تناقضات خطاب المؤسسة الدينية بين الميراث والحدود القطعية

الأزهر يشعر بفقدان حضوره إذا توقف عن فرض الدين على المجتمع في ظل حرصه على السيطرة المجتمعية والنفوذ الديني المتوارث في نطاق الأسر والعائلات.
الخميس 2018/12/06
علماء الأزهر يظهرون حماسة لمواجهة الإرهاب لكنهم يبقون على التأويلات المغذية للفكر المتشدد ضمن مناهجهم التعليمية

كشف موقف مؤسسة الأزهر من مسألة المساواة في الميراث بين المرأة والرجل عن ازدواجية في التعامل من قبل المؤسسة الدينية في مصر بشأن القضايا الحياتية وأحكام الشريعة الإسلامية، فالأزهر يتشبث بأحكام المواريث التي ذكرت في القرآن ويرفض تجديدها لكنه في المقابل يتساهل مع عدم تطبيق الحدود ويبررها بأنها مسألة تتعلق بالظروف التاريخية وتطور العصر. هذه الازدواجية تدل بشكل واضح على أن المؤسسة الدينية في مصر أو في غيرها من البلدان الإسلامية تنظر إلى الدين على اعتبار أنه مجال نفوذها الذي يشرع لها فرض سيطرتها على المجتمع، وإذا انتزعت منها تلك الصلاحية تفقد هيمنتها وأسباب وجودها وبالتالي تخسر حضورها.

القاهرة - وضعت المؤسسة الدينية الرسمية في مصر نفسها في فخ التناقض عندما أعلنت رفض الآراء المتعلقة بالمساواة بين الرجل والمرأة في الإرث باعتباره من ثوابت الشريعة ولا تحتمل الاجتهاد، وتجاهلت أن هناك حدودًا صريحة بالقرآن يتغاضى الأزهر عنها ويقبل عدم التطبيق الحرفي لها كحد السرقة وغيره.

نتج هذا التناقض من حرص الأزهر الشديد على السيطرة المجتمعية وعلى النفوذ الديني المتوارث في نطاق الأسر والعائلات، وهذا تعتبره المؤسسة الدينية مجال هيمنتها ونفوذها في وضعيتها الخاصة التي لا تتمتع معها بالهيمنة السياسية والسيطرة على مقاليد السلطة.

تتحسب المؤسسة الدينية التقليدية من مساعي اقتحام حيزها الخاص، المرتبط بشكل رئيسي بمسائل الأحوال الشخصية، كما كان الحال بشأن تيارات الإسلام السياسي والتيار السلفي، لأن هناك تصورا راسخا بضرورة موازنة القوة مع الدولة التي تعزز نفوذها من خلال أدوار سياسية واقتصادية وثقافية، لينشأ الحرص في المقابل باتجاه تعزيز حضور الأزهر كقوة اجتماعية، ولسان الحال ينطق بأن تغاضي المؤسسة الدينية عن إنفاذ الأحكام والحدود المُخاطَب بها الحاكم، يقتضي عدم المساس بساحات هيمنت عليها برؤى فقهية تقليدية.

دوافع التجديد والتطوير للحدود الجنائية هي ذاتها المتعلقة بتشريعات الأحوال الشخصية والمواريث متى عالجها الفكر النقدي الحديث

تتضح من وراء هذه الازدواجية أسباب الأجوبة الحادة من قبل علماء الأزهر وشيخه (أحمد الطيب) على مطالبات الرئاسة المصرية في مناسبات مختلفة والمتعلقة بضرورة طرح رؤى جديدة ومتطورة تناسب الواقع وتتواءم مع احتياجات المجتمع والتحديات التي تواجهها الأسر والمرأة على وجه الخصوص.

تكرر التحدي بصورة أكثر جرأة أثناء مؤتمر الاحتفال بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشهر الماضي، إذ وضح شيخ الأزهر في كلمته أنه في سبيل الحفاظ على قواعد وحواضن الأزهر الاجتماعية عبر ترسانة الأحكام الفقهية التقليدية، مستعد لتجاوز المهمة التي تعتبرها الدولة إحدى أولويات المرحلة وهي تجديد الخطاب الديني، مقدمًا نفسه كحارس للتراث الذي يجده مصدر تميز عن الشرائع السماوية الأخرى، ولامزًا من يطرح مشروع نقد التراث وإعادة قراءته، كونه ساعيا لهدم ما اعتبره الشيخ أحمد الطيب ثلاثة أرباع الدين.

السكوت عن الحدود

ما يدل على أن موقف المؤسسة الدينية من أحكام الحدود الجنائية التي اعتبرتها موقوفة ولا تطبق منذ عشرات السنين، هو من قبيل المواءمة السياسية، تناقض التعاطي مع ذات الملف في مناسبات مختلفة.

