تناقض الحكومات عقبة أمام حرب فيسبوك على الكراهية

سياسيون يدافعون عن المحتوى المتطرف عندما يتلاءم مع توجهاتهم.
السبت 2019/12/14
مطالب الحكومات المتناقضة تربك فيسبوك

تختلف تفسيرات الحكومات والسياسيين لحرية التعبير والتعددية السياسية عندما يتعلق الأمر بخطاب الكراهية، بما فيها في الدول الغربية الديمقراطية، فرغم مطالباتها وضغوطها المتكررة على المنصات الاجتماعية مثل فيسبوك وتويتر لمحاربة التحريض على العنف والكراهية على منصاتها، إلا أن تباينها في تعريف الخطاب المتطرف يعرقل المساعي في محاربته.

برلين - أعلنت وزيرة العدل الألمانية، كريستينه لامبرشت، عن مشروع قانون يشدد الغرامات على منصات التواصل الاجتماعي في حال عدم التزامها بإبلاغ السلطات عن تهديدات أو جرائم أو منشورات كراهية على منصاتها، بعد يوم واحد من قرار قضائي إيطالي يجبر شركة فيسبوك على إعادة تنشيط حساب، لحزب يميني متطرف كانت قد أوقفته لنشره خطاب كراهية على منصتها.

ومنذ سنوات دأبت الحكومات الغربية والمسؤولون السياسيون على إلقاء اللوم على المنصات الاجتماعية للسماح بنشر محتوى يحوي تحريضا على العنف والكراهية، وفي نفس الوقت تعرقل بعض هذه الحكومات تدابير مشددة للمنصات الاجتماعية بحجة حرية التعبير، خصوصا مع موجة المد الشعبوي وصعود أحزاب اليمين المتطرف في عدة دول أوروبية المسؤولة بشكل كبير عن انتشار هذا النوع من الخطاب.

وذكر حزب “كاسابوند” الإيطالي الفاشي الجديد، الخميس، أنه فاز بمعركة قضائية ليتم إعادته إلى موقع فيسبوك، الذي كان قد طرد منه قبل ثلاثة أشهر، حيث أزال فيسبوك في سبتمبر الماضي، حزب “كاسابوند” وحزب “فورزا نوفا” اليميني المتطرف، لخرق قواعد الشبكة الاجتماعية بشأن خطابات الكراهية.

وقال الحزب في بيان نقلا عن حكم القاضية ستيفانيا جاريسي إن محكمة مدنية في روما أمرت “بإعادة التنشيط الفوري” لصفحة كاسابوند على فيسبوك.

كما أمرت بإعادة الصفحة الشخصية الخاصة بسيمون دي ستفانو زعيم كاسابوند وقضت بضرورة تغريم فيسبوك 800 يورو (890 دولارا) لكل يوم من تأجيل الإذعان للأوامر.

وقال كاسابوند في بيان إن القاضية قالت إن استبعاد كاسابوند من فيسبوك يقيد التعددية السياسية وهو مبدأ منصوص عليه في الدستور.

وعلق ناطق باسم شركة فيسبوك “نحن على دراية بقرار محكمة روما المدنية ونحن نفحصه بعناية”.

يشار إلى أن كاسابوند وفورزا نوفا هما حزبان هامشيان، حيث أن كلا منهما فاز بأقل من 1 بالمئة في الانتخابات العامة الأخيرة. ولكنهما كانا فاعلين بشدة على فيسبوك ولجآ إلى لغة خطابية عدائية مناهضة للهجرة. وما زال الحزبان لديهما حسابات نشطة على تويتر.

وهنا يبرز السؤال كيف يمكن لمنصات مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام وغيرها محاربة خطاب الكراهية مع هذا التناقض بين الحكومات والسلطات في الدول الأوروبية، فإيطاليا ليست البلد الوحيد الذي عرقل إجراء لفيسبوك يهدف إلى محاربة الخطاب المتطرف، إذ يستمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شن هجمات على مواقع التواصل الاجتماعي لحذفها حسابات شخصيات أميركية يمينية عنصرية متطرفة.

وكتب ترامب في تغريدة على موقع تويتر، مايو الماضي، قائلا إنه سيراقب “الرقابة المفروضة على مواطنين أميركيين على مواقع التواصل الاجتماعي”.

وأضاف ترامب سلسلة تغريدات أخرى دعم من خلالها شخصيات أميركية يمينية اشتهرت بعنصريتها وتحريضها على المجموعات غير البيضاء في الولايات المتحدة وخارجها، ما دفع بعض شركات التواصل الاجتماعي إلى حذف حساباتها.

وكانت الشركة قد أعلنت حذف حسابات اليميني المتطرف، أليكس جونز، وشخصيات سياسية أميركية أخرى مثيرة للجدل بسبب انتهاك سياسة الشركة الخاصة “بالشخصيات والمنظمات الخطيرة”. منهم بول نيلين، وهو متعصب ينادي بسيادة العرق الأبيض وخاض انتخابات الكونغرس عام 2018.

