تناقض واشنطن يستبيح الدم السوري

الثلاثاء 2016/10/04

تحاول الإدارة الأميركية في الأيام الأخيرة إظهار موقف يبرّئها من الدم السوري الذي تستبيحه الطائرات الروسية إلى جانب طائرات الأسد. فتارة تتحدث عن احتمالات وقف التنسيق العسكري مع الروس في سوريا، وتارة أخرى تتحدث عن احتمال وصول صواريخ محمولة مضادة للطائرات إلى المقاتلين السوريين، وصولا إلى الإعلان عن قرب وقف التفاوض مع الروس بشأن سوريا.

استغرق هذا الحديث أكثر من أسبوع في حين استمر السوريون المحاصرون في حلب محرومين من أبسط مقومات الحياة، يتعرضون لأبشع مجزرة ارتكبت بحق البشر في التاريخ تستخدم فيها أسلحة الطائرات الأشد فتكا والأكثر ضراوة بما فيها المحرمة دوليا بعرف هذا النظام العالمي الخسيس، والتي تستهدف المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ وتضرب حتى الملاجئ والمرافق تحت الأرض وتستهدف بصورة خاصة البنى والهيئات المخصصة للإنقاذ والاستشفاء (مرافق طبية وإسعاف وسيارات ومراكز الدفاع المدني ومستودعات الأدوية ومرافق المياه)، وكذلك قوافل المساعدات الإنسانية في أكبر جريمة بحق الإنسانية يتهلل لها وجه الجلاد الغاصب للسلطة في قصر المهاجرين.

وبين ما سمّي مفاوضات حول التنسيق العسكري في سوريا التي دارت على مدى الأسابيع الماضية بين وزير خارجية فلاديمير بوتين سيرجي لافروف، ووزير خارجية باراك أوباما، جون كيري، وصولا إلى الاتفاق الذي تم توقيعه بينهما والذي بقيت بنوده سرّية وإعلان وقف النار الذي لم ينفذ، وبين انعقاد ما يسمّى زورا لجنة دعم سوريا الذي لم يسفر عن شيء وصولا إلى انعقاد اجتماع مجلس الأمن الخائب، يكون قد وصل المحاصرون في حلب من مدنيين يقدر تعدادهم بست مئة ألف إنسان إلى حافة الموت بسبب حرمانهم من الطعام والمياه والدواء، وتعرضهم لمختلف أشكال الاستهداف بالقنابل التي يمارس الاحتلال الروسي هوايته في تجربتها على مدينة شبه منزوعة السلاح.

في هذا الموقف نقول للمعارضة السياسية السورية ولوفد التفاوض، لا تفرحوا للموقف الأميركي الذي يأخذ أسابيع ليحاول أن يتبلور، وفي نهاية المطاف لن يصل إلا إلى اتفاق آخر مع الروس بعد أن تكون مدينة بحجم حلب قد تم إفناؤها. فعلى مدى سنوات عوّلتم كثيرا على مواقف ودعم قوى الهيمنة العالمية، فحصد الشعب السوري خسارة بمئات الآلاف من الضحايا والملايين تجاوزت نصف تعداده من المشرّدين في أصقاع الأرض، وبلادا تم تدميرها، ومدنا تم إخلاؤها.

فالتردد الأميركي الذي يحاول إظهار موقف يبرّئ الأميركيين من الدم السوري ليس إلا مسرحية ينبغي ألا تحرف الأنظار وألاّ تستدرَّ العواطف.

وهنا نقول، لم يعد أمام السوريين إلا التحرك باستقلالية تامة وبإمكانياتهم الحرة مهما بدت ضئيلة متواضعة. لا تنتظروا الصواريخ المضادة للطائرات التي لم تمتلكها عناصر جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) حين هزمت الاحتلال، ولا تنتظروا مواقف قوى الهيمنة التي لم ينتظرها هؤلاء في مواجهاتهم ثم انتصروا، بل عودوا إلى توظيف جهودكم الذاتية فلستم أقل من هؤلاء قدرة ولا جدارة بالانتصار. نقول هذا للسوريين المسحوقين في طاحونة الدم الذين لم يعد لديهم شيء ليخسروه، سواء أكانوا في سوريا أم في جهات الأرض الأربع، وليس للوفود الأنيقة من قوى التبعية العمياء.

