تنامي العنف يشظي البنية الديمغرافية ويهدد وحدة المجتمعات العربية

الاثنين 2015/08/10
التهجير والتطهير العرقي يهددان بنسف قرون من التمازج الديني والعرقي والثقافي

بيروت - يبدو أنّ العنف المنفلت من كل عقال، والذي يجتاح عددا من الأوطان العربية منذ ما يزيد عن أربع سنوات، بدا يغدو أكثر فأكثر مجرّد عينة ممَّا هو آت؛ فالصراع الدموي الراهن بات يفرض ضغوطا هائلة على المواطنين العرب أكثر من أي وقت مضى. وما لم ينقلب هذا المسار سريعا، لا يمكن أن ننتظر منه سوى موجات جديدة أكثر شدة من الصراع والمواجهات، ذات أبعاد طائفية، من شأنها أن تشظي البنية الديمغرافية وتهدد وحدة المجتمعات العربية، وفق دراسة للباحثة بمركز كارنيغي للشرق الأوسط، مهى يحيى، صدرت بموقع بروجكت سنديكيت.

لم يشهد العالم العربي، منذ أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، خرابا عظيما مماثلا لما يعيشه اليوم. لقد زلزلت الأرض زلزالها في ما لا يقل عن تسعة بلدان عربية، حيث بلغ العنف فيها حداً غير مسبوق من الوحشية والهمجية. والأدهى أن التّوتر آخذ في التصاعد. وقد تمكن الضعف والوهن من قيم لطالما سعت النظم إلى ترسيخها، فيما بدأت الأسس المجتمعية التي كانت متينة ذات يوم تتداعى.

وقد مزق الاقتتال في كلّ من سوريا والعراق وليبيا واليمن مجتمعات بأكملها. وأنهت أعمال التطهير العِرقي التي يمارسها تنظيم “الدولة الإسلامية”، قرونا من التمازج الديني والعرقي والثقافي، كما أجبرت حوالي مليوني شخص على ترك ديارهم قسرا.

وعلى الرغم من كونها مسقط رأس خمسة بالمئة فقط من سكان المعمورة، فقد لفظت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر من ثلث اللاجئين على مستوى العالم؛ ففي سوريا وحدها، أرغِم 11 مليون شخص على النزوح عنوة من قراهم ومدنهم إلى مناطق داخلية أخرى، أو عبر الحدود الدولية.

وينفض هذا التشظي السكاني الرماد عن جمر التوترات الاجتماعية الكامنة في أنحاء كثيرة من العالم العربي؛ ففي لبنان على سبيل المثال، تسبب وصول أكثر من مليون لاجئ سوري في إثارة المخاوف من إمكانية اختلال التوازن الطائفي في البلاد، وهو أمر من شأنه أن يقوض النظام السياسي الهش المعمول به.

وتساهم هذه الاختلالات الديمغرافية الضخمة في تغيير الهوية الاجتماعية والسياسية للمنطقة على نحو خطير، خاصّة أنّ الأطراف المتحاربة في مختلف أنحاء المنطقة تتبنى الطائفية كوسيلة للحشد، وهو الأمر الذي يزيد من استقطاب السكان على أسس دينية وعِرقية وأيديولوجية.

وتزيد هذه الاضطرابات غالبية البلدان العربية التي تشهد صراعات حادة، فقرا على فقر، وتحدّ من فرص بلوغ الازدهار والرفاهية؛ حيث أنّ أكثر من 21 مليون طفل عربي باتوا خارج المدرسة، في حين يصنف 50 مليون مواطن عربي في خانة الفقراء. وفي سوريا، يعجز 80 بالمئة من السكان عن تلبية احتياجاتهم المعيشية الأساسية. وقبل اندلاع الصراع الأخير في اليمن، كان أكثر من ثلث السكان، نحو 11.5 مليون شخص، يعانون من انعدام الأمن الغذائي. ومنذ ذلك الحين، أضيف لهم نحو مليونين آخرين.

وقد أوجدت هذه الاضطرابات كذلك أرضا خصبا لعسكرة الشباب ودفعهم إلى التّطرف، فتونس، قصّة النجاح المحتفى بها بين الدول التي شهدت ثورات عربية، تساهم اليوم بأكبر عدد من المقاتلين الأجانب الذين انضموا إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” (ما يقدر بنحو 3000 شخص أغلبهم من الشباب). وتُظهِر العديد من الأدلة أنّ المتصارعين في غالبية البلدان التي تشهد نزاعات، لا يتورعون عن استخدام الأطفال لشن حروبهم؛ فثلث المقاتلين في اليمن هم تقريباً من الأطفال. ويتباهى تنظيم “الدولة الإسلامية”، بدوره، بأنّه يدرّب الأطفال لخوض معارك المستقبل.

وبدلا من امتصاص الاحتقان والسخط الشعبي والتفكير في حلول عملية وجدية، في البلدان التي تشهد نزاعات حادة، ينتشر التعذيب والاختفاء القسري على نطاق واسع شأن ما يحصل في سوريا، التي اختفى فيها منذ بداية الصراع حوالي 85 ألف فرد، وخضع 12 ألفا آخرين إلى صنوف من التعذيب الوحشي.

في هذه المرحلة من الصراعات المتفاقمة، يتطلب إنهاء الأعمال العدائية في سوريا والعراق واليمن إجماعا وطنيا وإقليميا ودوليا وحدا لحالة العنف والشحذ الطائفي. ومن الواضح أن هذه مهمة عسيرة في ظل الظروف الحالية. إذ تتطلب هذه التحديات الجسام تفكيرا شجاعا، ومبادرات جريئة، مثلما تتطلب إبداعا وبراعة من قِبَل القادة الوطنيين والإقليميين على الصعيدين السياسي والتنموي، ومن دون هذه المبادرات النوعية، فإن العنف سوف يبتلع المنطقة وما حولها.

7