تناقض مرجعية الإسلام السياسي مع الإسلام ومنطق التطور

الاثنين 2014/07/14
لم يتمكن الإسلاميون من فهم العلاقة بين الوطن والدين فانتهى بهم الأمر إلى الفشل

تونس- طرحت مفارقة أحزاب الإسلام السياسي في ادعائها أن مرجعيتها هي “دين الإسلام” وممارستها المتسمة بشكل عام إما بدهاء سياسي ماكر أو عنف دموي متشدد، مسألة التفكير في البحث مليا عن التناقضات التي تفرق بين الإسلام كدين سماوي مقدس، وبين “الإسلام الحركي أو السياسي”. وهو التناقض الذي وصل إليه الباحث في الإسلاميات التونسي عبد المجيد الشرفي في كتابه الأخير “مرجعيات الإسلام السياسي”.

ينطلق عبد المجيد الشرفي في بحثه عن أسس التناقض بين جماعات الإسلام السياسي والتعاليم الدينية الإسلامية من الشرارة الأولى التي سارعت فيها التكتلات المتخاصمة على خلافة الرسول إلى إلباس رغبتها في السلطة آنذاك بالدين والهالة القدسية، “فقد توسع استخدام النص الديني للمصلحة السياسية خصوصا في الصراع بين معاوية وعلي بن أبي طالب، باستغلال جملة من الفقهاء والمجتهدين الذين احتاجهم كل خصم لتبرير قراراته وإلباسها لبوسا دينيا”. وقد مثل هذا المنطق نقطة ارتكاز لفهم الحركات الإسلامية الحديثة.


وهم المرجعية الإسلامية


يصل الباحث التونسي عبد المجيد الشرفي إلى جملة من الملاحظات حول ديناميكية تفكير فقهاء الإسلام السياسي، والتي ترتكز إلى جملة من المسلمات خارج النص الديني (أساسا القرآن).

إذ تمثل كتابات الإمام الشافعي وهو من بين المجتهدين في الإسلام، المرجع الأساس في المنظومة الأيديولوجية للإسلام السياسي، وهي مرجعية تعتبر مأزومة إلى حد بعيد بالنظر إلى إعلائها الأحاديث النبوية وسلوكات الرسول عن النص القرآني في أغلب الأحيان.
مرجعية الإسلاميين ليست «الدين الإسلامي» بل اجتهادات عدد من الفقهاء تخدم مشروعهم السياسي

إذ تطرح مسألة اعتماد الحديث كمرجعية رئيسية في إصدار الاجتهادات والأحكام، مشكلات كثيرة. فبالإضافة إلى أن الأحاديث متصلة بظروف إطلاقها والحاجات التي كانت تجيب عنها، فإنها تطرح أكثر من علامة استفهام حول صحتها ووثوقيتها. إذ لم يكتب الحديث زمن الرسول، بل كتب بعد أكثر من مائة وخمسين عاماً تقريبا، ونقلا عن قيل وقال، وتجاوز عددها أحيانا مئات الآلاف لدى بعض الفقهاء والرواة.

يضاف إلى كل ذلك ما هو معلوم في التاريخ الإسلامي من أن الأحاديث كانت تتواتر وتزدهر في سياق الصراع السياسي والاجتماعي بين الفرق والقبائل على السلطة، بحيث تستحضر كل قوة وطرف جملة أحاديث تدعم عبرها موقفها في وجه الخصم.

كما أن المذاهب الأساسية التي انبثقت عن الصراعات والانشقاقات ترفض الاعتراف بأحاديث المذهب الآخر وتراها منحولة أو مزورة، مما يؤكد نظرية استخدام المقدس الديني في الدنيوي السياسي وهي الأداة الفعالة التي ترتكز إليها جماعات الإسلام السياسي للكسب الجماهيري ودمغجة العقول.

