تنتصر الثورة في لبنان حين تنتصر جنوبا

السيناريوهات متشابهة في لبنان والعراق وإيران ويقودها مايسترو واحد هو قاسم سليماني، ولو تباينت الأساليب وفق تباين الظروف المحلية.
الأربعاء 2019/11/27
حزب الله قام على أيديولوجيا مذهبية متعصبة

ليس غريبا، ولا غير متوقع، هذا الهجوم المضاد الذي شنه حزب الله على الثورة اللبنانية خلال ليلتين هذا الأسبوع بواسطة المئات من المتهيجين مذهبيا المنفلتين من كل عقال، على ساحات اعتصام الثوار في بيروت وفي الجنوب، وربما لاحقا في أماكن أخرى في لبنان.

فمنظومة الفساد والنهب، التي ثار عليها اللبنانيون والمتحكمة بمؤسسات الدولة وبكل مفاصل إداراتها ومواردها، باتت منذ سنوات تحت هيمنة حزب الله وفي خدمة مصالحه وأجنداته داخليا وخارجيا. وحزب الله قام على أيديولوجيا مذهبية متعصبة وبها يستمر وتستمر هيمنته على المنظومة الطائفية في نظام المحاصصة والفساد، الذي قام ولا يمكنه أن يستمر إلا بالطائفية.

فكيف يقبل المهيمن بسلاحه وبمذهبيته الطائفية وبحلفائه الطائفيين أن ينهض شعب لبنان بكل ما تعنيه كلمة شعب؟ وكيف يقبل أن يخرج من عباءات الطوائف والزعماء الطائفيين “المقدسة” إلى رحاب الوطن محطما كل الحدود الطائفية، التي رسمها هؤلاء لفرض سيطرتهم، والتي بها يدوم سلطانهم على الناس والبلاد ويورثونه للأبناء والأحفاد؟

كان متوقعا أن ينبري حزب الله لشن هجومه المضاد على الثورة بواسطة عصابات التشبيح التابعة له ولحلفائه في حركة أمل والتيار الوطني الحر بعد أن يستنفد كل محاولات الترهيب والتشهير والتخوين ومحاولة زج الجيش اللبناني والقوى الأمنية في سحق المنتفضين على الطرقات وفي الساحات من خلال ممارسة أقصى الضغوط على قياداتها.

لكن هذه المحاولات فشلت جميعها، فكان لا بد من إطلاق المئات من المتهيجين المنفلتين في محاولة لترويع المتظاهرين في الساحات، والاعتداء عليهم وتحطيم خيمهم وممتلكاتهم. فكان ما شهدناه في الليلتين الماضيتين، حتى وصل الأمر بهؤلاء البلطجية إلى تكسير سيارات المواطنين أمام بيوتهم أثناء اختراقهم للشوارع والأحياء السكنية، إضافة إلى تحطيم واجهات المحلات والاعتداء بالحجارة على الشقق السكنية وإحراق عدد من السيارات.

وفي مواجهة النشيد الوطني اللبناني، الذي أنشده الثوار (كلنا للوطن)، كان هتاف الشبيحة “شيعة، شيعة، شيعة” إضافة إلى الهتافات المؤيدة لحسن نصرالله ونبيه بري.

الرسائل التي أرسلها حزب الله من خلال تلك الهجمات الليلية كانت في عدة اتجاهات، الأول وهو الأهم للطائفة الشيعية وتقول فيه أن لا مكان لكم خارج العباءة المذهبية بقيادة حزب الله وحركة أمل، وكل من يخرج من تحت هذه العباءة لن يسلم.

فقد هال قيادة حزب الله أن ترى الآلاف من المواطنين الشيعة الذين حررتهم ثورة 17 أكتوبر، فقاموا منذ اليوم الأول بمحاولة تنظيف الجنوب اللبناني من صوَر زعماء حركة أمل وخصوصا صوَر رئيس الحركة ورئيس مجلس النواب نبيه بري وصوَر نواب حزب الله وحركة أمل وأعلامها ويافطاتها وهجومهم الكبير على مكاتب ومنازل هؤلاء النواب في قرى ومدن الجنوب اللبناني، فكان الخطاب الأول لزعيم حزب الله بعد يومين وكانت تهديداته ورفضه القاطع لكل ما يشير إلى سقوط المنظومة الطائفية الحاكمة، بدءا من الحكومة وصولا إلى مجلس النواب الذي طالب الثوار بتقصير ولايته وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة.