هناك سلاحان أصبح من الواجب استخدامهما وهما يحتاجان إلى تنظيم متواضع للقدرات لن تعجزوا عنه؛ السلاح الأول الأكثر إلحاحا: تحرك واسع في الخارج يشتمل على المظاهرات والاعتصامات المفتوحة خصوصا أمام مقرات المنظمات الدولية حيث وجدت. وكذلك البعثات الدبلوماسية الروسية والأميركية والإيرانية والسورية حيث أمكن، وهنا نقول لكل من يستطيع الانضمام ثم لا يتحرك من السوريين ومن يعلن موقفا مؤيدا لقضيتهم، سواء كان عربيا أم أجنبيا: الصمت عار. فليبدأ التحرك توّا ولا يتخاذل عنه قادر.

أما السلاح الثاني فهو عسكري يستهدف مواقع الروس والإيرانيين بمختلف ميليشياتهم في مناطق سيطرة النظام والذي يمتنع تماما عن إيقاع أي أذى بالمدنيين، هناك لن تنفعهم طائرات ولا صواريخ. وهذا يحتاج إلى تنظيم دقيق ووعي عال بالمسؤولية وصولا إلى تحقيق “ضربة مقابل كل ضربة” يتعرض لها المدنيون على أيدي هؤلاء.

هذا لا يحتاج إلى أسلحة معقدة ولا إلى دعم من الخارج، بل يحتاج إلى جرأة عالية ووعي وتنظيم وسرية مطلقة في العمل، بالإضافة إلى أسلحة متواضعة قادرة على ضرب المواقع والآليات غير المدرعة والمدرعة إن أمكن، والأشخاص من ضباط وقادة عسكريين (الضربات الموجعة). إذ لا بد من تغيير قواعد اللعبة العسكرية بشكل كامل إذا أردنا لشعبنا أن يخرج من هذا الجحيم الذي وضعه فيه نظام عالمي مجرم تسيطر عليه المافيات وأجهزة المخابرات التي تحرك أعتى القوى العسكرية وأشد المجرمين تخلفا من ميليشيات النظام الإيراني، إلى القوات الروسية، إلى الدواعش بمختلف تسمياتهم.

وهنا نعود لنكرر ما سبق أن ذكرناه في حق جمول (جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية) وما قدمته من عِبَر لكل المناضلين من أجل الحرية في العالم إن أهم ما قدمته “جمول” من عبر في مجال مقاومة الاحتلال، أنه بأبسط الوسائل، يمكن دحر أعتى قوة احتلال متى توفرت العزيمة والجرأة والتنظيم والالتزام والمثابرة، وأنه متى تطابقت الأهداف مع تطلعات الشعوب وتأكد التمسك بقضايا المجتمع وخياراته وبحرية القرار، يصبح الشعب كله مقاومة وبمختلف الأشكال والأساليب، وأنه لا يمكن أن نتوقع من قوى الهيمنة الإقليمية والعالمية أن تتقاطع مصالحها مع تطلعات الشعوب، وأنه لا يمكن الركون إلى أو التحالف مع أي من القوى الطائفية أو المذهبية أو قوى الاستبداد مهما كان لونها حتى لو قاتلت العدو المشترك وقدمت في ذلك المآثر، لأن تلك القوى لا يمكن لها أن تستمر إلا برعاية ظاهرة أو خفية من أيّ من قوى الهيمنة الخارجية التي تفرض تنفيذ أجنداتها، ما يضعها حكما، عاجلا أو آجلا، في موقع العدو.

ومن يعتبر أن هذه المهمة تحتاج إلى وقت طويل نقول، بمجرد دخول قوات الاحتلال الاسرائيلي إلى بيروت بعد حصارها وتدمير الكثير من بناها التحتية تأسست جمول التي استطاعت بعد أيام قلائل أن تفرض على المحتل الخروج ذليلا مدحورا.

لم يتبقَّ للسوريين ما يخسرونه. فلتكن المواجهة الشاملة داخليا وخارجيا، المواجهة بقوانا الذاتية الحرة وحدها ستحقق النجاة والنجاح متى اعتمدنا عليها وأحسنا تنظيمها وتوظيفها. ولتذهب المفاوضات والمفاوضون معها إلى الجحيم.

كاتب لبناني

6