هناك العديد من أمثلة التناقض، منها ما حدث مع المجدد الأزهري عبدالمتعال الصعيدي، عام 1937، الذي ناقش مسألة الحدود في الإسلام، وقدّم فيها اجتهادًا مغايرًا عندما رآها قابلة للتعديل والتغيير وفق التطورات الاجتماعية والشروط التاريخية. وانتهى به الأمر بحرمانه من الترقية لخمس سنوات، ونقله للتدريس في محافظة نائية.

على النقيض، قام مجموعة من العلماء من بينهم شيخ الأزهر السابق جادالحق والداعية محمد متولي الشعراوي، ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي وهما من فقهاء جماعة الإخوان في عام 1989 أثناء ذروة المواجهات بين الدولة والتنظيمات الجهادية بإصدار بيان للدفاع عن ممارسات الدولة، وموقفها بشأن تطبيق الشريعة عبر طرح رؤية مرنة لقضية الحدود الجنائية.

مشروع التجديد سيظل داخل دائرة مفرغة
مشروع التجديد سيظل داخل دائرة مفرغة

تلك ليست قناعة المؤسسة الدينية الفعلية ولا قناعة تيار الإسلام السياسي الممثل بجماعة الإخوان بشأن الحدود الجنائية؛ فكلاهما يعتنق منهجية ابن تيمية الذي يُدرس فقهه بالأزهر، وجعل الحدود الفقهية قانونًا غير قابل للإلغاء والتطوير، وهي الرؤية التي ترجمها أبوالأعلى المودودي لاحقًا بجعل الحدود مع أحكام الأسرة ضمن منظومة تشريعية واحدة متكاملة غرضها تحقيق سيادة الله في الأرض.

وأطلق على المواد الفقهية التي تنجي في نظره من تسلط طبقة على أخرى ومن الرأسمالية الغاشمة مصطلح الأحكام الاقتصادية، وأطلق على المواد الفقهية المتعلقة بالأسرة مسمى “الأحكام البيتية”، وتتمثل في الحجاب الشرعي وقوامة الرجل وأحكام الطلاق والميراث والخلع وتعدد الزوجات وحدي الزنا والقذف، محددًا هدفها بقوله إنها تقف ضد “حرية النساء الشيطانية التي تهدد اليوم الأمن والسلام العالمي وتنذر بالقضاء على المدنية الإنسانية”.

دوافع مشتركة للتجديد

يتعلل “الأزاهرة” وقبلهم أعضاء تيار الإسلام السياسي بأن تجاوزهم لقضية الحدود وسكوتهم عنها كونها استثنائية تختص بوقائع جنائية محددة شرعت لها العقوبات وهو ما لا ينصرف إلى كافة فئات المجتمع لأن الجرائم أحداث فردية، أما المواريث فهي أحكام عامة تشمل المجتمع بأسره، واضعين إياها في مقام العبادات مثل الصلاة والصوم.

يُروج لهذا التصور، مع أن الحدود مرتبطة مباشرة بأمن واستقرار الدولة والمجتمع، ولذلك خُوطب بتنفيذها الحاكم والسلطة التنفيذية بصيغة الأمر الصريح.

ورأى البعض من الداعين إلى تطبيق الشريعة أن أحكام القصاص حق الإنسان وأن التعازير موكولة لحكم وتقدير القاضي، بينما الحدود حق الله وهي عقوبات لجرائم الزنا والقذف والسرقة والحرابة والردة والسكر والبغي، وتأتي في مرتبة أدنى منها أهمية تشريعات الأسرة المتعلقة بحقوق البشر والمنوط بتطبيقها أصحاب الشأن من عامة الناس كل حسب حالته، والمخاطبون بصيغ اختيارية.

الهدف من تقليل المؤسسة الدينية من مكانة الحدود مقابل أحكام الأسرة والمواريث إعاقة وصول ما عولجت به الحدود من رؤى تجديدية لتشريعات الأسرة والأحوال الشخصية التي تأتي منطقيًا في مرتبة أقل أهمية بخلاف ما ذهب إليه دعاة وعلماء الأزهر.

بقليل من التأمل نجد أن دوافع التجديد والتطوير بشأن الحدود الجنائية هي ذاتها المتعلقة بتشريعات الأحوال الشخصية ونظام الأسرة والمواريث متى عالجها الفكر النقدي الحديث وفكك مرتكزاتها الأيديولوجية وأخضعها للمقارنة بين اعتبارات كانت تخضع لها المجتمعات التقليدية في الماضي، ومتغيرات ومتطلبات الواقع الحالي.