الثوار في لبنان لن يخضعوا لأي ابتزاز أو قمع
الثوار في لبنان لن يخضعوا لأي ابتزاز أو قمع

أما الرسالة الثانية فكانت للداخل اللبناني وللثوار أنفسهم، وهي تقول إن اللبنانيين ليسوا سوى تجمع طوائف ومذاهب ولا يمكن أن يصيروا شعبا. من هنا كانت محاولات الاحتكاك مع منطقة الأشرفية ذات الأكثرية المسيحية ومع طريق جديدة ذات الأكثرية السنية، لاستجلاب ردود أفعال طائفية تعيد الناس إلى ما قبل 17 أكتوبر.

الرسالة الثالثة كانت للخارج، الذي بدأ يتوجه بدبلوماسيته إلى السلطة اللبنانية ويحاول الضغط عليها لتشكيل حكومة “تحظى بثقة اللبنانيين”. ويرهن بذلك المطلب مساعداته المالية لإنقاذ الوضع المالي والاقتصادي المتدهور، الذي وصلت البلاد والدولة إليه بسبب سياسات المنظومة التي يحميها حزب الله ويريد إعادة إنتاجها كأن شيئا لم يكن. هذه الرسالة تقول: لا حكومة في لبنان خارج هيمنة حزب الله الذي يمكنه خلال ساعات اجتياح بيروت وسائر المناطق اللبنانية وجعل الثورة التي مضى عليها أربعون يوما وكأنها لم تكن. وبالتالي على الدول الأوروبية والخارج عموما أن يتعاطى مع الشأن اللبناني على هذا الأساس.

لا شك أن أحداث اليومين الأخيرين، التي قادها حزب الله في بيروت والجنوب تأتي في موازاة محاولة نظام مافيا ملالي طهران إنهاء انتفاضة الشعب الإيراني وطي صفحتها باستخدام القتل والاعتقال، حيث سقط المئات من القتلى وزج بأكثر من عشرة آلاف في المعتقلات. كما أنها تترافق مع ما يجري من محاولات لقمع الانتفاضة العراقية وإنهائها بمختلف أشكال القمع والالتفاف والادعاءات السياسية الفارغة بتقديم تنازلات في مجالات الإصلاح ومحاربة الفساد.

السيناريوهات متشابهة يقودها مايسترو واحد هو قاسم سليماني، ولو تباينت الأساليب وفق تباين الظروف المحلية.

هل مازال خافيا على البعض أن حزب الله هو راعي منظومة الفساد المسيطرة وحاميها؟ وهل هناك من لا يزال يخدع النفس ويخدعه حزب الله بتلطيه خلف شعار المقاومة؟ وهل تبين للبعض أن حزب الله لم يسحق المقاومة الوطنية ويحتكر العمل المقاوم في زمن الاحتلال الإسرائيلي إلا ليوظف هذا الشعار في ركوب الطائفة الشيعية وفي استعمال المقاومة كسلاح في وجه كل من يعترض على سلوكه وأجندات أسياده في طهران، وفي الهيمنة الطائفية داخليا على نظام سيطرة المافيات، الذي لا يقوم إلا بالطائفية ولا يستمر إلا بها؟

الثوار في لبنان لم يستسلموا ولن يتخلوا عن ثورتهم وعن مواجهتهم المستمرة منذ اثنين وأربعين يوما لمنظومة الفساد مهما ارتفع صوت المتهيجين طائفيا. ولن يخضعوا لأي ابتزاز أو تهويل أو قمع. وهم يدركون جيدا أن الثورة ليست نزهة أو كرنفال، وأن درب النضال طويل طويل. لكنها لن تحقق كافة أهدافها ما لم تنتصر جنوبا.

8