وقامت الشركة بإزالة حسابات وصفحات ومجموعات وأحداث مرتبطة بالأفراد المحظورين سواء على شبكتها الاجتماعية الأساسية أو على تطبيق إنستغرام لمشاركة الصور، في إطار خطتها لحظر أي مستخدم يروج للعنف أو الكراهية.

وعلى الضفة المقابلة، تواجه فيسبوك ومنصات التواصل الاجتماعي الأخرى ضغوطا مكثفة من دول مثل ألمانيا لمنع انتشار مثل هذا المحتوى الذي يدافع عنه ترامب والأحزاب اليمينية في أوروبا.

وتعتبر الإجراءات الألمانية نموذجا إيجابيا لمحاصرة الخطاب المتطرف والمعادي للهجرة والأجانب على المنصات الاجتماعية، خصوصا بعد ارتكاب متطرفين لعدة جرائم بشكل مباشر كما حدث في الهجوم الذي استهدف مسجدين في مدينة كرايست تشيرتش في نيوزيلندا.

وحذرت وزيرة العدل الألمانية كريستينه لامبرشت من أن عدم التزام المنصات الاجتماعية بمحاربة خطاب الكراهية والتحريض، يعرضها لغرامات قد تصل قيمتها إلى نحو 50 مليون يورو.

وقالت لامبرشت “من يحرض أو يهدد على الشبكة، ستجرى ملاحقته في المستقبل على نحو أشد وأكثر فعالية”.

وذكرت لامبرشت أنه تمت على نحو متكرر مؤخرا ملاحظة أن الكلمات تتحول إلى جرائم، وأن اغتيالات تحدث عقب نشر الكراهية على الإنترنت.

وتطبق الوزيرة بذلك حزمة إجراءات أقرها مجلس الوزراء نهاية أكتوبر الماضي ضد التطرف اليميني وجرائم الكراهية.

كما تعتزم لامبرشت فرض المعاقبة على تهديدات، ليست فقط بالقتل، بل أيضا بالتسبب في إصابات جسدية، مستقبلا على أنها جريمة، موضحة أن من يهدد شخصا على الإنترنت بإلحاق إصابات جسدية به، عليه أن يتوقع السجن لمدة تصل إلى عامين، وفي حالة التهديد بالقتل لمدة تصل إلى ثلاثة أعوام، كما ستجرى معاقبة من يبارك جرائم معلنة.

من الصعب على الذكاء الاصطناعي تصفية بيانات لمنشورات عشوائية، تتطلب في الأغلب فهما إنسانيا لأبعاد المواقف

ومن شأن هذا المشروع أن يضيف تحديات أكبر على المنصات الاجتماعية، التي اتخذت بالفعل إجراءات عديدة للاستجابة للمطالب بالحد من خطاب الكراهية، غير أن قدرة تقنياتها وخوارزمياتها على اكتشاف كل الخطابات التحريضية والمعادية لن تصل إلى درجة عالية من الدقة لمكافحتها تماما، خصوصا أن بعض المنتقدين يرون أن هذه التقنيات قد تزيل المحتوى الجيد في بعض الأحيان لأنها تعتمد على تقنيات وكلمات مفتاحية محددة.

وعرضت فيسبوك تقريرا في نوفمبر الماضي عن تطبيق المعايير المجتمعية على المحتويات التي تنتهك هذه المعايير، وكذلك مدى فعالية فيسبوك في مواجهة هذا الخطر.

وذكرت أن أبرز التحديات التي تواجه فيسبوك هو كشف المحتوى الذي ينتهك المعايير والسياسات المجتمعية للموقع، قبل أن يدركها المستخدم، وعند النظر إلى ما يطلق عليه “المعدل الاستباقي” للأنواع المختلفة من الانتهاكات، تتضح طبيعة التحدي الأكبر الذي تواجهه أوسع شبكة اجتماعية في العالم، بغرض الحفاظ على نظامها الأساسي.

وفي حين أنه من السهل جدا على الذكاء الاصطناعي أن يكتشف الصور التي تتضمن عريا أو إباحية أو عنفا جسديا واضحا، إلا أن عملية تصفية بيانات لمنشورات عشوائية، لتحديد محتوى يتضمن خطاب كراهية أو تنمرا أو تحرشا، تتطلب في الأغلب فهما للسياق، وفهما إنسانيا لأبعاد المواقف على اختلافها.

ولا يزال موقع فيسبوك يعتمد بشكل أساسي على التكنولوجيا، لتحديد المحتوى الضار المحتمل، بمشاركة بشرية في مراحل لاحقة من عملية المراجعة، لمحاولة تحديد خطاب الكراهية أو التنمر قبل مستخدميه. وعلى الرغم من أن معدل نجاح الشركة في كشف خطاب الكراهية قد تحسّن من 52 بالمئة إلى 80 بالمئة على مدار الـ12 شهرا الماضية، إلا أن ذلك المعدل لا يزال أقل كثيرا من ذلك في محتويات أخرى تنتهك سياسات الشركة.

18