من جددوا وطوروا إشكاليات الحدود نظروا إليها باعتبارها عقوبات تاريخية كانت معروفة قبل الإسلام وناسبت ولاءمت البيئة والمجتمع الذي شهد انطلاقة الإسلام الأولى؛ إذ من الطبيعي والمنطقي أن تكون عقوبة السرقة قاسية في المجتمع البدوي، حيث كانت الأداة المتاحة لتوفير حد أدنى من النظام في غياب سلطة سياسية ومنظومة أمنية يمتد نفوذها إلى سائر أفراد المجتمع وتبسط هيمنتها على كامل جغرافيا الدولة.

موقفًا سلبيًا من المرأة وميراثها باعتبارها الطرف الأضعف
موقف سلبي من المرأة وميراثها باعتبارها الطرف الأضعف

كان ما نص عليه القرآن بشأن العقوبات منسجمًا مع مقتضيات المرحلة، فكانت العقوبات البدنية لازمة للتعامل مع اللصوص وقطاع الطرق حيث لا توجد مقرات أمنية ولا سجون وقد ينتقل قاطع الطريق من منطقة إلى أخرى ولا تكتشف أمره القبائل، فكان القطع عقوبة لا يرى الناس عنها بديلًا للتعريف بمعتادي الجريمة والحذر تجاههم فضلًا عن كونها العقوبات الأنسب لطبيعة المجتمعات حينئذ.

لم يخالف المجددون والمشرعون العصريون القرآن عندما عوضوا العقوبات البدنية بعقوبات السجن والتي هي أكثر تلاؤما مع روح القرآن وأكثر انسجامًا مع متغيرات الواقع وما طرأ على المجتمعات من تغييرات هائلة، لأن القرآن يسمح بحرية الإنسان في سن القوانين والتشريعات الملائمة لأوضاعه.

يحمّل فهم القدامى لصياغة تشريعات الأسرة المحدثين مسؤولية التطوير والتجديد متى تطورت المجتمعات وبرزت فيها قيم أكثر تناغمًا مع هذا التطور، ومتى طرأت متغيرات على حال الأسر وأنماط وضع المرأة وأسلوب حياتها، وهو الدافع نفسه الذي فتح المجال لتطوير الرؤية بشأن الحدود الجنائية.

فقد برروا قديمًا منح المرأة نصف نصيب الذكر لأن نفقتها واجبة على ابنها أو أبيها أو أخيها أو غيرها من الأقارب وهي لا تكلف بالإنفاق على أحد بخلاف الرجل.

يستدعي ذلك مقاربة أخرى أكثر ملاءمة وتطورًا إذا تغير الحال مع تطور العصر وتحولت المرأة إلى شريك منتج في المجتمع، وصارت بمقتضيات المستجدات تعمل وتحكم وتنتخب وتتحمل نفقات وتشارك في مختلف مجالات الحياة العامة بعدما كانت وظيفتها تقتصر على الإنجاب وتربية الأطفال، وبعدما صارت تتساوى مع الرجل في الحقوق المدنية والواجبات.

 تسير المؤسسة الدينية على خطى التيار السلفي والإسلام السياسي الذي عمد إلى استخدام مصطلح “أحكام الشريعة” في سياق المادة الدستورية الخاصة بحقوق المرأة، وهي المادة السادسة والثلاثون من دستور العام 2012 والمعدل في العام 2014، والتي نصت على أن “تتخذ الدولة جميع التدابير الرامية إلى تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في جميع المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وجميع المجالات الأخرى بالقدر الذي لا تتعارض فيه مع أحكام الشريعة”.

المبادئ فوق الأحكام

جاء اختيار “الأحكام” بدلًا عن المبادئ للتلاعب بالقيود التي يضعها القانون المصري على إمكانية طلاق الرجال لزوجاتهم وتعدد الزوجات وما يفرض على الجنسين بشأن الحد الأدنى لسن الزواج، علاوة على التعاطي مع كافة تشريعات الأحوال الشخصية والأسرة بما فيها المواريث بالإذعان للتأويل الحرفي للنص، دون أدنى تطوير تحت مظلة تحقيق المبادئ الدستورية العامة التي قد يتناقض معها حكم أو قانون في غير محله أو في غير أوانه.

العمدة فيما يتعلق بالمبادئ الدستورية الخاصة بالحدود هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم “كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد”، بما ينطوي على تقديم للقيم العليا من مساواة وعدل، والتي إذا غابت فلا قيمة لحدود وأحكام. والرسول هنا يعيب عليهم تغييب القيمة الدستورية العليا “المساواة أمام القانون” رغم إقامتهم لحد السرقة “القانون العقابي”، ومعنى ذلك أن المبدأ الدستوري هو الغالب والمحك وليس الحكم الفقهي أو القانون.

