تنامي تداول الأموال نقدا يكبل نشاط المصارف التونسية

اعتبر خبراء أن تحركات تونس نحو إصلاح النظام المالي لا تزال تسير بخطى متثاقلة ولا سيما في ظل استمرار غياب حلول الدفع الإلكتروني والإمعان في التعامل بالسيولة النقدية التي أرهقت المصارف وفتحت الباب على مصراعيه أمام ازدهار السوق السوداء.
الأربعاء 2018/03/14
خارج سجلات الحكومة

 تونس - كشف غياب وسائل الدفع الإلكترونية في العديد من القطاعات بأسواق التجزئة في تونس عن عجز السلطات المالية عن اعتماد رؤية تكبح التعامل بالأوراق النقدية، والتي فاقمت من متاعب البنوك.
ويتفق العديد من الاقتصاديين على أن اعتماد التكنولوجيا في البنوك سيتيح للسلطات معرفة تحركات الأموال التي تدور في السوق السوداء على وجه التحديد.
ورغم محاولات البنك المركزي لامتصاص الاقتصاد الموازي الذي استنزف موارد الدولة بشكل كبير خلال السنوات الماضية وجعلها تغرق في أزمات متلاحقة، إلا أنه لم ينجح حتى الآن في مساعدة المصارف المحلية التي تعاني من نقص السيولة.
ويقول الخبير محمد جبنون إن قرابة ثلاثة ملايين من أصل 11.5 مليون تونسي لا يمتلكون حسابا بريديا أو بنكيا في ظل تفشي ظاهرة الاقتصاد الموازي الذي يرفض التعامل بوسائل الدفع الإلكترونية.
وأكد أن التعامل نقدا بين المستهلكين أدى في الوقت الراهن إلى بروز أزمة سيولة في البنوك التي تحتاج إلى إعادة تمويل يوميا، بما قدره 4.93 مليار دولار، مقابل 2.17 مليار دولار في 2010.
وتشير البيانات إلى أن المعاملات النقدية في السوق المحلية أدّت لاستنزاف البنوك المحلية وجعلها تعاني من شح في السيولة يعادل نحو 9 مليارات دينار (نحو 3.63 مليار دولار). وتبلغ قيمة الأوراق النقدية والمسكوكات المتداولة بالبنك المركزي قرابة 11.8 مليار دينار (4.85 مليار دولار).
وتتابع الأوساط الاقتصادية بحذر التقارير الدولية التي تضع البلد ضمن الدول المتقاعسة في مكافحة ظاهرة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
ويطالب الاستشاري في الاستثمار هشام بن فضل، بتطوير آليات الدفع الإلكتروني في البلاد، لما من شأنه أن يساعد على التقليص من السوق الموازية وتوفير السيولة للبنوك المحلية.

محمد جبنون:3 ملايين تونسي يلجأون إلى السوق الموازية التي لا تتعامل بالدفع الإلكتروني
محمد جبنون:3 ملايين تونسي يلجأون إلى السوق الموازية التي لا تتعامل بالدفع الإلكتروني

وقال بن فضل، وهو خبير في آليات الدفع الإلكترونية، إن “عمليات الدفع في الاقتصاد الموازي تتم نقدا وفي بعض الأحيان تستعمل هذه الأموال للعمليات غير القانونية مثل تبييض الأموال”.
وقدر الخبير التونسي حجم التعاملات النقدية في السوق التونسية العام الماضي بنحو 102.8 مليار دولار، منها نحو 49.4 مليار دولار تعاملات نقدية. وقال إنه “كلما تزايدت المعاملات بـ”الكاش” فإن السيولة في القطاع البنكي تنقص”.
وتشير التقديرات إلى أن السوق السوداء تستحوذ على قرابة نصف الناتج المحلي الإجمالي لتونس، وهي تستنزف أكثر من 600 مليون دولار سنويا من خزينة الدولة، ما يعتبر أحد أهم العراقيل التي تعيق النمو.
ويشكل إدماج القطاع الموازي في الدورة الاقتصادية الرسمية أحد أبرز مطالب النقابات في البلاد وفي مقدمتها الاتحاد التونسي للتجارة والصناعة والصناعات التقليدية (يوتيكا) للخروج من نفق الأزمة.
وقال أحمد طرشي، كاتب عام البنك المركزي، إن “ملف التعامل نقدا في السوق اليوم لا يهمّ فقط البنك المركزي، بل يهم كل الفاعلين الاقتصاديين سواء الدولة أو البنوك والمؤسسات أو حتى القطاع الخاص”.
وأشار إلى أن التطور الكبير في استعمال السيولة النقدية خلال السنوات الأخيرة جعل من الضروري التفكير في عقد اجتماعات أولية لدراسة المسألة حتى يتمّ تقليص التعامل نقدا.
وأكد أن مجموعة عمل تضم كل الأطراف تدرس هذه المشكلة حاليا في محاولة للخروج بحلول ناجعة لأن “مصدر القلق هو كيفية استعمال الكاش وليس الكاش في حدّ ذاته”.
وكان المحافظ السابق للمركزي الشاذلي العياري قد قال في ديسمبر الماضي إنه “تم تشكيل لجنة لدراسة القدرات والتقنيات ومكـان تركيز نظـام “البلوك تشين” في تونس”.
ويرى خبراء الاقتصاد في تونس أن حجم كمية النقد كبير، وهذا التطور لا يقابله نمو اقتصادي وهو ما يؤدي في نهاية المطاف لارتفاع معدل التضخم، كما أنه لا يقابل تطور الاستثمار.
ويقول طرشي إنه عندما يأتي مستثمر لطلب قرض من البنك، فإن الأخير ليس لديه السيولة الكافية لذلك وبالتالي فهو يلجأ إلى المركزي لطلب السيولة والذي بدوره يقوم بضخ المزيد من السيولة النقدية.
وكان المركزي قد رفع أسعار الفائدة خلال وقت سابق من الشهر الجاري، بمقدار 75 نقطة أساس، إلى 5.75 بالمئة لمواجهة ارتفاع محتمل في التضخم.
ودعا بن فضل للإسراع في تطوير آليات أخرى للدفع مثل بطاقات الدفع الإلكتروني والدفع عن طريق الهواتف الجوالة الذكية. وقال إن “هذه الآلية في دول مثل السويد والصين تقترب لتكون آلية الدفع الأولى”.
وتظهر الإحصائيات أن نحو 6.5 مليون تونسي لديهم هواتف ذكية، وإذا ما تم تطوير آلية الدفع عبر الهواتف الذكية، فستكون أسرع آلية تعتمدها تونس للدفع الإلكتروني.
وتشير البيانات كذلك إلى أن نحو 20 بالمئة ممن يمتلكون حسابات بنكية أو بريدية لديهم بطاقات للدفع الإلكتروني، وأن 20 بالمئة ممن لديهم بطاقات فقط يستعملونها لدفع فواتيرهم.

10