حدث في سيناء الأسبوع الماضي، يمكن أن تزداد الأوضاع في شمال سيناء توترا، خاصة أن هناك تخطيطا يتم التمهيد له لعمل كماشة بين متطرفي سيناء ونظرائهم في غزة، ربما يتطور شكلها خلال الفترة المقبلة، وسط ما يتردد حول تسخين الجبهة العسكرية مع إسرائيل، من قناة غزة، أو قناة سيناء، فهناك تقديرات ذهبت إلى احتمال استئناف إطلاق الصواريخ على إسرائيل من هاتين القناتين، لخلط الأوراق الإقليمية، وتخفيف العبء على كاهل الإخوان، حيث تستعد الجماعة لمرحلة جديدة من مسلسل العنف في مصر.

على المستوى النظري يبدو هذا التفكير منطقيا، لاعتبارات خاصة بنقاط التلاقي الخفي بين حماس والإخوان والمتطرفين، ففي لحظات الرخاء والخطر يتجمع شملهما، ولعل ما حدث خلال فترة حكم الإخوان القصيرة في مصر (الرخاء) وما بعدها (الخطر)، خير دليل على هذا الاستنتاج، حيث نمت العلاقة بين الجماعة والمتشددين بشكل كبير، وتصاعدت ملامح التحالف بالإفراج عن إرهابيين من سجون مصرية، وتسهيل عمليات نقل البشر والأسلحة من غزة وليبيا والسودان إلى سيناء، وبعد السقوط من على شجرة الحكم، بدت معالم التحالف واضحة عبر الالتفاف حول توسيع نطاق أسلوب العنف.

أما على المستوى العملي، فمن الصعوبة اكتمال سيناريو الكماشة، الذي يتجاهل الأوراق الثمينة التي تمسك بها مصر، ويفترض خطأ وضع القاهرة دوما في خندق رد الفعل فقط، ولا يأخذ في الحسبان أن مصر تدرك حجم الأخطار التي تحيط بها، ولديها ترتيبات للتعامل معها، بصورة مباشرة وغير مباشرة، من داخل غزة وخارجها.

في كل الأحوال، تعززت معالم عدم الثقة في حماس، وأن سياسة الصفح وطريقة “عفا الله عما سلف”، لم تعد مجدية، كما أن لعبة القط والفأر التي مارستها واستثمرتها حماس لفترة من الوقت وحققت من ورائها بعض المكاسب، لن تستمر طويلا، فقد كشفت سلسلة التناقضات التي وقعت فيها الحركة حقيقة معدنها، وأن تمترسها في خندق الإخوان لن يمكنها، مهما طال الزمن، من تقديم أفكار خلاقة تقدم الوطن على الحركة.

كاتب مصري

9