القانون أو الحكم الفقهي ليسا مقصودين لذاتهما إنما لتحقيق المبدأ العام، ولذا دعا المجددون إلى المساواة بين المرأة والرجل معتبرين أن مقصد الإسلام تحقيق مبدأ المساواة الاجتماعية والعدالة التامة بينهما، الأمر الذي يقتضي الدوران مع المبدأ بتطور الزمن، ما دام ليس هناك ما يدل على أن ما وصل إليه التدريج في حياة النبي هو نهاية المأمول وصولًا إلى ذروة تحقيق تلك المبادئ.

المجددون دعوا إلى المساواة بين المرأة والرجل معتبرين أن مقصد الإسلام تحقيق مبدأ المساواة الاجتماعية والعدالة
المجددون دعوا إلى المساواة بين المرأة والرجل معتبرين أن مقصد الإسلام تحقيق مبدأ المساواة الاجتماعية والعدالة

وما دامت الآيات المتصلة بالميراث ذات طابع اختياري باعتبار أن للإنسان الحق في أن يوزع تركته على أقاربه على نحو غير النحو الذي يحدده الفقه عن طريق الوصية، فإن الأمر يمنح المشرعين الجدد فرص إثبات شرعية الوصايا التي يرغب الموصون بها في إقامة المساواة بين ذريتهم دون اعتبار فوارق الجنس ومع الوضع في الاعتبار ظروفهم الآنية واحتياجاتهم كل بحسب وضعه وحالته من ناحية الوظيفة والمستوى المعيشي والوضع الاجتماعي والاقتصادي.

ظل هناك ما يشبه الاتفاق الضمني بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة الدينية الرسمية؛ وفي مقابل توفير الموارد المالية الهائلة للأزهر جامعًا وجامعة ومنحه درجة من الاستقلالية يظهر بها كمحتكر أوحد للخطاب الديني والتحدث باسم الإسلام، كان الأزهر يقوم بدور ملتبس في دعم الدولة ضد التنظيمات المتشددة.

يظهر الأزهر وغيره من المؤسسات الدينية متحمسًا للمواجهة ضد الإرهاب والتطرف على الرغم من إبقائه على التأويلات الفقهية المغذية للفكر المتشدد ضمن مناهجه التعليمية، كما يبدو متجاهلًا لبعض الفصول التشريعية التي يجدها متعارضة مع خط الدولة مثل الحدود الجنائية، في حين يتخذ موقفًا سلبيًا من المرأة وميراثها باعتبارها الطرف الأضعف.

 أدى هذا التحالف الضمني بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية إلى ضعف موقف الدولة والنظام السياسي القائم حيال مختلف الملفات ذات الصلة؛ فهي مكبلة وغير قادرة على التحرك باتجاه توسيع دائرة التجديد والدفع بمشاريع تنويرية تجديدية من خارج نطاق الأزهر، الأمر الذي يعجل بسقوط مشاريع التجديد والتنوير الجادة التي يتربص بها الأزهر ولا تجد حماية ومساندة من الدولة.

اللعب على العاطفة الدينية

من بوابة هذا التحالف نافس الأزهر الدولة في رمزيتها باللعب على العاطفة الدينية وبالحرص على الإبقاء على مؤسسته متماسكة عصية على الاختراق والتفكيك عبر تهميش أو طرد أو استهداف كل من يقدم إسهامًا ملحوظًا في مجال التجديد والاجتهاد من داخل المؤسسة، علاوة على الإبقاء على قوة ونفوذ التيار المحافظ وذوي الانتماءات السلفية والإخوانية داخل الأزهر كيلا يترك مجالًا يتمدد فيه الجناح الحكومي وتيار المستقلين.

إزاء هذه المعادلات ذات المسار الواحد والخيارات المحدودة يحرص الأزهر على المناورة في ملف تجديد الخطاب الديني وعلى عدم الاستجابة لدعوات تطوير وتنقية مناهجه التعليمية، علاوة على تصميمه بشأن الحفاظ على مجال نفوذه الديني داخل المجتمع عبر التمسك بالفقه التقليدي كيلا يخسر ظهيرًا أساسيًا يسانده في المواجهات التي يخوضها على أكثر من جبهة.

يعني هذا أن مشروع التجديد سيظل داخل دائرة مفرغة، بينما يتراكم إرث الجمود الذي زادت وطأته على المجتمع بقوة ونفوذ الأزهر والمؤسسة الدينية الرسمية، التي تشعر بفقدان حضورها وبأنها تمضي باتجاه الضعف والأفول إذا توقفت عن فرض الدين على المجتمع واستهداف الأسرة والمرأة بالفتاوى والأحكام الفقهية التقليدية.

13