تنامي أعداد معتنقي الإسلام يثير المخاوف بين سياسيي أوروبا

لا يمكن التكهن بما يمكن أن يؤول إليه معتنق الإسلام حديثا في أوروبا، فالأمر قد يتم عبر إحدى الخلايا المتطرفة التي تستقطب الشباب وتقوم بتجنيدهم للقيام بأعمال إرهابية داخل دول أوروبا أو تسفيرهم إلى مناطق النزاع في دول الشرق الأوسط. ولكن في أحيان أخرى عديدة، يكون اعتناق بعض الأوروبيين للإسلام عن وعي وبشكل متحرر بعيدا عن كل قيود الدمغجة. فهذه الظاهرة، أضحت في المدة الأخيرة، تؤرق السياسيين والأمنيين والباحثين بشكل عام، فأصبحت ظاهرة اعتناق الإسلام أرقا أمنيا تخوفا من الذهاب إلى داعش كما شكلت أرقا سياسيا كذلك بالنسبة إلى اليمين المتطرف، وهو ما يدعو إلى التعمق أكثر في المسألة وقراءة ردود الفعل بشأنها.
الثلاثاء 2015/09/08
بعض الظواهر مثل النقاب تجعل الأجهزة الأمنية تتحسب من معتنقي الإسلام

أمستردام - قالت وزارة الدفاع الهولندية إنها بصدد التحري بخصوص رقيب في سلاح الجو يبلغ من العمر 26 عاما يعتقد أنه سافر إلى سوريا للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية. وقال بيان للوزارة إنه تم إلغاء دخول الرقيب على أنظمة كمبيوتر الجيش وأن الإدعاء يحقق في الأمر، ولم تكشف بعد عن هوية الرجل.

وانضم الآلاف من الأجانب إلى تنظيم الدولة الإسلامية من بينهم العشرات من هولندا. وقال البيان “هذه هي المرة الأولى التي يغادر فيها جندي هولندي نظامي ليفعل ذلك”. وكان خبر انضمام الجندي إلى ما يسمّى تنظيم الدولة الإسلامية فرصة لإعادة قراءة موقع المسلمين في المجتمع الأوروبي.

وفي سياق الحديث عن اختراق الجماعات المتطرفة لبعض الشرائح في المجتمع الأوروبي، أكدت العديد من التقارير والتحقيقات الصحفية أن “اعتناق الشباب للإسلام من خلال التأثر بوسائل الاتصال الاجتماعي والاحتكاك بعناصر متطرفة، ظاهرة أصبحت منتشرة في أوروبا”، وقد نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية مؤخرا تقريرا يتحدث عن تنامي اعتناق الشباب الأوروبي وخاصة الفتيات للإسلام.الأمر الذي أصبح ظاهرة محل قلق لدى الحكومات الأوروبية، التي أعلنت ذلك صراحة في أكثر من مناسبة، حتى أن أحد المسؤولين الألمان ذهب في تصريح له للإشارة إلى أن الإسلام قد يكون “دين الأغلبية في أوروبا إذا استمر في الانتشار”.

وعلى الجانب الآخر يثير هذا ردود فعل ومخاوف الأسر والعائلات الأوروبية من أن ينتقل أبناؤهم إلى التشدّد ثم الالتحاق بالتنظيمات الجهادية، وهو ما يجعل الأمر محل نقاش وجدل في أوروبا، بين حرية الاعتقاد وتهديد ثقافة وكيان القارة الأوروبية.

ويبلغ عدد المسلمين في أوروبا الآن حوالي 70 مليون نسمة، يتعايشون كجزء من النسيج الاجتماعي لدولهم، وهذا ما يحدث مع الغالبية. وتشير الإحصائيات التي أجراها معهد “بيو” الأميركي حول المسلمين، إلى أنه من المتوقّع أن تصل نسبة المسلمين في أوروبا إلى حوالي 10 في المئة من السكان بحلول عام 2030، وذلك بسبب زيادة نسبة المسلمين في أوروبا حاليا والنسبة المتوقعة مستقبلا.

تنامي اعتناق الإسلام في أوروبا أصبح محل جدل بين الحرية العقائدية وخطر تغير الثقافة القومية

ومع زيادة أعداد معتنقي الدين الإسلامي في أوروبا، تحول الأمر إلى ظاهرة أخذت أبعادا جديدة منذ التسعينات، بفضل الحضور الواسع للإسلام في فرنسا مثلا، والديناميكية الاجتماعية التي يتميّز بها المسلمون، وتنوّع الدوافع التي تشجّع الأوروبيين على اعتناق هذه الديانة، ما أدى إلى انتشارها في صفوف أبناء المهاجرين والشباب الأوروبي المنتمي لعائلات غير مسلمة.

ولكن الأبحاث السوسيولوجية تؤكد أن العديد من العائلات الأوروبية تنتابها العديد من المخاوف والقلق، بسبب ارتفاع نسبة الشباب الذين اعتنقوا الإسلام ثم التحقوا بصفوف تنظيم الدولة والجماعات الجهادية الأخرى، أو لأسباب أخرى كتغير السلوكات الاجتماعية بين أفراد العائلة أو مع الأصدقاء.

ولكن في المقابل، فإن عددا من النشطاء اليساريين والحقوقيين في أوروبا يؤكدون على ضرورة التفريق جيدا بين الحرية الدينية وفردية العقيدة وبين الانتماء إلى الجماعات المتطرفة في الشرق الأوسط أو حتى الخلايا الموجودة في أوروبا، وقد تأكد ذلك من خلال العديد من التحركات التي قام بها نشطاء في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا ودول أخرى.

وفي السياق يقول أستاذ أصول الدين والدعوة بجامعة الأزهر خالد عبدالمحسن، إن الملتحقين بتنظيم الدولة في العراق وسوريا هم أقلية مقارنة بالعدد الإجمالي للمسلمين في أوروبا، موضحا أن أعداد من التحقوا بالتنظيم تتراوح بين 70 ألفا و120 ألفا من أصل الملايين من المسلمين في أوروبا، لافتا إلى أن الإستراتيجية الإعلامية للتنظيم سعت إلى تضخيم أعدادهم، من أجل تسليط الضوء على نجاحها في استقطابهم، وهو ما أدى إلى تضليل الرأي العام وربط فكرة اعتناق الإسلام بالانتماء لتنظيم الدولة.

ويضيف عبدالمحسن قائلا “تنظيم الدولة شوه فكرة اعتناق الإسلام في أوروبا، بسبب استثماره في العديد من الأوروبيين الذي التحقوا به واستغلالهم في الدعاية الإعلامية”.

وبالعودة إلى الجندي الهولندي الذي رفضت السلطات الكشف عن هويته، فإن عددا من الأحزاب اليمينية والمجموعات التي تعادي المهاجرين قامت بحملة على وسائل الاتصال الافتراضي لاستغلال الخبر وترويج خطاب معاد للمسلمين والمهاجرين بشكل عام، خاصة أن اليمين الهولندي الآن أصبح له حضور إعلامي متزايد نتيجة تصريحات النائب اليميني غيرت فيلدرز حول “ضرورة حماية الخصوصية الثقافية الأوروبية من غزو الثقافة الإسلامية المفاجئ” حسب قوله، الأمر الذي دعا إلى موجات استهجان عديدة لمثل هذه التصريحات العنصرية.

13