والمقصود من قبل الباحث في هذا الإطار هو الإشارة إلى القصور في المرجعية النظرية التي اختارتها أيديولوجية الإسلام السياسي (الشافعي على سبيل المثال وليس الحصر). فمعيار الإسلاميين في الوقوع على تنظيرات فقهاء بعينهم هو “مدى خدمة هذه التنظيرات لمشروع الإسلام السياسي الرامي للوصول إلى السلطة عبر إلباس سياستهم ثوبا دينيا”، وفي كل الحالات يظهر قصد عبد المجيد الشرفي في تفسيره لهذا الظاهرة والذي يؤكد أن مرجعية الإسلاميين ليست “الدين الإسلامي” بل “جملة من الفقهاء الذين اجتهدوا في مدى معين في النصوص” فالمرجعية إذا هي “بشرية” وليست إلهية.


ماضوية تناقض تطور الإسلام


يؤكد عبد المجيد الشرفي أن الإسلام السياسي يستمد قوة حضوره على الساحة السياسية والشعبية من تكريسه لمنطق “الخروج عن التاريخ والسكون في الماضي”. وهو أمر يوقف البداهة البشرية في التطور والتلاؤم مع العصر، والتوقف عند أحداث تعود إلى تاريخ قديم نزلت فيها أحكام خاصة لا تتطابق مع حاضرنا اليوم، وهذه الطريقة تمكن الإسلاميين بشتى أنواعهم من استدراج المتقبل إلى مكان وزمان يختاره المخاطب الإسلامي للغياب عن وعي الواقع والانسياق وراء أهداف الخطاب الإسلامي الرامي إلى الاستحواذ على السلطة بتلك الطريقة.

معيار الإسلاميين في الوقوع على تنظيرات فقهاء بعينهم هو (مدى خدمة هذه التنظيرات لمشروع الإسلام السياسي الرامي للوصول إلى السلطة عبر إلباس سياستهم ثوبا دينيا)

وتطرح المنظومة الفكرية للإسلام السياسي جملة إشكاليات، تفترض إعادة النظر في قيمها وأهدافها. ويصر الإسلام السياسي على “الإقامة في الماضي” واعتبار ما أتى به هذا الماضي هو الصحيح الواجب التزامه راهنا.

إذ قد تكون أحكام السابقين مناسبة لظروف المجتمع وعاداته وتقاليده ودرجة تطوره، لكنه يقف على درجة من المعاداة الواسعة للتاريخ وللتطور البشري، مما يجعله رافضاً لقيم الحداثة ولمنطق التقدم الذي تعرفه المجتمعات البشرية.

وقد يكون تقديس هذا الماضي وموروثاته من أكبر العقبات في وجه التغيير والإصلاح، فإلباس تقاليد معينة ثوب الدين يجعل منها عصية عن التغيير خصوصا إذا ما كانت النظرة إلى الدين مشوهة، بحيث لا تميز بين جوهر الدين المتصل بالأخلاق والروح الأخوية والتسامح ومحبة الآخر، وهي أمور يمكن القول أنها تتجاوز الزمان والمكان، وبين ما هو متصل بالحياة اليومية وحاجات المجتمعات إلى قوانين وأحكام، وهي من القضايا التي تتغير بتغير الظروف وزمانها ومكانها.

ويخلص الشرفي في بحثه عن حقيقة مرجعيات الإسلام السياسي إلى جملة من التساؤلات التي تعبر عن سبل تفكير للحركات الإسلامية حتى “تتمكن من الانخراط في العصر” والتكيف مع الواقع كشرط للتواجد، “فلا مجال لإصلاح الإسلام السياسي ودخوله في العصر وابتعاده عن العنف إلا بإنتاج ثقافة جديدة تتسم بصفات متعددة أبرزها أن تكون ثقافة تاريخية، أي لا يتم فيها الإدلاء بمعلومات مفصولة عن الظروف التي أنتجتها والرهانات التي كانت موجودة والمعاني المخصوصة لها، وأن تكون ثقافة علمية تتقبل المعرفة الحديثة، وأن تكون ثقافة ديمقراطية”.

13